وقد دام زواجنا ما يربو على خمسين عاما، ولا أستطيع أن أقول إن هذه الأعوام الطويلة كانت كلها سعادة وسلام؛ فليس هذا من طبع الحياة، ولن يصدقني أحد إذا ادعيت ذلك، ولكني الآن لا أذكر إلا الأيام الجميلة واللفتات الرقيقة، وما عدا ذلك فقد غاب عن مخيلتي ونسيته تماما.
ولو حاولت أن أكتب الجزء الأول من الكتاب الآن ما استطعت؛ لن تكون الأحاسيس بالنضارة التي كتبتها بها سنة 1975م.
أول خفقة قلب
نشأ ثروت أباظة في بيت عز وكرم وثراء، وترعرع في جو كله مبادئ وأخلاق، وفي جو كله سياسة ووطنية، وفي محيط كله شعر وأدب، فجرى كل ذلك في دمه، وتكونت شخصيته الحرة الأصيلة التي لا تقبل إلا الحق ولا ترضى عن الحرية بديلا. كان دسوقي أباظة باشا في شبابه من شباب الأسرة النابهين، وكان يتسم بالذكاء والرزانة ورجاحة العقل والتفاني في خدمة الناس، وكان مغرما بالشعر والأدب منذ فجر شبابه، تخرج من مدرسة الحقوق سنة 1911م، وعين وكيلا لنيابة الجيزة، وتصادف أن وقعت فظائع الجنود الإنجليز أثناء ثورة 1919م في العزيزية والبدرشين والشوبك من سلب ونهب؛ ففتح - بصفته وكيلا للنيابة - محضرا للتحقيق في هذه الوقائع، وكان هو الوحيد في القطر المصري الذي أجرى التحقيق في محاضر رسمية على رغم أن الإنجليز قد اقترفوا مثل هذه الجرائم في أنحاء البلاد، ثم وزع محاضر التحقيق في جميع أنحاء مصر، وطبعها على حسابه الخاص باللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية ليثير سخط المصريين والأجانب، ورأى الإنجليز أن هذا التصرف غير مقبول خاصة وأنه موظف في الحكومة؛ فاستقال من النيابة بعد أن اطمأن إلى أن جميع المصريين قد أحيطوا علما بجرائم الإنجليز. ولما تأسس حزب الأحرار الدستوريين سنة 1922م، اختير عضوا بمجلس إدارته، ثم سكرتيرا عاما له. وقد ظل عضوا بمجلس النواب منذ 1926م إلى سنة 1952م، واختير وكيلا لمجلس النواب سنة 1934م إلى سنة 1938م، ثم اختير وزيرا للشئون الاجتماعية سنة 1941م، ثم وزيرا للأوقاف ثم وزيرا للخارجية.
وعندما كان وزيرا للخارجية رفض البدلات قائلا: إنني أدعو الأجانب والمصريين في منزلي الخاص فكيف آخذ تكاليف ذلك من الحكومة؟ وكان منزله يعج بالكبراء والوزراء والشعراء، وكان رئيسا لجمعية أدباء العروبة، وكان منهم العوضي الوكيل، ومحمود غنيم، وأحمد الغزالي، وأحمد مخيمر، ومصطفى حمام، وطاهر أبو فاشا.
تزوج دسوقي أباظة سنة 1944م من كبرى كريمات عمه عبد الله بك أباظة، وكانت من جميلات الأسرة، حتى إن المغنية التي أحيت فرحها قالت متعجبة: إنني لم أر عروسا واثقة من نفسها إلى هذا الحد؛ فهي لم تضع على وجهها أي شيء من أدوات الزينة، وكانت نعم الزوجة المشرفة، ونعم الأم الراعية، ورزقها الله بأربعة أولاد: ثروت وشامل وزينات ثم كوثر.
وكان بيت دسوقي باشا في العباسية مكونا من ثلاثة طوابق: الطابق الأرضي يسكنه العاملون في المنزل وكلهم من غزالة وبلغ عددهم 32 شخصا، فكل واحد منهم يعيش مع أسرته معززا مكرما ... أما الطابق الأول فكان معدا للاستقبال، وبه حجرة مكتب دسوقي باشا، وحجرة مكتب ثروت، وأخرى لأخيه الأصغر شامل، وحجرة نوم للضيوف وللأقارب من الشباب الذين يأتون من الزقازيق؛ ليكملوا دراستهم الجامعية في القاهرة. وكانت تقوم بطبيعة الحال بين الشباب الضيوف وأصحاب البيت صداقات دامت مدى الحياة.
وأما الطابق الثاني فكان للنوم واستقبال الأقارب المقربين. وكان شامل وابن عمته سامح وابن عمه سمير يكونون جبهة لا تفترق قط، وكان زعيمهم في الشقاوة شامل، وزعيمهم في التخطيط سامح، وأما سمير فكان متفوقا دائما في دراسته، وكان الثلاثة من شباب حزب الأحرار الدستوريين، ونشئوا على الاهتمام بالسياسة وتفهمها، ويعد سامح الآن مرجعا في تاريخ السياسة، ومشت بهم الحياة واختار كل منهم طريقه، ولكن كلما اجتمعوا تجددت ذكريات الطفولة الجميلة.
وأما الأختان زينات وكوثر فقد كانتا لا تفارقان ابنة عمهما سلوى، فقد نشأن معا، وقضين معا أسعد أيام الطفولة، ولم يكن لهن أية صلة بما يدور في الدور الأول، ولا بمن يأتي من ضيوف من أدباء وشعراء، كان لهما عالم آخر، وكان والدهما يصحبهما في سيارته ويذهب إلى اجتماع مجلس وزراء مثلا، والابنتان تنتظران في السيارة ساعة أو أكثر، وكانتا تسعدان بهذه النزهة، أما السينما فكانتا تذهبان إليها بصحبة الخالات أو العمات ولكن بعد مفاوضات طويلة مع الوالد، وتنتظران نتيجة المفاوضات على أحر من الجمر.
لم يكن ثروت طفلا مثل باقي الأطفال؛ فهو لم يتمتع بطفولته ولم يلعب كثيرا معهم، وإنما كان يصاحب والده في كل مكان يذهب إليه، فكان يجالس الوزراء والكبراء والأدباء والشعراء؛ ولذلك فهو لم يتهيب المناصب في كبره؛ لأنه نشأ بينها. صحبه والده أكثر من مرة إلى مجلس النواب، وجلس في شرفة الزوار، واستمع إلى المناقشات السياسية، وتفتحت عيناه على ما يدور في المجالس النيابية؛ فجمع مع حب الأدب تفهم السياسة فكانت كتاباته - عندما بلغ سن الشباب - خليطا من الأدب والسياسة، وكان في نظر إخوته الذين يصغرونه بسنوات بسيطة هو الأخ الأكبر الذي له الحق في مجالسة الكبار وفي مكانته المميزة عند أبويه، ولعل ذلك يرجع إلى أنه أكبر الأولاد، ورزقا به بعد ثلاث سنوات من الانتظار والقلق.
ناپیژندل شوی مخ