واحات عمر: سيرة ذاتية: برخه لومړۍ

محمد عناني d. 1443 AH
184

واحات عمر: سيرة ذاتية: برخه لومړۍ

واحات العمر: سيرة ذاتية: الجزء الأول

ژانرونه

وعدت إلى المكتبة حيث كان علي أن أفرغ من تنظيم قائمة المراجع التي ستوضع في ذيل الرسالة، وكانت المكتبة شبه خالية؛ فالشمس ساطعة والحديقة تغري الجميع بالتنزه، ولكنني كنت راضيا بالنظر من الشباك الكبير بين الفينة والفينة إلى النباتات اليانعة بلونها الأخضر الزاهي، وأحواض الزهور المتناثرة هنا وهناك، ثم العودة إلى أوراقي. وفي الخامسة مساء خرجت أسير وحدي وأنا أفكر فيما قاله أستاذ علم اللغة، وعندما وصلت إلى المنزل وجدت نهاد تتحدث بحماس عن ثورة الطلاب في فرنسا، وشاهدنا أخبار الساعة السادسة في التليفزيون، وكان أهم ما فيها قرار العمال الفرنسيين بالإضراب يومي 11 و15 يونيو، وبعدها تناولنا العشاء وعدنا للقراءة.

في الحديقة عام 1971م.

وذهبت إلى كافرشام يوم الخميس مساء وقضيت الليلة في بيت الضيافة وفي الصباح زرت عبد اللطيف الجمال في غرفته فوجدته يقرأ رواية بالألمانية لتوماس مان، وجعل يحدثني عن ذلك الكاتب حديثا مسهبا، واقترح ألا أعود إلى لندن وأن أقضي اليوم معه، فأخبرت نهاد تليفونيا، ثم خرجت معه إلى وسط البلد (ردنج) سيرا على الأقدام وهو يحدثني عن توقف عمله في الرسالة، واهتمامه برصد تأثير نيتشه على أ. أ. ريتشاردز، وكان يقرأ نيتشه بالألمانية، وقلت له إن شكري عياد نصحني بأن أنتهي من الرسالة وأعود، فقال عبد اللطيف دون اكتراث: تعود؟ وماذا في مصر يمكن أن تعود إليه؟ وأجبته إجابة كنت أظنها مقنعة، ولكنه قال إن مصر تمر بمرحلة انكسار، والأفضل لمن جعل القراءة عمل حياته أن يعيش خارجها، وكان ردي على ذلك «معقولا» أيضا، ولكنه كان يبدي من اللامبالاة ما أقنعني بعدم الرد، وذهبت إلى العمل في المساء، وفي الصباح سمعنا نبأ اغتيال بوبي (روبرت) كينيدي، شقيق جون كينيدي الذي كان قد اغتيل أيضا قبل خمس سنوات! وقلقت؛ لأن القاتل كان اسمه سرحان بشارة سرحان! فماذا سيكون تأثير ذلك في موقف أمريكا من العرب؟ ولم يكن قد مضى على اغتيال مارتن لوثر كنج إلا نحو شهرين، وكنا ما نزال نتابع مسيرات الزنوج والفقراء في أمريكا، وعدت إلى لندن وقد بدأت هموم الأنباء تثقل فكري، وقضيت مع نهاد الأربعة الأيام التالية ونحن نتابع تلك الأحداث، وإذا بأحد الأصدقاء يحادثني تليفونيا ويقول لي إن الطلاب في مصر قاموا بمظاهرات صاخبة وإن جمال عبد الناصر ألقى فيهم خطابا مهما، وأبديت الرغبة في أن أستمع إليه فأتى لي الصديق بالشريط (وما زلت أحتفظ به) وسمعناه مرات عديدة، حتى فيما بين فترات القراءة والاستذكار!

2

لم يحدث في يوليو (شهر الثورات) شيء مثير أو ثوري، سوى وصول خطاب سمير سرحان، وتوقع وصوله في أغسطس، وكان قد أرسل شريطا صوتيا به معظم الأغاني الجديدة، وكانت الشرائط آنذاك بكرات مستديرة تتراوح مدتها الزمنية بين ساعة وأربع ساعات، وفقا لطول الشريط وإمكانيات الجهاز وسرعة التسجيل، فإذا استخدمت التراكات

tracks (أي المجاري الممغنطة) الأربعة والسرعات البطيئة فقد يستغرق الشريط 16 ساعة! وكانت رسائلنا سجلا حافلا لكل ما يدور في حياتنا الخاصة والعامة، وما أزال أعود إليها كلما ضاقت بي الدنيا لأستروح نسمات الماضي. وفي يوم 20 أغسطس وصل سمير سرحان مع نهاد جاد (زوجته) إلى محطة فكتوريا بالقطار من ساوثهامتون

Southampton ؛ حيث رست السفينة التي ركباها في نيويورك، وقابلتهما في المحطة وعدنا إلى المنزل، وسهرنا نحن الأربعة، ولم ننم إلا بسبب الإرهاق، وفي الصباح، وكان يوم الأربعاء 21 أغسطس، فتحت الراديو لأسمع أنباء الغزو السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا (الذي شاركت فيه قوات حلف وارسو)، وتركت الجميع نائمين وخرجت لشراء الإفطار والبحث عن صحف المساء (وأولاها كان يصدر في العاشرة)؛ إذ لم تكن أنباء الغزو قد نشرت في صحف الصباح؛ لأن القوات تحركت ليلا ودخلت براغ في الرابعة صباحا، فوعدني بائع الصحف بإرسال النسخ إلى المنزل حالما تظهر. وما إن استيقظ الجميع حتى كانت الصحف بين أيديهم.

وقرأ سمير الصحف باهتمام، فهو قارئ نهم، وقال بسرعة حين لاحظ انزعاجي «يعني كنت عايزهم يسيبوا ألكسندر أفندي يفركش العملية ؟!» وضحكت من أعماقي، وكانت ضحكة صادقة لم أضحك مثلها منذ يونيو 1967م؛ فهو يتمتع بقدر كبير من اللماحية الفكهة، ورغم ما شاع عن ميله لكتابة التراجيديا وميلي لكتابة الكوميديا، فنحن نشترك في الإيمان بضرورة رؤية كل شيء من مختلف زواياه، وتعدد الزوايا يكفل اكتمال الرؤية، كما أنه يتيح النظر من زاوية الفكاهة، وهي الزاوية التي ينظر منها الكاتب الساخر، والتي لا غنى عنها لأي كاتب. وبعد المناقشات المحتومة انطلقنا إلى محطة فكتوريا أولا للسؤال عن معطف كان سمير سرحان قد نسيه في القطار، وما إن سألنا عنه حتى أتى به الموظف فحمله سمير على ذراعه وخرجنا لقضاء اليوم في ربوع لندن.

كانت كل زيارة يقوم بها سمير سرحان إلي في لندن تملؤني بالثقة في المستقبل ، وتؤكد لي أن مشاغل الحياة العامة التي بدأت أهتم بها يجب أن تحتل المرتبة الثانية أو الثالثة بعد الدراسة والحصول على الشهادة، وروى لي تفصيلا كيف فرض على نفسه العمل يوميا في الرسالة، وكان يكتب «صفحة واحدة على الأقل» كل يوم حتى يضمن انشغاله بالموضوع وعدم انصراف ذهنه إلى أي شيء آخر، وتمنيت في أعماقي أن أستطيع ذلك، ولكن ولعي المشبوب بالقراءة «خارج الرسالة» وبالناس ولغتهم ولهجاتهم كان كثيرا ما يشغلني عن التخصص، وكان عملي الجديد بالترجمة، على ما فيه من جاذبية وسحر، مرهقا، فإذا قام المراجع الإنجليزي بتعديل عبارة كتبتها أو تصحيح خطأ وقعت فيه، جعلت همي أن أدرس السبب، خصوصا بعد أن قرأت كتابا عن الأساليب، وأصبحت مشغوفا بفنون صنعة الكتابة، وقد انتهى بي ذلك الشغف إلى أن سجلت موضوع الدكتوراه فيما بعد في «الأساليب الشعرية» وكيف تطورت من الكلاسيكية الجديدة إلى الرومانسية.

ورحل سمير ونهاد جاد بعد يومين، وبدأت زهور الصيف تذوي، وعندما حل الخريف اصطحبت نهاد إلى المدينة الجامعية في جامعة ساسكس، وقضيت ليلتين وحدي، وفي السادسة صباحا في اليوم الثالث أيقظني رنين التليفون من تلك الجامعة، وكانت المتحدثة هي المشرفة على بيت الطلاب، وأمرتني بالحضور فورا. وعندما ذهبت بعد نحو ساعتين قالت لي المشرفة إن نهاد لا تستطيع تحمل الحياة وحدها هناك، وإنها (أي المشرفة) قد استصدرت لها استثناء بأن تقيم في لندن، وتأتي مرة في الأسبوع لمقابلة الأستاذ، وكان الأستاذ هو العلامة الأسكتلندي ديفيد ديتشيز

ناپیژندل شوی مخ