...
البلاغة العربية
Издатель
دار القلم،دمشق،الدار الشامية
Издание
الأولى
Год публикации
١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م
Место издания
بيروت
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهاذا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ...﴾ [الآية: ٤٣] .
إذَا بالنَّصِّ انتقَلَ إلَى عَرْض مَشْهَدٍ مِنْ مَشَاهِدِ موقف الحشر بعد الحساب وفصل القضاء، وهو يتعلّقُ بأهل الجنّةِ أنفُسِهِمْ، دون أن تستكمل الآيَةُ فاصلَتها، فقال الله ﷿:
﴿ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الآية: ٤٣] .
دلَّنا على هَذا الإِشارةُ الخاصّة بالمشار إليه البعيد، ولو كانوا فيها لكان الظاهر أن يقال لهم: ﴿هذِهِ الجنّة﴾ . ودلّنا عليه أيضًا، ما جاء بعْدَ هذه العبارة من عَرْضِ لقطاتٍ موصولاتٍ بهذا النداء، وهي مقتطعاتٌ من عُمُومِ المشهد نَفْسِه في موقف الحشر بعد الحساب وفصل القضاء، وتشتمل هذه اللقطات على تخاطُبٍ بصوتٍ عالٍ بَيْنَ أصْحَاب الجنّة المطمئنّين بأنّهم سيَدْخلونَها، وأصحاب النّار الَّذينَ قَضَى اللَّهُ عليهم بأنَّهم داخلوها خالدين، فقال الله ﷿:
﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة أَصْحَابَ النار أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [الآية: ٤٤] .
وبَعْدَ هذهِ اللّقطَةِ منْ مشاهدِ هذا الموقف، إذَا بالنصّ يتحدَّث عن هؤلاء الظالمين حَدِيث مُبيِّنٍ لبَعْضِ صفاتِهِمْ وهُمْ الآنَ في الحياة الدّنيا، فقال الله ﷿:
﴿الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بالآخرة كَافِرُونَ﴾ [الآية: ٤٤] .
وقد دلّ على أنّ هذا الحديث هو حديثٌ عَنْهُمْ وهم ما زالوا في عالم الابتلاء في الحياة الدّنيا، استعمالُ الفعل المضارع في عبارة: ﴿يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ وفي عبارة: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ ونحن نَعْلَمُ أنَّ الفعل المضارع يدُلُّ على الحركة المتكرّرة المتجدّدة، بدءًا من الحاضر، فتكرارًا في المستقبل، وممّا يُضْعفُ إبداعَ
2 / 359