وأقبل الليل ولكنه لم يكد يختلف عن النهار. أطفئت الأضواء الساعة العاشرة، ولكن السجن كان غاصا بالأصوات، كان السجناء يتكلمون ويضحكون ويصرخون، وكانت تتردد أصوات شتى يصعب تحديد كنهها، قادمة من كل مكان، أصوات الضرب والشخير، وبدا أن الدخان ازداد على امتداد ساعات الليل، وكانت الروائح عفنة من السجائر، والماريجوانا، والطعام الفاسد، والعرق، والتحلل.
وكان الألم في جنب زيتون قد اشتد، أصبح وجعا ينبض، كأنما كانت كليته ملتهبة . لم يسبق له أن بالغ في القلق على مثل تلك المشاكل، ولكن ترى هل كانت كاثي على حق حين قالت إن السموم التي انتشرت في نيو أورلينز بعد العاصفة قد تسربت إلى جسده؟ وربما كان ذلك من تأثير الرش برذاذ الفلفل في معسكر جراي هاوند، ولا شك في أنه استنشق قدرا من ذلك الغاز لم يلبث أن أضر بأحشائه.
لكنه تجاهل الألم. لم يكن يستطيع التفكير إلا في كاثي، لم تمض سوى أربعة أيام منذ أن سمعت صوته آخر مرة، لم يكن يستطيع أن يتخيل مقدار معاناتها، وأين يكون عقله لو أنها تاهت عنه أربعة أيام؟ كان يأمل ألا تكون قد أخبرت الأطفال، كان يأمل ألا تكون قد أخبرت أي أحد، كان يأمل أن تكون قد وجدت ما يريحها ويسري عنها عند الله؛ إذ كان واثقا بأن الله له غاية من هذا.
وفي الساعات الأولى من الفجر، شعر زيتون بالوهن نتيجة قلة النوم والطعام، وجو العدم الكئيب من حوله، فتذكر سورة التكوير في القرآن الكريم:
إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا الجبال سيرت * وإذا العشار عطلت * وإذا الوحوش حشرت * وإذا البحار سجرت * وإذا النفوس زوجت * وإذا الموءودة سئلت * بأي ذنب قتلت * وإذا الصحف نشرت * وإذا السماء كشطت * وإذا الجحيم سعرت * وإذا الجنة أزلفت * علمت نفس ما أحضرت * فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس * والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس * إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون (التكوير: 1-22).
السبت 10 من سبتمبر
عاد زيتون إلى الأرق طول الليل، كانت الأضواء الفلورسنت في السقف قد أطفئت في الساعة العاشرة مساء، ثم أضيئت من جديد في الثالثة صباحا. كانت الساعة الثالثة تعتبر بداية النهار في هذا السجن.
وبعد أن أدى زيتون وناصر الصلاة، حاول زيتون أن يتريض داخل الزنزانة، كان الجرح في قدمه لم يلتئم بعد، ولكنه قام بتدريبات الجري في مكانه، وأجرى تدريب الضغط باليدين على الأرض ورفع الصدر، والقفز في المكان نفسه، ولكن الألم في جنبه ازداد بسبب هذا النشاط، فكف عنه.
كان الإفطار من السجق، وهو ما لم يستطع أن يأكله، وبيضا مخفوقا في اللبن، وهو ما لا يكاد يكون له طعم مقبول، فتناول قليلا منه وشرب العصير الذي قدم إليه. وجلس مع ناصر على السرير، جنبا إلى جنب، لا يكادان يتحادثان. كان الخاطر الوحيد الذي يشغل بال زيتون إجراء مكالمة تليفونية، لم يكن في الدنيا غير ذلك.
وسمع خطوات الحارس الذي كان مقبلا في الردهة ليجمع صواني الإفطار، وما إن اقتربت الخطوات حتى وثب زيتون إلى مقدمة الباب وتراجع الحارس خطوة واحدة، وقد أفزعه ظهور زيتون المباغت.
ناپیژندل شوی مخ