اليوناني القديم يدل على الفن والصنعة معا، ومن هذا اللفظ اشتقت كلمة «التكنولوجيا» الحديثة، وما زالت كلمة
art
تحمل معنى الصنعة إلى جانب معنى الفن، كما في التعبير
arts and crafts . وهذا التعبير له مقابل عربي يدل على هذه الصلة الوثيقة نفسها، هو تعبير «الفنون والصنائع»، وما زلنا في العربية نستخدم لفظ «صانع فني» بمعنى «صانع ماهر»، إلى جانب هذا التقارب التاريخي بين الفن والصنعة، هناك تقارب واقعي ناشئ عن أن كثيرا من الفنانين - وخاصة في الفنون التي تحتاج إلى أداء كالموسيقى والرقص والتمثيل - يخضعون حياتهم لنظام دقيق يتدربون فيه على الأداء الفني بنفس المشقة التي يتدرب بها الصانع على إتقان عمله، ويكتسبون من مرانهم عادات جسمية حركية تقترب من تلك التي يكتسبها الصانع الذي يتقن حرفته.
وهكذا تكشف لنا المقارنة التي عقدناها بين الخلق الفني والخلق الإلهي من جهة، وبينه وبين الصنعة البشرية من جهة أخرى، عن حقيقة هامة بشأن طبيعة الفن، هي أنه يحتل مرتبة وسطى ما بين الخلق الشامل الذي يوصف بأنه غير مسبوق بشيء، وبين التشكيل والتحوير النمطي لمادة الطبيعة من أجل تحقيق أغراض عملية معينة. (1) الخلق الفني والعلم
وكيف إذن يمكن معالجة هذا النوع الفريد من الخلق، الخلق الذي يبلغ به الإنسان أقصى درجات الإيجابية والإبداع؟ إن الوسيلة الفعالة التي يلجأ إليها الإنسان في فهم الظاهر هي العلم. ومن الطبيعي أن يسعى الإنسان إلى تطبيق هذه الوسيلة الفعالة على جميع المجالات التي يستعصى عليه فهمها وضمنها الفن. غير أن عملية الخلق ظلت - حتى يومنا هذا - محاطة بستار كثيف من الغموض، على الرغم من كل المحاولات التي بذلت من أجل إزاحة هذه الغموض ومعرفة كنه العملية الخلاقة. ومن المعروف أن عملية الخلق لا تتمثل في الفن وحده. بل إن الكشف العلمي بدوره - وخاصة في صوره العليا - يمثل نوعا من الخلق لا يقل سموا عن الخلق الفني. وربما لم يكن يقل عنه حاجة إلى استعمال الخيال. وفي وسعنا أن نستمر في عملية التعميم هذه؛ لنصل في النهاية إلى حقيقة لا بد من الاعتراف بها؛ وهي أن القدرة الخلاقة هي أول وأهم ما يميز به الإنسان عن سائر الكائنات؛ فالخلق - في مجال الفن وفي غيره من المجالات - هو الذي حقق للإنسان كل إنجازاته التي ضمنت له التفوق على بقية الأحياء من جهة، وأكدت تفوقه المستمر على نفسه من جهة أخرى. إن الخلق بعبارة أخرى: هو ماهية الإنسان، فإذا كان التفسير العلمي قد ظل حتى الآن عاجزا عن الإحاطة بعملية الخلق، فمعنى ذلك أن العلم لم يفهم الإنسان فهما كافيا، ولنقل بتعبير آخر: إن أزمة العلوم الإنسانية، أو أزمة الفهم العلمي للإنسان، تتمثل - أوضح ما تكون - في استمرار عجز العلم عن تقديم تفسير لعملية الخلق.
على أن هذا لا يعني على الإطلاق أننا ندين العلم بالقصور نظرا إلى عجزه في هذا المجال؛ فالعلم حركة مستمرة. وليس لأحد أن يلومه على ما لم يصل إليه بعد. والواقع أن هناك - في حالة الإبداع على وجه التخصيص - أسبابا خاصة تعلل الصعوبة التي يجدها العلم في فهم عملية الإبداع، وعلينا أن نتدبر هذه الأسباب جيدا حتى لا نسارع إلى توجيه لوم لا مبرر له إلى العلم.
ذلك لأن الخلق هو في أساسه إنتاج لشيء لم يكن له وجود، وانبثاق من هوة العدم، فهو يفترض انفصالا بين الظواهر، وانقطاعا في سلسلة العلل والمعلولات، والخلق الذي يمكن فهمه فهما كاملا من خلال مقدماته والسوابق الممهدة له لا يستحق أن يسمى خلقا بالمعنى الصحيح. وفي مقابل ذلك يفترض العلم اتصالا لا ينقطع بين الظواهر، وتسلسلا مستمرا للأسباب والنتائج؛ فمجال الانبثاق المفاجئ غريب عن العلم، أو هو على الأقل يقتضي نوعا من المعرفة يختلف عن ذلك الذي عرفناه في المعرفة العلمية بمعناها المألوف.
وفضلا عن ذلك فإن الخلق ينطوي على مراحل لا شعورية لها أهميتها البالغة. ولقد كانت هذه المراحل اللاشعورية هي التي جعلت الفن محاطا بهالة أسطورية منذ أقدم العهود، وجعلت الفنان يوصف بأنه إنسان به مس من الجنون، أو تسيطر عليه قوى شيطانية خفية. وكلنا نعلم أن «العبقرية» في اللغة العربية يرتبط باسم «عبقر»، وهو موطن الجن، وإن هذا اللفظ نفسه في اللغة الفرنسية (
Génie ) يدل أيضا على معنى الجن. ولكن إذا كان العصر الحديث يطرح جانبا كل هذه الارتباطات الخرافية ويحتفظ باسم «اللاشعور» لكي يدل به على مجموعة الظواهر السابقة؛ فإن هذه التسمية ذاتها لا تقل استبعادا للتفسير العلمي عن كل إشارة إلى الشياطين أو الجن؛ ذلك لأن العلم يهتم أساسا بعالم الوعي، والنشاط العلمي يفترض الوعي مقدما، بوصفه شرطا أساسيا لا غناء عنه؛ ومن هنا كان ثمة انفصال حاد بين العنصر اللاشعوري في الفن، وبين اعتماد العلم في تفسيراته على الشعور، وعجزه عن التحرك في أي مجال لا يكون فيه للوعي سيطرة تامة.
Неизвестная страница