واحات عمر: سيرة ذاتية: برخه لومړۍ

محمد عناني d. 1443 AH
183

واحات عمر: سيرة ذاتية: برخه لومړۍ

واحات العمر: سيرة ذاتية: الجزء الأول

ژانرونه

) التي تقاعدت (وهذه هي الوظيفة الإدارية التي تتضمن مهام العميد لدينا ولكنها ليست وظيفة أكاديمية).

وبعد الكلمات التقليدية عن جو يونيو، وهم يسمونه يونيو الملتهب (flaming June) (وتستخدم هذه الصفة على مستوى اللغة الدارجة باعتبارها من ألفاظ السباب، ربما بسبب إشارتها إلى الجحيم) سألت الأستاذ عن سر استمرار هياج الطلبة بعد أن وافقت الحكومة الفرنسية على رفع المرتبات بنسبة «غير معقولة» هي 35٪، فكنت كمن ألقى بحجر في الماء، فانداحت الدوائر التي تتسع باطراد؛ إذ شرح بإيجاز أن نظام التعليم الفرنسي يقوم على التلقين (instruction)

لا على التربية (education)

وأسهب في تبيان الفرق، وهو ما كنت أعرفه خير المعرفة، ثم قال ما لم أكن أعرفه وهو أن اعتراض الطلاب على ما تسميه الصحافة البريطانية بالمناهج أو بالمقررات المعتمدة قديم، وثورتهم عليها «موثقة» (أي مسجلة) في العديد من مطبوعاتهم ونشراتهم التي ازداد عددها زيادة مذهلة في الخمسينيات، وكان من دوافعها الباطنة تيار التمرد الذي اجتاح العالم الغربي كله بعد الحرب العالمية الثانية، فالكل يثور على تراث الحرب؛ لأن الحرب كانت تمثل لهم قمة العبث (the absurd)

أو البلاهة (العبط!) لأنها دمرت وأهلكت دون معنى ودون دلالة.

وفي نبرة حماس نادرة قال ويلكينز: «ولكن المرجل الذي يغلي سنوات طويلة لا بد أن ينفجر يوما، وهو يثور على رموز القديم، رموز الحرب، والألفاظ الطنانة المرتبطة بذلك كله، والتي تتدفق من رمز الحرب الأول ديجول!» فقلت له وما شأن البنيوية باعتبارها مذهبا في اللغة وفي التحليل النقدي بديجول؟ فابتسم وقال: «هذه هي القضية! ينبغي ألا يكون لها شأن! ولكن القنبلة كان لا بد لها من فتيل يفجرها، وكانت الثورة على البنيوية هي هذا الفتيل!» وابتسمت وقلت له مداعبا: كان أولا مرجلا

caulderon

ثم أصبح قنبلة؟ فضحك وقال أنت لا تقبل خلط الاستعارات مثل البنيويين! وأحسست أن الجو قد هدأ فاستزدته فقال: «يتفاخر الفرنسيون بأنهم ملوك تحليل النصوص، وهم يعتزون كل الاعتزاز بطاقة «العقل الفرنسي» الإبداعية على الغوص وراء العلاقات المتداخلة بين المعاني والأبنية، ويرون أن آفاق التحليل «لا محدودة» بل و«لا نهائية» فإذا ببعض الأساتذة يدعون إلى اتباع أساليب شكلية محضة، بل ويقطعون بأنها صادقة دائما؛ لأنها مثل نظم الأبنية النحوية في اللغة، ذات جذور عميقة في نفس الإنسان بل وفي حياته البيولوجية، وإذا بهم يحاولون تلقينها للطلاب!» وقلت له إن لهذه الأبنية جاذبيتها ودلالتها، والدراسة الأدبية تؤكد فائدتها في التحليل، وقبل أن أسترسل قاطعني قائلا: «أنا لا أنكر ذلك، ولكن الطلاب كانوا يريدون أن يثوروا، وبدءوا بالثورة على من يفرض عليهم منهجا، خصوصا إذا كان المنهج «مستوردا» من الشرق ومن الغرب!» وفهمت أنه يشير إلى ياكوبسون (جاكوبسون) الروسي وتشومسكي الأمريكي، فقلت له إن المعرفة عالمية، وإن الأدب هو الأدب، فأومأ وعلت وجهه سحابة تأمل عميق، ثم قال: «للأسف! لم ينظر أحد إلى البنيوية باعتبارها منهجا قابلا للنقض، بل اتخذها الطلاب ذريعة لتفريغ شحنة غضبهم من نظام التعليم الفرنسي، ومن ورائه نظام الحياة برمته وقالوا إنه كان يجب بعد الحرب أن يتغير فإذا به يتحجر! إن ديجول ما يزال يعلن عظمة فرنسا، وبالأمس زار مقاطعة كيبيك في كندا وقال إنها فرنسية، ورغم استقلال الجزائر فما يزال يشير إليها باعتبارها أرضا فرنسية!»

ونهض ويلكينز ثم نظر في ساعته فعلمت أن الموضوع أكبر من أن يحسم في ساعة الغداء، فنهضت أنا أيضا وسرت معه ونحن نستكمل الحوار في الطريق إلى سيارته، وعندما فتح باب السيارة قال لي: هل قرأت دريدا (Derrida)

فأجبت بالنفي، فقال سوف تسمع عنه كثيرا وتقرأ له، وسوف يهلل الفرنسيون له ويكبرون لأنه فرنسي وإن كان جزائري المولد! وهو لا يبني بل يهدم! إنه روح هؤلاء الشباب! وانطلق بسيارته باسما.

ناپیژندل شوی مخ