Нравы Хасана Басри

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

الحمد لله أهل الحمد ومستحقه، ومستخلصه لنفسه، ومستوجبه على خلقه، الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

وقفت -أدام الله عزك وتأييدك- على ما التمسته، ورغبت فيه، وحرصت عليه من جمع ما هو مفترق في الكتب، من آداب الحسن بن أبي الحسن البصري -رحمة الله عليه-؛ وزهده، ومواعظه، فأجبتك إلى ذلك، وجمعت ما تيسر لي جمعه، وأثبت ما انتهت القدرة إليه؛ حرصا على بلوغ مرادك، وقضاء لواجب حقك، وبالله أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل، وقد رسمت ما جمعته من ذلك على ثمانية فصول:

الفصل الأول: في ذكر منشئه، وصفة أحواله وأفعاله.

الفصل الثاني: فيما روي عنه من الآداب، ومكارم الأخلاق.

الفصل الثالث: فيما أورده من الحكم، والمواعظ مختصرا على جهة البلاغة والإيجاز.

Страница 21

الفصل الرابع: في ذم الدنيا، ونهيه عن التعلق بها.

الفصل الخامس: فيما روي عنه عند تلاوة القرآن من الحكم والمواعظ.

الفصل السادس: فيما أورده على جهة الاستغفار والدعاء، ونهي عن التصنع والرياء.

الفصل السابع: في مكاتباته للخلفاء، ومقاماته مع الأمراء.

الفصل الثامن: فيما روي عنه من المواعظ والحكم من سائر الأشياء.

Страница 22

الفصل الأول في ذكر منشئه، وصفة أحواله وأفعاله

هو الحسن بن أبي الحسن البصري. كان أبوه مولى لرجل من الأنصار، وكانت أمه مولاة لأم سلمة؛ زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، ربي في حجرها، وأرضعته بلبانها، ودر عليه ثديها؛ لبرها به، ومحبتها له، فعادت عليه بركة النبوة، فتكلم بالحكمة، وارتقى في الصلاح والمعرفة إلى أفضل رتبة، وكان -رحمه الله- أحد المتقين، ومن أولياء الله الصديقين.

روي في الخبر: أن عائشة -رضي الله عنها- سمعت الحسن يتكلم، فقال: من هذا الذي يتكلم بكلام الصديقين؟

Страница 23

وقيل لعلي بن الحسين -رضي الله عنهما-: إن الحسن يقول: ليس العجب لمن هلك كيف هلك؟ وإنما العجب لمن نجا كيف نجا؟ فقال علي: سبحان الله! هذا كلام صديق.

وروي عن الأعمش أنه كان يقول: ما زال الحسن يعتني بالحكمة حتى نطق بها.

وسمعه آخر وهو يعظ، فقال: لله دره، إنه لفصيح، ذو لفظ صحيح إذا وعظ.

وكان الحسن دائم الحزن، كثير البكاء، مطالبا نفسه بالحقائق، بعيدا من التصنع، لا يظهر التقشف، وإن كان باديا عليه، ولا يدع التجمل، ولا يمتنع من لبس جيد الثياب، ولا يتخلف عن مؤاكلة الناس، ولا يتأخر عن إجابة الداعي إلى الطعام، وكان له سمت يعرفه به من لم يكن رآه.

روي أن رجلا دخل البصرة، ولم يكن رأى الحسن، فسأل عنه الشعبي فقال: ادخل المسجد -عافاك الله- فإذا رأيت رجلا لم تر مثله قط رجلا، فذلك هو الحسن.

وقيل: ورد أعرابي البصرة، فقال: من سيد هذا المصر؟ فقالوا: الحسن بن أبي الحسن، قال: فيم ساد أهله؟ قالوا: استغنى عما في أيديهم من دنياهم، واحتاجوا إلى ما عنده من أمر دينهم، فقال الأعرابي: لله دره، هكذا فليكن السيد حقا.

وقيل: مر به راهبان، فقال أحدهما لصاحبه: مل بنا إلى هذا الذي يشبه سمته سمت المسيح؛ لننظر ما عنده. فلما قربا منه، سمعاه يقول:

Страница 24

يا عجبا لقوم أمروا بالزاد، ونودوا بالرحيل، وحبس أولهم على آخرهم، فهم ينتظرون الورود على ربهم؛ ثم هم بعد ذلك في سكرة يعمهون! ثم بكى حتى بل لحيته. فقال الراهبان: حسبنا ما سمعناه من الرجل، ثم انصرفا عنه.

وكان أهل البصرة إذا قيل لهم: من أعلم أهلها، ومن أورعهم، ومن أزهدهم، ومن أجملهم؟ بدؤوا به، وثنوا بغيره. فكانوا إذا ذكروا البصرة، قالوا: شيخها الحسن، وفتاها بكر بن عبد الله المزني.

وقال عبد الواحد بن زيد: لو رأيت الحسن، لقلت: صب على هذا حزن الخلائق؛ من طول تلك الدمعة، وكثرة ذلك النشيج.

وقيل له: صف لنا الحسن، فقال: رحم الله أبا سعيد، كان -والله- إذا أقبل كأنه رجع من دفن حميمه، وإذا أدبر كأن النار فوق رأسه، وإذا جلس كأنه أسير قدم لتضرب عنقه، وإذا أصبح كأنه جاء من الآخرة، وإذا أمسى كأنه مريض أضناه السقم.

قال يونس بن عبد الله: ما رأيت الحسن قط ضاحكا بملء فيه.

وقيل: جلس محمد بن واسع إلى ثابت بن محمد البناني، فرآه يضحك في مجلسه ويمزح، فقال: عافاك الله! إنك لتمزح في مجلسك، ولقد كنا نجلس إلى الحسن فكأنه إذا خرج إلينا كأنه جاء من الآخرة يحدثنا عن أهوالها.

Страница 25

فقال ثابت: رحم الله الحسن، كان من أهل الحق والجد، وأنى لنا نظرة منه؟! وما نحن والحسن إلا كما قال الأول:

وابن اللبون إذا ما لزم في قرن ... لم يستطع صولة البزل المقاعيس

وقيل: اعتزل الحسن الناس يوما، فدخل عليه رجل، فقال: يا أبا سعيد! أصلحك الله، لقد خفنا عليك الوحشة، فقال: يابن أخي! لا يستوحش مع الله -سبحانه وتعالى- إلا أحمق.

وقال حميد خادم الحسن: قال لي الشعبي يوما: أريد أن تعلمني إذا خلا الحسن لأجتمع به خاليا، فأعلمت بذلك الحسن، فقال: عرفه، وليأت إذا شاء. فخلا الحسن يوما، فأعلمت الشعبي، فبادر وأتينا منزل الحسن، فوجدناه مستقبل القبلة وهو يقول: ابن آدم! لم تكن فكونت، وسألت فأعطيت، وسئلت فبخلت، بئس والله -ويحك- ما صنعت! فسلمنا عليه، ووقفنا ساعة، فما التفت إلينا، ولا شعر بنا، فقال الشعبي: الرجل -والله- في غير ما نحن فيه، فانصرفنا ولم نجتمع به.

Страница 26

وقيل له يوما: كيف أصبحت يا أبا سعيد؟ فقال: والله ما من انكسرت به سفينة في لجج البحر بأعظم مني مصيبة، قيل: ولم ذلك؟ قال: لأني من ذنوبي على يقين، ومن طاعتي وقبول عملي على وجل، لا أدري أقبلت مني، أم ضرب بها وجهي؟ فقيل له: فأنت تقول ذلك يا أبا سعيد؟! فقال: ولم لا أقول ذلك؟! وما الذي يؤمنني أن يكون الله سبحانه وتعالى قد نظر إلي وأنا على بعض هناتي نظرة مقتني بها، فأغلق عني باب التوبة، وحال بيني وبين المغفرة، فأنا أعمل في غير معتمل؟

وقال له آخر: كيف حالك يا أبا سعيد؟ فقال: شر حال، قال: ولم ذلك؟ قال: لأني امرؤ أنتظر الموت إذا أصبحت، وإذا أمسيت، ثم لا أدري على أي حالة أموت؟

ودخل عليه رجل وهو يبكي، فقال: ما يبكيك -أصلحك الله-؟ فقال: (أخاف) والله أن يدخلني مالكي النار ولا يبالي.

وسأله عن الطامة رجل؟ فقال: هي الساعة التي يدفع الناس فيها إلى عذاب جهنم وبئس المصير؛ نعوذ بالله من النار، ومن عمل يؤدي إلى النار.

وذكرت النار يوما في مجلسه فقال: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يخرج غدا من النار رجل بعد أن يقيم فيها أعواما))، ثم قال الحسن: ليتني كنت ذلك الرجل.

وكان يقول: ما صدق عبد بالنار إلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولا والله ما صدق عبد بالنار إلا ظهر ذلك في لحمه ودمه.

Страница 27

وقيل لأبي سليمان الداراني: إن الحسن كان يقول: من أراد أن يخشع قلبه، ويغزر دمعه، فليأكل في نصف بطنه، فقال أبو سليمان: رحم الله أبا سعيد، كان -والله- من القوم الذين مهدوا لأنفسهم، وناقشوها الحساب قبل يوم الحساب، وإني لأرجو أن يكون من الفائزين، رحمه الله تعالى.

وكان رجل من أهل المسجد الحرام يقول: ما كنت أريد أن أجلس إلى قوم إلا وفيهم من يحدث عن الحسن بن أبي الحسن البصري، رحمه الله.

وقيل له يوما: يا أبا سعيد! أي شيء يدخل الحزن في قلبك؟ فقال: الجوع، قال: فأي شيء يخرجه؟ قال: الشبع.

وكان يقول: توبوا إلى الله من كثرة النوم والطعام.

وكان يقول: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما من عبد جوع نفسه إلا لم يكن لأحد ثواب أفضل من ثوابه ذلك اليوم، إلا لمن جاء بمثل ما جاء به، -يريد: من صام لله سبحانه-.

وقال مالك بن دينار: دخلت يوما على الحسن وهو يأكل، فقال: كل يابن أخي! فقلت: أكلت، فقال: وإن فعلت، فأسعدني! فقلت، والله لقد شبعت، فقال الحسن: يا سبحان الله! ما كنت إخال أن مؤمنا يأكل حتى يشبع، فلا يقدر أن يساعد أخاه.

Страница 28

وقيل: حضر الحسن وليمة، وحضرها رجل من المتقشفين، فلما قدمت الحلواء، رفع يده رياء وتصنعا، فأكل الحسن، وقال: كل يا لكع، فلنعمة الله عليك في الماء البارد أعظم من نعمته عليك في الحلواء.

وقيل: إن الرجل كان اختزل من الطعام دجاجة، فقال الحسن: رد ما هو عليك حرام، وكل إن شئت ما هو لك حلال، واحذر الرياء والتصنع؛ فإن الله تعالى يمقت فاعلهما.

وقيل: رأى الحسن شيخا في جنازة، فلما فرغ من الدفن، قال له الحسن: يا شيخ! أسألك بربك: أتظن أن هذا الميت يود أن يرد إلى الدنيا فيزيد من عمله الصالح، ويستغفر الله من ذنوبه السالفة؟ فقال الشيخ: اللهم نعم! فقال الحسن: فما بالنا لا نكون كلنا كهذا الميت؟! ثم انصرف وهو يقول: أي موعظة؟ ما أبلغها لو كان بالقلوب حياة؟ ولكن لا حياة لمن تنادي.

ولقيه رجل -وهو يريد المسجد في ليلة مظلمة ذات ردغ- فقال: أفي مثل هذه الليلة تخرج يا أبا سعيد؟! فقال: يا ابن أخي! هو التسديد أو الهلكة.

وكان -رحمه الله- صاحب ليل.

وكان يقول: ما رأيت شيئا من العبادة أشد من الصلاة في جوف الليل، وإنها لمن أفعال المتقين.

وكان يقول: صلاة الليل فرض على المسلمين، ولو قدر حلب شاة أو فواق ناقة.

Страница 29

وكان يقول: إذا لم تقدر على قيام الليل، ولا صيام النهار، فاعمل أنك محروم؛ قد كبلتك الخطايا والذنوب.

وكان يقول: منع البر النوم، ومن خاف الفوات أدلج.

وقال له رجل: يا أبا سعيد! أعياني قيام الليل، فما أطيقه، فقال: يابن أخي! استغفر الله، وتب إليه، فإنها علامة سوء.

وكان يقول: إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل.

وقيل: حاول الحسن الصلاة ليلة، فلم تطاوعه نفسه، فجلس سائر الليلة لم ينم فيها حتى أصبح، فقيل له في ذلك، فقال: غلبتني نفسي على ترك الصلاة، فغلبتها على ترك النوم، وايم الله! لا أزال بها كذلك حتى تذل وتطاوع.

وكان يقول: إن النفس أمارة بالسوء، فإن عصتك في الطاعة، فاعصها أنت في المعصية.

وقيل لعبد الواحد صاحب الحسن: أي شيء بلغ الحسن فيكم إلى ما بلغ، وكان فيكم علماء وفقهاء؟ فقال: إن شئت عرفتك بواحدة، أو اثنتين، فقلت: عرفني بالاثنتين، فقال: كان إذا أمر بشيء أعمل الناس به، وإذا نهى عن شيء أترك الناس له، قلت: فما الواحدة؟ قال: لم أر أحدا قط سريرته أشبه بعلانيته منه.

Страница 30