واحات عمر: سيرة ذاتية: برخه لومړۍ
واحات العمر: سيرة ذاتية: الجزء الأول
ژانرونه
وذات يوم عثرت على مجموعة قصصية للكاتب الروسي العظيم تشيخوف مترجمة إلى الإنجليزية، وكانت تتضمن قصة العنبر رقم 6، وبدأت قراءتها، على طولها، ربما بسبب جاذبية الفقرة الافتتاحية، ولم أستطع أن ألقي بالكتاب حتى انتهيت منها. كانت تصور حال طبيب تتدهور حالته النفسية حتى يصل إلى مرحلة الجنون، وينتهي به الأمر إلى دخول عنبر المرضى بدلا من الإقامة مع الأطباء، رغم تميزه وتفوقه، وكان سحر القصة يرجع إلى أنها تروى بضمير المتكلم، بحيث لا يملك القارئ إلا أن يتعاطف مع الطبيب، وأن يوحد في خياله بين حاله وحال الطبيب، وفي النهاية يبدأ القارئ في الشك في معنى العقل ومعنى الجنون! كانت الساعة قد قاربت الرابعة صباحا فنمت نوما قلقا ساعة أو بعض ساعة، ثم أفقت مذعورا وحاولت النوم ثانيا فلم أستطع، ومن ثم اغتسلت وتهيأت للخروج واتجهت إلى سمير سرحان فأيقظته من النوم، وكان قد انتقل من منزله بشارع الأباصيري بالجيزة إلى منزل آخر بشارع محمد زاهر بالجيزة أيضا، ولم أفعل سوى أن أعطيته الكتاب وخرجت.
وقابلني في المساء مهموما وكأن لسان حاله يقول: «لم فعلت ذلك بي؟» كانت القصة قد هزته هزة عنيفة، وكانت بعض عباراتها قد التصقت بذهنه، مثل العبارة التي تنتهي بها الفقرة الافتتاحية، وهي «وكان نيكيتا مطمئنا يجلس خارج المستشفى على كوم من القاذورات.» ونيكيتا هذا هو الحارس «العاقل» الذي يشهد تدهور حالة الطبيب، إلى جانب عبارات أخرى تصور نظرات الطبيب في وحدته من الشباك إلى العالم الخارجي. ولم نناقش القصة، ولم نتحدث في الفن والأدب، فمن يقرأ تشيخوف، ولو بلغة غير لغته، يصاب بالإحباط واليأس؛ إذ كيف يمكن لأي منا أن يصل إلى ذلك المستوى العبقري؟
وكانت صورة نيكيتا المستقر فوق كوم الزبالة صورة كثيرين من العقلاء في الحياة من حولنا، بينما يتدهور حال الطبيب يوما بعد يوم، مثل كثير من أصحاب الفكر ومن تشغلهم هموم الدنيا، وعندما رأى رشاد رشدي ملامح القلق على وجهينا وأفصحنا له عما «حدث» ضحك ضحكا شديدا وقال: «هذا هو سبب حبي لتشيخوف! إنه يدفعني إلى القلق!» واستمر بنا الحديث عن فن القصة القصيرة حتى دخل الفنان حسين جمعة يحمل لوحات تتضمن تصميمات ديكورات ظننتها غربية. وعلى الفور بدأ يقص على رشاد رشدي تصوراته عن إخراج مسرحية ما، واتضح أنهما كانا قد اتفقا على تقديم مسرحية «الخرتيت» من تأليف يوجين يونسكو في مسرح الحكيم بالعامية، ويبدو أنهما كانا قد اتفقا على أن يتولى رشدي ترجمتها، بل يبدو أن رشدي قد «أقنع» جمعة بأن الترجمة موجودة بالفعل! وكان جمعة متخصصا في الديكور المسرحي، ولكنه خريج معهد فنون المسرح على أي حال، والسنوات التي قضاها في إيطاليا يعمل مع كبار المخرجين (الذين كان دائم الإشارة إليهم) أكسبته خبرة لا بأس بها، ولم يكن من قبيل الصدفة أن يبلغ كل الذين درسوا في إيطاليا مثل كرم مطاوع الذي قدم «الفرافير» ليوسف إدريس فأحدث ضجة كبيرة، وسعد أردش الذي قدم قبلها «رحلة خارج السور» لرشاد رشدي، أما جلال الشرقاوي فكان قد درس في فرنسا وكان دائما من أصحاب مذهب «الانتقاء» الفني، الذي يضع الجمهور في موقع الصدارة من اهتمامه، فأخرج «الزلزال» لمصطفى محمود فهزت الدنيا، وسرعان ما توالت إبداعاته الجميلة.
وفي آخر المساء، ونحن في التاكسي في طريق العودة، قال رشدي لي ولسمير إنه يريدنا أن نترجم الخرتيت بسرعة إلى اللغة العامية، وألا نقول لأحد إننا المترجمان حتى تنتهي الترجمة! وفعلا، حافظنا على السر حتى انتهينا من الترجمة، وعندها عرف الجميع أننا - لا رشاد رشدي - ترجمنا يونسكو! وسرعان ما بدأت التجارب المسرحية، وكانت الترجمة إلى اللغة العامية تجربة بالغة الطرافة، لا بد لي أن أتوقف عندها قليلا.
لقد علمتني تلك التجربة أن الفارق بين الفصحى والعامية لا يقتصر على الأصوات والألفاظ والتراكيب (النحو)، بل هو من الناحية الفنية فارق بين ثقافة زمنية، وثقافة معاصرة، أي إن قارئ الحوار بالفصحى يضع المتحدث في زمن معين، يحدده المستوى اللغوي الذي يختاره المترجم، وحتى لو كان الموضوع معاصرا فإن مستوى الفصحى المستخدمة يفرض زمنا ما على الأحداث والشخصيات، أو قل إنه على الأقل يفصل بينها وبين الشخصيات الحية حولنا، فمن يترجم عبارة بتعبير «ما الخطب؟» وهو الذي نقرؤه على شاشة التليفزيون في الأفلام المترجمة، يعرف أن ذلك التعبير «غير حقيقي»، ومن يقرؤه على الشاشة لا ينزعج منه، فالممثلون الأجانب لا يتكلمون لغتنا، والتعبير تفسير وحسب لما يقولونه، أما إذا كتبه كاتب في مسرحية، فسوف يوحي بأن شخصياته تنتمي إلى زمن سحيق، و«ما خطبك» تحيل القارئ إلى الآية
قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير
أما الكاتب الذي يفضل «ماذا بك؟» أو «ما الذي حدث؟» أو «ما الحكاية؟» فهو يوحي، خصوصا في التعبير الأخير، بأن هؤلاء يتحدثون العامية، وبأنه (أي الكاتب) يترجم تعبير «إيه الحكاية؟» أو «فيه إيه؟» أو «حصل إيه؟» أو حتى «إيش بك؟» إلى الفصحى المعاصرة، وأقول بالمناسبة إن «إيش» التي زعم البعض أنها تركية، هي في الحقيقة عربية، وموجودة في كتب التراث وفي بعض الأمثال السابقة على تأثير اللغة التركية على العربية المعاصرة، وربما كانت صورة مختزلة ل «أي شيء».
أما الذي يكتب الحوار العامي فهو يلغي عامل الزمن تماما؛ لأنه يحيل الشخصيات القديمة التي كانت تتحدث لغة غريبة عنا إلى شخصيات معاصرة، وسوف يكون مقياس الترجمة هو مدى «التحويل الذي يقوم به المترجم للشخصيات الأجنبية إلى شخصيات محلية معاصرة».
وهكذا استطعت آنذاك تقسيم الكتاب الذي يكتبون الحوار في روايتهم العربية إلى عدة أقسام؛ استنادا إلى مستوى الفصحى الذي يختارونه، وإلى مستوى العامية إذا استخدموا العامية. فتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ كانا يعتمدان على قدرة القارئ على إحالة الحوار الفصيح لديهما إلى العامية المصرية؛ ولذلك حار المترجمون الأجانب في فهم ما يكتبون؛ لعجزهم عن إدراك الدلالات الثقافية المعاصرة لذلك الحوار، وكان غيرهم مثل عبد الرحمن الشرقاوي وشكري عياد يعمد إلى استخدام كلمات عامية بعينها، مهما تكن أصولها الفصيحة؛ للدلالة على ما يتعذر على الفصحى «المقابلة» أن تنقله من معان ودلالات، وهكذا يفعل اليوم جمال الغيطاني وغيره من المؤمنين بالإبقاء على الفصحى، أو الذين يعادون العامية من حيث المبدأ، إلى جانب من يدرج التعابير العامية والحوار العامي في تضاعيف الفصحى في السرد مثل يوسف القعيد، أما من يستخدمون العامية في الحوار فيمكن تقسيمهم أيضا إلى من يحاولون الارتفاع بالعامية إلى مستوى الفصحى، فيستخدمون ما يسميه الدكتور السعيد بدوي «عامية المثقفين»، وهي ما كان الدكتور محمد مندور يسميه آنذاك ب «العامية الجزلة» (ويسميها غيره «العامية الراقية») مثل صلاح جاهين، وكانت أشعاره في تلك الأيام هي المثل الأعلى لهذا الاتجاه:
أنا اللي بالأمر المحال اغتوى،
ناپیژندل شوی مخ