وجذبته إلى مقعد بجوارها، وأشرق على وجهها شعاع من البشر وهي تتأمل قامته الفارعة، ووجهه الذي ينطق بالرجولة، وعينيه اللتين يأتلق فيهما نور حالم، وكأنها لم تره منذ كان طفلا إلا في تلك اللحظة، ألا ما أشد الشبه بينه وبين أبيه ذي يزن؟ أوهو الشبه بينه وبين أبيها ذي جدن؟ وأطرقت تفكر فيما تقوله له كما كانت تطرق كلما رأته يدخل عندها.
وخيل إليها أنه كان في مظهره ومشيته غير ولدها الذي اعتادت أن تراه مقبلا عليها، كأنها كانت غافلة عن مسايرة نموه حتى طلع عليها فجأة وهو رجل. أهكذا تبدل بين عشية وضحاها؟ أوهي التي كانت تنظر إليه ولا تراه؟ ولم يفتها أن ترى كذلك ما على وجهه من آثار تنطق بأنه يخفي في قلبه أشياء تقلقه وتحركه، ولا يستطيع أن يطلق بها لسانه. كانت عيناه تضطربان ولا تستقر نظراتهما، وقد أحاطت بهما دائرتان بين السواد والزرقة. وكان وجهه ذابلا، فيه خطوط تشبه تجاعيد الكبر، وتتوسط خديه بقعتان ورديتان تشتعلان حينا ثم تنطفئان. وهجم عليها ذلك الشعور القوي الذي تحسه الأم عندما ترى ابنها مشرفا على خطر، وامتلأ قلبها لوما لنفسها وإشفاقا على ذلك الابن، الذي لم يكن له في الحياة سند غيرها منذ طفولته الأولى. لقد تركته الأقدار طفلا وليدا بين ذراعيها، ثم ألقت به بين أعداء أبيه يمدون إليه أيديهم بالرحمة، وهم يشعرون في قرارة نفوسهم أنه ليس منهم، ولم يكن ذلك الشعور جديدا عندها، بل كان يهجم عليها في كل مرة يقع بصرها عليه، وكانت كلما أحسته وجدت نفسها تضطرب وترتبك، ويغمرها ضيق عجيب يطوي تحته أمواجا من مشاعر مبهمة، تشبه مشاعر الذي يتهم نفسه بجريمة لم يطلع عليها غيره؛ فكانت لا تطيق مجالسته إذا جاء يوما ليجلس إليها، ولا تقوى على مواجهته بعينيها خوف أن تنم عن خلجات ضميرها. فإذا انصرف تنفست نفس المكروب يؤذن كربه أن ينكشف عنه. وقد ازداد بها ذلك الشعور في الأشهر الأخيرة؛ لأنها كانت كلما لقيته أحست في غموض أنه يريد أن يقول شيئا ثم يرد نفسه عنه قسرا، فما ذلك الشيء الذي يريد أن يقوله؟
وسمعت من أعماقها صوتا يصيح بها: «خذي ولدك المسكين بين ذراعيك وبللي عنقه بالدموع، وافصحي له عن الحقيقة التي أخفيتيها عنه هذه السنين الطويلة. إنك تدعينه ابن أبرهة، وتأمرين الجميع أن يدعوه بذلك الاسم، وستكون صدمته عنيفة إذا تكشفت له الحقيقة يوما.» وكادت تطيع ذلك الصوت وتجهر له بالحقيقة السافرة. وأي عار عليها أن تكون قد أخفت عنه قصة مولده، وهو طفل لا يطيق أن يتحمل وقع المأساة ولا يتحمل معنى الحياة؟ بل أي عار عليها أن تتخذ أبرهة زوجا بعد أن خرج أبوه من الأرض وتركها وحدها لا حامي لها؟ ولكنها لم تقو على أن تخطو تلك الخطوة، بل ارتدت عنها في شيء يشبه الذعر. ألم تكن تستطيع أن تهلك نفسها قبل أن تصير زوجا لغير صاحبها؟ أكان أبرهة يجرؤ على أن يتخذها زوجة بغير أن يجد منها ما ينم عن الرضا؟ أقالت لأبرهة عندما لقيته: «أيها الرجل، اقتلني إذا شئت أو أطلق سراحي؟»
ورفعت رأسها بعد لحظات كأنها ساعات طويلة، ونظرت إلى ولدها ورأت ما عليه من أمارات القلق والتعب، ولكنها لم تلبث أن عادت إلى إطراقها في اضطراب وارتباك كأنها تتوارى.
ولاحظ سيف ما بدا على وجه أمه من ظلال الحيرة، ونظر إليها نظرة إشفاق مترددة، وهم أن ينطق بكلمات يسألها عما بها، ولكنه أمسك، فكيف يسألها عما بها في اليوم الذي يسير فيه أبوه إلى القتال؟
وفطن إلى الفكرة التي خامرته وقال في نفسه: أأقول إنه أبي فيما بيني وبين نفسي؟ فلم جئت إذن؟
ومرت دقائق أخرى وهو لا يدري أيذهب عنها معتذرا بعذر مصنوع كما فعل من قبل مرارا، ثم يذهب إلى مخدعه ليناجي وساوسه حانقا على نفسه، كما فعل في كل هذه الأشهر التي مضت عليه منذ أواخر الربيع؟ أم يجمع نفسه ويقذف الكلمة التي يريد أن يقولها؟ وذهب إلى جانب الشرفة يجول ببصره في البساتين والربى وفي جبلي نقم وعيبان، ووجد في اللحظات التي وقفها هناك متنفسا يستجمع فيه جنانه وأفكاره الشاردة. ولعل ريحانة كذلك قد وجدت في تلك اللحظات متنفسا تتماسك فيه، وتحاول أن تجمع قوتها لمقابلته. وعاد سيف إليها قائلا: معذرة يا أماه أن أكون قد جئت إليك في هذه الساعة التي ...
وتردد لا يدري كيف يتم كلمته. فقالت ريحانة مع ابتسامة ضئيلة: اجلس هنا يا سيف، اجلس إلى جنبي فإني في وحشة! وأشعرني بقربك مني.
وبعثت كلماتها فيه هزة، أأمه ريحانة في حاجة إلى أن يجلس قريبا منها ليشعرها بوجوده؟ إذن فهذا هو إلى جنبها، وقال في عطف وحماية: ها أنا ذا في جنبك أيتها الأم النبيلة. لا غرو أنك تحسين الوحشة في مثل هذا اليوم.
وكان صوته العميق يفيض رحمة. وأنست ريحانة إلى صوته وانقشع عنها كثير من وجومها، وقالت في هدوء: أين كنت يا سيف؟ لم تكن في موكب الأمس ولا في وداع أبيك اليوم.
ناپیژندل شوی مخ