مقدمة المؤلف

[2/ 1] بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (¬1) الحمد لله بجميع محامده، وصلى الله على محمد خاتم أنبيائه، وأمينه على وحيه وسلم تسليما.

ثم أما بعد حمد الله، والصلاة على نبيه، فإنى رأيت أحسن ما يقتنيه المقتنى العاقل، ويشرفه ذو الشرف الفاضل العلم الذى به عرف الرب الخالق وبه استقرت (فى) (¬2) سجايا المخلوقين طاعته، وعذبت فى قلوب العلماء عبادته، وبه فهم عن الله، وعرف تأويل ما أتى به من (¬3) الوحى على لسان نبيه المصطفى، وخير (¬4) خلقه المرتضى.

وأن أشرف ما عنى به الطالب بعد كتاب الله - عز وجل - لغات العرب وآدابها، وطرائف حكمها؛ لأن الله تبارك وتعالى: اختارها بين اللغات لخير عترة (¬5) وأشرف أمة، ثم جعلها لغة [أهل] (¬6) دار المقامة فى جواره ومحل كرامته، فهى أفصح اللغات لسانا، وأوضحها بيانا، وأقومها مناهج، وأثقفها أبنية، وأحسنها بحسن الاختصار تألفا، وأكثرها بقياس أفعالها تصرفا.

Страница 51

وأول ما يجب للناظر فى كلام العرب بعد إحكام قياس حركات الإعراب أن يحكم تثقيف الأفعال، لما يدخلها من القياس بالتصرف، ليتصل له قياس التصرف فى الأفعال بقياس تصرف الإعراب فى الأسماء. وأيضا فإن أكثر الكلام مشتق منها (¬1)، وأكثر ما تسأل (¬2) الطلبة، والقراء، والفقهاء (¬3) فعن التصريف والاشتقاق فى القرآن والسنة وكلام العرب.

وإنى تأملت ما ألفه فى ذلك من عنى بلغات العرب [من العلماء المتقدمين] (¬4) كالزجاج (¬5)، وأبى حاتم (¬6)، وقطرب (¬7)، وغيرهم من أهل العناية والعلم، فرأيت تواليفهم فى الأفعال غير موعبة (¬8)، ولا مقتضية لإتقان ما قصدوه بزعمهم حتى تلافأ (¬9) ذلك، وتولاه: محمد بن عمر بن القوطية (¬10) - رحمه الله - فألف فى الأفعال كتابا حاز به قصب السبق، واستولى به على أمد الغاية، لم يتقدمه إلى مثله فى هذا الفن أحد من العلماء الماضين.

Страница 52

ولكنه - رحمه الله - قصد فى هذا الكتاب مقصد الغاية فى الاختصار، حتى أخل ذلك بتبين (¬1) كثير مما جلب من الأفعال.

ونجتلب من (¬2) ذلك مثالا مما وقع فى الكتاب نحو قوله:

عقل الرجل عقلا: راجعه عقله بعد شئ أذهبه، والصبى عقلا: ذكا بعد الصبا، والبعير: شددته بالعقال، والظل: إذا قام قائم الظهيرة، والشئ عقلة: حبسته (¬3)، والرجل عقلة: شغزبية (¬4) فصرعته، والأوعال والوحوش:

صارت فى معاقل الجبال، والقتيل عقلا غرمت ديته، [وعن القاتل: غرمت عنه الدية، والرجل أعقله: صرت أعقل منه] (¬5)، والرجل على القوم:

سعى فى صدقاتهم، والطعام البطن: أمسكه، والبطن: استمسك.

والكتاب (¬6) كله مبنى على هذه الرتبة فتعسر من هذه الجهة على الطالب وصعب على الدارس إلا من أفرغ فيه تدبيره، وأجهد فكرته، وأتعب استطاعته، فأعمل الفكرة (¬7) مع كل لفظ فى الرجوع إلى الأصل الأول (¬8)، فصار الكتاب بذلك مخالفا لما بين أيدينا من كتب اللغة، وما عهدناه من التواليف القديمة.

وأيضا فإنه إنما كان غرضه - رحمه الله - فى هذا الكتاب: فعلت وأفعلت خاصة، وترك ما جاوز ذلك من الأفعال الرباعية الأصلية مثل: دحرج، وسلهب (¬9)

Страница 53

وما جاوزها بالزيادة مثل: اقشعر، واحرنجم (¬1)، ومثل: احمار، واشهاب.

فلما رأيت الكتاب قد اختل من هذه الجهة مع ما رأيت من فضله، وأنه قد بذ فيه الأولين والآخرين.

أفردت له عنايتى، وجعلت له حظا من نظرى بعد تصحيح روايتى إياه على مؤلفه - رحمه الله - (¬2) فتلافيت ما اختل منه بإلحاقه، وترداد ذكره، وبسط تفسيره، وألحقت فيه الأفعال التى ترك ذكرها من الرباعية، وما جاوزها بالزيادة (¬3)، وألحقت فى كل باب منه ما لم يذكره، إذ الإحاطة ممتنعة على البشر، ولخصت (¬4) ما وقع منها فى غير موضعه بنقله إلى الموضع الذى هو أحق به؛ ليخف على الدارس، ويسهل فيه وجدان لفظه على الطالب، وليكون الكتاب كاملا مقتضيا للمعنى الذى قصد (¬5) به إليه.

ورتبته على مخارج الحروف على ما اجتلب ذكرها «سيبويه «*»» - رحمه الله - (¬6)

Страница 54

وكان الذى دعانا إلى العناية بهذا الكتاب ما علمته من الحاجب المنصور أبى عامر محمد بن أبى عامر - وفقه الله (¬1) - من حسن اهتباله (¬2) بالعلم والأدب ورسوخه فيه، وبحثه عن غوامضه، وتقديمه أهله، وتشريفه حامليه، وأهل العناية (به) (¬3)، فاعتمدته - أبقاه الله - (¬4)، بعنايتى تزلفا إليه، وتقمما (¬5) لمسرته؛ لعلمى أن الأدب أشرف البضائع عنده، وأقرب الوسائل لديه، أبقاه الله عزيزا مكرما مصونا ، مسلما، وبالله [العون] (¬6) والتوفيق.

وصلى الله على محمد نبى الرحمة، وإمام الهدى، وسلم تسليما.

هذا باب علم الأفعال وتلخيص أبنيتها، وقياس تصرفها

اعلم أن الأفعال (¬7) تنقسم قسمين: سالم، ومعتل (¬8) وأقل أصولها ثلاثة أحرف، وما جاء منها على أقل من ثلاثة فلعلة دخلت الفعل أوجبت الحذف من الأصل، أو لتضعيف دخله (¬9) فصار لفظه ثنائيا.

وأقصى ما ينتهى إليه الفعل أصليا أربعة أحرف نحو: دحرج، وسلهب ولا يتجاوز هذا العدد إلا مزيدا فيه، وأقصى ما ينتهى إليه بالزيادة ستة أحرف ثلاثيا كان، أو رباعيا.

Страница 55

فالثلاثى نحو: احمار، واشهاب، واستكبر.

والرباعى نحو: اقشعر، واقمطر، ونحو: احرنجم، واعلنكس.

والزيادة فيه تكون من وجهين:

تكون من الحروف [2 - ب] الزوائد العشرة المعروفة (¬1) التى يجمعها قولك:

«اليوم تنساه» وذلك نحو: استفعل، وافتعل، وانفعل (¬2)، وما أشبه ذلك مما أصله الثلاثة.

وافعنلل نحو: احرنجم، واصعنفر (¬3).

وتكون من نفس الحرف فيلحقه التضعيف نحو: اشهاب، واقشعر (¬4).

والثلاثية منها على ثلاثة أبنية: فعل، وفعل، وفعل نحو: ضرب، وسمع، وظرف.

فأما فعل وفعل، فقد يكونان لما يتعدى، ولما لا يتعدى

فأما فعل، فلا يكون لما يتعدى فى حال ألبتة.

فمن الثلاثية ما لحقه التضعيف، فصار ثنائيا فى اللفظ نحو: رد، وكر (¬5)، وما أشبه ذلك.

Страница 56

وهذا المضاعف يأتى على وجهين: «فعل وفعل» لا غير، ولم يأت منه على فعل إلا حرف واحد شاذ رواه يونس «*» وهو: لببت تلب لبابة ولبا، وأجود اللغتين: لببت تلب (¬1).

والضم يستثقل فى الفعل الماضى من المضاعف، لثقل التضعيف، وثقل الضم، فلما اجتمعا فروا منهما.

وما كان من هذا النحو المضاعف متعديا (¬2)، فإن مستقبله يأتى على يفعل بالضم فى قول «الخليل «* *»» غير

أفعال يسيرة جاءت باللغتين وهى: عله بالشراب يعله، ويعله، ونم الحديث ينمه وينمه، وهره يهره ويهره: كرهه (¬3)، وشده يشده ويشده، وصد عنى يصد ويصد (¬4).

وقد جاء من ذلك حرف (¬5) شاذ بالكسر خاصة، وهو حببته أحبه، قال الشاعر:

1 - أحب أبا مروان من حب تمره ... وأعلم أن الرفق بالجار أرفق (¬6)

وينشد أيضا «إحب أبا مروان» بكسر الهمزة.

Страница 57

وأما ما كان منه غير متعد، فإن مستقبله ياتى على «يفغل» بالكسر غير أفعال [أيضا] (¬1) أتت باللغتين، وهى:

شج يشج ويشج، وجد فى الأمر يجد ويجد، وجم الفرس يجم ويجم، وشب يشب ويشب، وفحت الأفعى تفح وتفح، وترت يده تتر وتتر (¬2)، وطرت تطر وتطر، وحدت المرأة تحد وتحد، وشذ الشئ يشذ ويشذ، ونس الشئ ينس وينس، إذا يبس، وشطت الدار تشط وتشط، ودرت الناقة وغيرها تدر وتدر.

وقد شذ منه حرف واحد أتى بالضم خاصة، وهو: أل الشئ يؤل: إذا (¬3) برق، وأل الرجل يؤل: رفع صوته ضارعا، وأما قولهم: ذرت الشمس تذر، وهبت الريح تهب، فزعم الفراء «*» أن الضم إنما جاء فيهما على القياس؛ لأن فيهما معنى التعدى (¬4)

وهذا الفصل الذى ذكرناه من أمر المضاعف هكذا رواه «يعقوب» «* *» عن الفراء، وهكذا أيضا نقله «ابن قتيبة «* * *»»

Страница 58

وقال الفراء «فإن جاء غير ما ذكرنا من الشواذ فقليل.

وهذا مذهب الكوفيين.

فأما أهل البصرة: «سيبويه (¬1)» وأصحابه، فإنهم إنما ذكروا ما ذكرناه من أمر المضاعف فى باب الخصال خاصة (¬2).

فقال «سيبويه»: واعلم أن ما كان من التضعيف فى هذه الأفعال التى ليست بأعمال تعداك إلى غيرك، فإنه لا يكاد يكون فيه «فعل، وفعلت» يعنى من أفعال الخصال خاصة؛ لأنهم يستثقلون الضم والتضعيف، فلما اجتمعا حادوا عنهما (¬3)».

والباب يجئ على جلس يجلس نحو: ذل يذل.

وقد قالوا أيضا: شححت: أشح، كما قالوا بخلت أبخل؛ لأن الكسرة أخف عليهم من الضمة، ألا ترى أن فعل أكثر فى كلامهم من فعل، والياء أخف من الواو وأكثر «3»، فدل بكلامه على أنه عدل «بفعل يفعل» فى هذه الخصال خاصة من المضاعف إلى «فعل يفعل»، وقد ردوها أيضا فى القليل إلى «فعل يفعل» مثل: شححت تشح، وبخلت تبخل، فرارا من الضم إلى الفتح والكسر، من نحو ما ذكره «يونس» (¬4) من لببت تلب على أصل الباب مثل:

ظرف يظرف، وحسن يحسن.

Страница 59

وقول أهل البصرة أثقف، لأنه لا يكاد يوجد غير ما ذكروا (¬1)، والذى حده أيضا أهل الكوفة قليل، ولو وجد منه مائة كلمة.

وقياس ما كان من جميع الثلاثية على «فعل» فمستقبله (¬2) يأتى تارة بالضم، وتارة بالكسر نحو: ضرب يضرب، ودخل يدخل (¬3).

وقد قال «أبو زيد» «*»: إذا جاوزت المشاهير من الأفعال نحو: دخل، وضرب (¬4)، وما أشبه ذلك من مشهور الكلام، فقل إن شئت: «يفعل»، وإن شئت «يفعل» إلا ما كانت عينه أو لامه من حروف الحلق، فإنه يأتى على «فعل يفعل» وربما جاء على «يفعل ويفعل (¬5)».

وما كان على «فعل» فمستقبله على يفعل، إلا أفعالا يسيرة شذت عن الباب وهى:

حسب يحسب، ونعم ينعم، ويئس ييئس، ويبس ييبس، والفتح فيها (¬6) جيد، وهو أقيس.

Страница 60