فابتسم السيد وقال: لن أكون كمن وهبك كفنا ثم ضحك عليك.
وضحك عم كامل وكاد يعود إلى هذا الموضوع القديم لولا أن رأى وجه عباس الواجم فأمسك. وقد أثار السيد هذه الذكرى متعمدا ليدخل منها إلى نفس الشاب التعس مدخلا لطيفا، والتفت إليه بحنان وقال: يا عباس، أصغ إلي كما ينبغي لشاب شهد له جميع أهل الزقاق بالعقل واللطف، عد إلى التل الكبير في أول فرصة، بل اليوم إن سمعت وأطعت، واعمل بما أوتيت من همة، واقتصد من النقود ما تشق به حياة جديدة إن شاء الله، وإياك وأن تلقي برأسك في خضم الفكر ، أو أن تهن عزيمتك لقاء اليأس والغضب، ولا تحسبن ما اعترضك من سوء الحظ هو ختام ما قدر لك في الحياة .. إنك بعد شاب في نهاية الحلقة الثانية من عمرك، وما تلقاه من ألم ليس إلا بعض ما يصيب الإنسان في حياته، وكأنه ما ينتاب الطفل من أوجاع التسنين والحصبة ولفهما، فإذا صمدت له بشجاعة جزته رجلا خليقا بالرجولة، وذكرته فيما يقبل من حلقات العمر ببسمة الظافر وتأسي المؤمن. انهض مستوصيا بالصبر، متعوذا بالإيمان، واسع إلى رزقك، ولتهنأ بسرور المؤمن إذا أدرك أن الله قد اختاره لمصاف المصابين من أوليائه.
ولم يحر عباس جوابا، ولكنه لما رأى عيني السيد لا تتحولان عنه، ابتسم فيما يشبه الاقتناع والرضا، وغمغم بلا وعي تقريبا: سيمضي كل شيء كأن لم يكن.
فابتسم السيد، والتفت نحو حسين كرشة وهو يقول: أهلا بشاطر زقاقنا! سأدعو الله لك الهداية في أرض مستجابة الدعاء، ولأجدنك إن شاء الله حين عودتي محتلا مكان أبيك كما يريد لك، ونعم ما أراد، وطوبى للمعلم الصغير الجديد.
وهنا خرج الشيخ درويش عن صمته وقال مطرقا: يا سيد رضوان، اذكرني إذا أحرمت، وذكر أهل البيت بأن محبهم تلف وشغفه الغرام، وأنه أضاع ما يملك من مال وعتاد على حب لا تنفع له غلة، واشك إليهم خاصة ما يلقى من ست الستات. •••
وغادر السيد رضوان القهوة يحف به الصحاب، ولقد لحق به من البيت قريبان اعتزما السفر معه حتى السويس، ومال السيد إلى الوكالة فوجد السيد سليم علوان مكبا على بعض دفاتره، فابتسم قائلا: تأذن الرحيل فدعني أعانقك.
ورفع الرجل وجهه الذابل في دهشة، وكان علم بميعاد الرحيل دون أن يحرك ساكنا. ولكن السيد رضوان لم يلق بالا إلى إهماله، وكان يعلم من سوء حالته ما يعلم الجميع، فأبى أن يغادر الحي قبل أن يودعه. وكأنما شعر الآخر بخطئه في هذه اللحظة فاعتراه ارتباك، إلا أن السيد احتواه بين ذراعيه وقبله ودعا له طويلا، ولبث عنده مليا، ثم قال وهو ينهض قائما: لندع الله أن نحج معا في عامنا القادم.
فغمغم السيد سليم وهو لا يعني ما يقول: إن شاء الله.
وتعانقا مرة أخرى، ورجع السيد إلى أصحابه، ومضوا جميعا إلى مطلع الزقاق حيث كانت تنتظره عربة محملة بالحقائب، فصافح الرجل مودعيه بحرارة وركب هو وقريباه، وانحدرت العربة صوب الغورية تتعلق بها الأعين، ثم مالت إلى الأزهر.
34
ناپیژندل شوی مخ