الواضح په مشکلاتو کې د متنبي شاعري

الواضح في مشكلات شعر المتنبي

سیمې
ایران
•
سلطنتونه او پېرونه
بويهيان
نص الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
توكلت على الله وحده
إن أولى ما استنجحت به الطلبة، واستدركت به البغية، حمد الله جل ثناؤه المبتدئ بالنعمة قبل استحقاقها، والصلاة على نبيه محمد المصطفى سيد الأولين والآخرين، وعلى آله أجمعين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
المتوسل إلى السدة الكريمة. والحضرة العظيمة. حضرة ملك الملوك بهاء الدولة بحرمة الأدب وذمامه. ونشر الكلام ونظامه. يرد البحر بأعذب مشارعه. ويتناول البدر في أقرب مطالعه.
والمجد ما لم يسر الشعر في أطرافه. ويذهب المدح في أعطافه. فكالأرض أغفالًا بلا معالم. والأنامل أصفارًا بلا خواتم.
والحسب ما لم ينشر الثناء روائحه. والإطراء فوائحه. در مغيّب في أطباق أحجاره. وأعماق بحاره. وما بهاء لؤلؤ مكنون في صدفه. ونيّر محجوب في سدفه.
وأقول:
يا سيِّدَ الأمَراء وابْ ... نَ السادة الشُّمِّ الأشَاوِسْ
إنِّي بِسَبابِكَ جَالس ... وعليْكَ للتأميل حابسْ
ومعي عَرَائِسُ نَشْرُها ... ونظامُها بِكْر الهواجسْ
مَحْشوَّةٌ بِجَواهِرٍ ... وبَواهرِ الكَلِمِ النَّفائس
فَاسْتَشْهِدْها يا خَيرَ مَنْ ... هُدِيَتْ لمجلسه العرائس
وكرائم الآداب - أدام الله دولة ملك الملوك بهاء الدولة - لكرائم الرجال، ونفائس العلوم لنفائس الأحرار.
ولما كان بهاء الدولة أعظم ملوك الأرض بسطة، وأبعدهم همة، وكان لسوق الفضل عنده نفاق، ولعلق جُلبت عليه المأثرات من كل أفق وأوب. وحشرت كل قطر وشعب، تمييزًا لجلالة قدره يجريه في هذا المضمار عند حومة تعلي ذكراه أيامه. ونشر أعلامه. وأيد عساكره الموفورة. وراياته المنشورة. وأبقاه للدولة القاهرة. والمنقبة الباهرة. ما تعاقب الجديدان. وتصاحب الفرقدان. ممدود السؤدد بفنائه. معقود النصر بلوائه. تطيب بذكره أعطاف الدنيا وحواشيها. وتنقاد لعزمه أعجاز الخطوب وهواديها. إنه على ذلك قدير. وبحسن الإجابة جدير.
وكان بعض أنشاء خدمته. وأغذياء نعمته. التمس من عثمان ابن جني استخلاص أبيات المعاني من ديوان شعر المتنبي وتجريها. ووضع اليد عليها وتحديدها. ليقرب تناولها. فأجابه إلى ما طلب وفعل بقدر إمكانه واتجاهه له. ثم قرأه عليّ أحد من تصرف في جلائل الأمور. وسياسة الجمهور. فوقعت منه على صواب وخطأ فأمللت فيه كتابًا ترجمته بالواضح في مشكلات شعر المتنبي؛ واتخذته قربة وازدلافًا إلى الباب المعمور. والجناب الممطور. واستترت في هذه الخدمة وطوالع سعود الأيام المقبلة. وميمن الدولة المستقبلة. فإن أصبت المراد فيها ونعمت، وصوابها مضاف إليه. ومحال به عليه. وإن جزت الغرض ولم أقرطس الهدف، فالآفة من الأرض ولا تكليف مع العجز.
وَمُبْلِغُ نَفْسٍ عُذرها مِثْلُ مُنْجِح وقد بدأت بذكر المتنبي ومنشئه ومغتربه ومضطربه وما دل عليه شعره من معتقده إلى مختتم أمره ومقدمه على الملك نضر الله وجهه بشيراز وانصرافه عنه إلى أن وقعت مقتلته بين دير قنة والنعمانية واقتسام عقائله وصفاياه. ثم أردفه بتفسير مشكلاته. والشرط فيها أن أورد في كل بيت البتة لفظ أبي الفتح عثمان ابن جني بلا زيادة ولا نقصان ثم أتعقبه بما يقتضيه النظر وشواهد الشعر العربية والله الموفق وهو حسبنا وكفى، وصلواته على محمد المصطفى.
حدثني ابن النجار ببغداد أن مولد المتنبي كان بالكوفة في محلة تعرف بكندة بها ثلاثة آلاف بيت من بين رواء ونساج. واختلف إلى كتّاب فيه أولاد أشراف الكوفة فكان يتعلم دروس العلوية شعرًا ولغة وإعرابًا، فنشأ في خير حاضرة وقال الشعر صبيًا. ثم وقع إلى خير بادية، وباللاذقية حصل في بيوت العرب فادعى الفضول الذي نُبز به فنمى خبره إلى أمير بعض أطرافها فأشخص إليه من قيّده وسار به إلى مجلسه فبقي يعتذر إليه ويتبرأ مما وسم به، في كلمته التي يقول فيها:
فما لك تقبلُ زور الكلامْ ... وقدرُ الشهادة قدرُ الشهودِ
في جود كفِّك ما جُدْتَ لي ... بنفسي لو كنتُ أشقى ثمودِ
وقد هجاه شعراء وقته فقال الضبي
الزَمْ مقال الشعر كي تحظى به ... وعن النبوّة لا أبا لك فانتزحْ
تربحْ دمًا قد كنتَ توجب سفكهُ ... إنّ الممتّع بالحياة لمَن رَبِحْ
فأجابه المتنبي:

1 / 1

أمري إليَّ فإن سمحتُ بمهجة ... كرمتْ عليَّ فإن مثلي من سَمَحْ
وهجاه غيره فقال:
أطْلَلْتَ يا أيها الشَّقيُّ دَمك ... بالهذيان الذي ملأْتَ فمكْ
أقسمتُ لو أقسَمَ الأميرُ على ... قتلك قبل العشاءِ ما ظلمكْ
فأجابه المتنبي:
هَمُّك في أمْردٍ تُقَلِّبُ في ... عَيْنِ دَواةٍ من صُلْبِهِ قَلَمَكْ
وهِمَّتي في انتضاء ذي شُطبٍ ... أقُدُّ يومًا بحدَّهِ أدَمكْ
فاخسَ كُليبًا واقعد على ذَنَب ... واطْلِ بما بين إليَتَيكَ فَمَكْ
وهو في الجملة خبيث الاعتقاد. حيث كان في صغره وقع إلى واحد يكنى أبا الفضل بالكوفة من المتفلسفة فهوسه وأضله كما ضلّ. وأما ما يدل عليه شعره فمتلون، وقوله:
هوِّن على بصرٍ ما شقّ منظره ... فإنَّما يقظاتُ العين كالحُلُم
مذهب السوفسطائية. وقوله:
تَمتَّعْ من سهاد أو رقاد ... ولا تأمُلْ كري تحت الرّجَام
فإن لثالث الحالين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام
مذهب التناسخ وقوله:
نحن بنو الدنيا فما بالنا ... نعاف من لابد من شربه
فهذه الأرواحُ من جَوِّهِ ... وهذه الأجسام من تُرْبِهِ
مذهب الفضائية. وقوله في أبي الفضل ابن العميد:
فإن يكن المهديُّ قد بان هديه ... فهذا وإلا فالهدى ذا فما المهدي
مذهب السبعية. وقوله:
تخالف الناس حتى لا اتفاق بينهم ... إلا على شجبٍ والخلفُ في الشَّجْبِ
فقيل تخلد نفس المرء باقية ... وقيل تَشْرَك جسم المرء في العَطَبِ
فهذا من يقول بالنفس الناطقة وينشعب بعضه إلى قول الحشيشية والإنسان إذا خلع ربقة الإسلام من عنقه وأسلمه الله ﷻ إلى حوله وقوته وجد في الضلالات مجالًا واسعًا وفي البدع والجهالات مناديح وفسحًا.
ومن الشعراء الذين ينسبون إلى خبث المعتقد بشار بن برد، وديك الجن، وأبان بن عبد الحميد، وأبو العتاهية، وإبراهيم ابن سيابة وهو الذي كتب إلى بعض أصدقائه:
هب لي فديتك درهمًا ... أو درهمين أو ثلاثة
فأجابه المكتوب إليه على حسب ما أظنه: الدخل كثير والخرج قليل والمال مكذوب على صاحبه. فأجابه إبراهيم بن سيابة: إن كنت كاذبًا فجعلك الله صادقًا، وإن كنت حجوبًا فجعلك الله معذورًا.
ثم جئت إلى حديث أبي الطيب المتنبي وانتجاعه ومفارقته الكوفة أصلًا وتطوافه في أطرار الشام واستقرائه بلاد العرب ومقاساته للضر وسوء الحال ونزارة كسبه وحقارة ما يوصل به حتى أنه أخبرني أبو الحسن الطرائفي ببغداد وكان لقي المتنبي دفعات في حال عسره ويسره أن المتنبي قد مدح بدون العشرة والخمسة، وأنشدني قوله مصداقًا لحكايته:
انصُر بجودك ألفاظًا تركتُ بها ... في الشرق والغرب من عاداك مكبوتا
فقد نظرتك حتى آن مرتحل ... وذا الوداعُ فكن أهلًا لما شيتا
وأخبرني أبو الحسن الطرائفي قال: سمعت المتنبي يقول: أول شعر قلته وابيضت أيامي بعد قولي:
أنا لائمي إن كنتُ وقتَ اللوائِمِ ... علمتُ لما بي بين تلك المعالمِ
فإني أُعطيتُ بها بدمشق مائة دينار ثم اتصل بأبي العشاير فأقام ما أقام ثم أهداه إلى سيف الدولة فاشترط أن لا ينشد إلا قاعدًا وعلى الوحدة، فاستجهلوه وأجابوه إليه فلما سمع سيف الدولة شعره حكم له بالفضل وعدّ ما طلبه استحقاقًا.
وأخبرني أبو الفتح عثمان بن جني أن المتنبي أسقط من شعره الكثير وبقي ما تداوله الناس.
وأخبرني الحلبي أنه قيل للمتنبي: معنى بيتك أخذته من قول الطائي، فأجاب المتنبي الشعر جادة وربما وقع حافر على حافر. وكان المتنبي يحفظ ديواني الطائيين ويستصحبهما في أسفاره ويجحدها، فلما قُتل توزعت دفاتره فوقع ديوان البحتري إلى بعض من درس عليّ وذكر أنه رأى خط المتنبي وتصحيحه فيه، وسمعت من قال: إن كافورًا لما سمع قوله:
إذا لم تُنِطْ بي ضَيْعَةً أو ولايَة ... فجودُكَ يكسوني وشُغْلُكَ يسلُب
يلتمس ولاية صيداء فأجابه: لست أجسر على توليتك صيدا لأنك على ما أنت عليه تحدث نفسك بما تحدث، فإن وليتك صيدا من يطيقك.
وسمعت أنه قيل للمتنبي: قولك لكافور:
فارْم بي حيث ما أردت فإنّي ... أسَدُ القلب، آدَمِيُّ الرُّوَاءِ

1 / 2

وَفؤادي من الملوك، وإن كَا ... ن لساني يرى من الشعراء
ليس قول ممتدح ولا منتجح إنما هو قول مضاد ومناو. فأجاب المتنبي أن قال: هذه القلوب كما سمعت أحدهما يقول:
يَقَرُّ بِعَيْنَي أن أرى قَصَدَ القنى ... وَصَرْعى رجال في وغىً أنا حاضره
وأحدها يقول:
يَقَرُّ بعيني أن أرى مَنْ مكانُها ... ذُرى عَقَدَاتِ الأَجْرَعِ المُتَفوِدِ
ثم أقام المتنبي عند سيف الدولة على التكرمة البليغة في إسناء الجائزة ورفع المنزلة ودخل مع سيف الدولة بلاد الروم في غزوتي المصيبة والقناء ونأمل حالًا في جنبته بعد أن كان حويله. وكان سيف الدولة يستحب الاستكثار من شعره والمتنبي يستقله وكان ملقى من هذه الحال يشكوها أبدًا وبها فارقة حيث أنشده:
وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظِرِهِ ... إذا استوتْ عنده الأنوار والظُلَم
وآخرها:
بأيّ لفظ يقول الشعر زِعْنَفَةٌ ... يَجُوزُ عندك لا عربٌ ولا عجم
وقال في أخرى:
أفي كل يوم تحت ضِبْني شويعر ... ضَعيفٌ يقاويني قصيرٌ يُطاولُ
وقال في أخرى:
إذا شاء أن يَهْزَأ بلحية أحمقٍ ... أراهُ غُباري ثمّ قال له الْحَقِ
وقال في أخرى:
ولكنْ حَمَى الشعرَ إلا القلي ... لَ همٌّ حَمَى النومَ إلا غِرارًا
فلما انتهت مدته عند سيف الدولة استأذنه في المسير إلى الطاعة فأذن له وامتد باسطًا عنانه إلى دمشق إلى أن قصد مصر ملمًّا بكافور فأنزله وأقام ما أقام إلا أن أول شعره فيه دليل على ندمه لفراق سيف الدولة وهو:
كفى بك داءً ترى الموتَ شافيًا ... وحسبُ المنايا أن يَكُنَّ أمَانيا
حتى انتهى إلى قوله:
قَوَاصِدُ كافورٍ نَوَارِكُ غَيْرِهِ ... وَمَنْ قَصَدَ البَحْرَ اسْتَقَلَّ السوَاقِيا
فأخبرني بعض المولدين ببغداد وخاله أبو الفتح يتوزر لسيف الدولة أن سيف الدولة رسم لي التوقيع إلى ديوان البر بإخراج الحال فيما وصل به المتنبي فخرجت بخمسة وثلاثين ألف دينار في مدة أربع سنين. ثم لما أنشد الثانية كافورًا خرجت موجهة يشتاق سيف الدولة، وأولها:
فِرَاقٌ ومن فارقت غيرُ مذَمَّمِ ... وَأَمٌّ وَمَنْ يَمَّمْتُ خَيْرُ مُيَمَّم
وأقام على كره بمصر إلى أن ورد فاتك غلام الإخشيد من الفيوم وهي وبئة فنبت به واجتواها، وقادوا بين يديه في مدخله إلى مصر أربعة ألف جنيه منعلة بالذهب فسماه أهل مصر بفاتك المجنون فلقيه المتنبي في الميدان على رقبة من كافور فقال:
لاَ خَيْلَ عنْدَكَ تُهْديها وَلاَ مَالُ ... فَلْيُسْعِد النُّطْقُ إن لم يُسْعِد الحَالُ
فوصل إليه من أنواع صلاته وأصناف جوائزه ما تبلغ قيمته عشرين ألف دينار. ثم مضى فاتك لسبيله فرثاه المتنبي وذم كافورًا حيث يقول:
أيَمُوتُ مِثْلُ أبي شُجاعٍ فاتِكٍ ... وَيَعِيشُ حاسِدُهُ الخَصيُّ الأوكَعُ
فاحتال بعده للخلاص من كافور فانتهز الفرصة في العيد وكان رسم السلطان أن يستقبل العيد بيوم تعد فيه الخلع والحملانات وأنواع المبارّ لرابطة جنده وراتبة جيشه، وصبيحة العيد يفرق وثاني يوم يذكر له من قبل ومن رد واستزاد. فاهتبل المتنبي غفلة كافور ودفن رماحه برًا وسار ليلته وحمل بغاله وجماله وهو لا يألو سيرًا وسرىً على الحلل والأحياء والمفاوز والمجاهيل والمناهل والأواجن وترك الكوفة وقال يقتص حاله:
ألاَ كُلُّ ماشية الخيزَلَى ... فِدا كُلِّ ماشيةِ الهَيْدَبَى
وفيها يقول:
ضَرَبْتُ بِها التيهَ ضَرْبَ القِمَا ... رِ إمَّا لِهذا وَإمَّا لِذا
ثم مدح بالكوفة دلير بن لشكروز وأنشده في الميدان فحمله على فرس بمركب ذهب.
وكان السبب في قصده أبا الفضل ابن العميد على ما أخبرني أبو علي بن شبيب القاساني وكان أحد تلامذتي ودرس عليَّ بقاسان سنة ثلاثمائة وسبعين وتوزر للأصفهيد بالجبل، وأبوه أبو القاسم توزر لوشمكير بجرجان، عن العلوي العباسي نديم أبي الفضل ابن العميد الذي يقول فيه:
أبْلِغْ رسالتي الشريفَ وقلْ لهُ ... قَدْكَ اتَّئَبْ أرْبَيْتَ في الغُلوَاءِ
أن المعروف بالمطوق الشاشي كان بمصر وقت المتنبي فعمد إلى قصيدته في كافور: أُغالبُ فيك الشوقَ والشوقُ أغْلَبُ

1 / 3

وجعل مكان " أبا المسك " أبا الفضل وسار به إلى خراسان وحمل القصيدة عن المتنبي إلى أبي الفضل وزعم أنه رسوله فوصله أبو الفضل بألفي درهم واتصل هذا الخبر بالمتنبي ببغداد فقال: رجل يعطي لحامل شعري هذا فما تكون صلته لي. وكان أبو الفضل ابن العميد يخرج في السنة من الري خرجتين إلى أرَّجان يجبي بها أربع عشرة مرة ألف ألف درهم فنمى حديثه إلى المتنبي بحصوله بأرَّجان فلما حصل المتنبي ببغداد نزل ربض حميد فركب إلى المهلبي فأذن له فدخل وجلس إلى جنبه وصاعد خليفته دونه وأبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني فأنشدوا هذا البيت:
سَقَى اللهُ أمْواهًا عَرَفْتُ مَكَانَهَا ... جُرامًا وَبَلْكومًا وَبَذَّرَ فَالغَمْرا
وقال المتنبي هوه جرابأً وهذه أمكنة قتلتها علمًا وإنما الخطأ وقع من النقلة فأنكره أبو الفرج الأصفهاني. قال الشيخ هذا البيت أنشده أبو الحسن الأخفش صاحب سيبويه كتابه جراما بالميم وهو الصحيح وعليه علماء اللغة. وأخبرنا أبو سعيد السيرافي عن أبي بكر بن دريد في الجمهرة أن الأسماء التي جاءت على فَعَّلَ أربعة بذار وهو اسم ماء، وخضّم اسم لعنبر ابن تميم، وبقَّم اسم لخشب الصبغ، وعثَّر اسم مأسدة وتفرق المجلس عن هذه الجملة. ثم عاوده اليوم الثاني وانتظر المهلبي إنشاده فلم يفعل، وإنما صده ما سمعه من تماديه في السخف واستهتاره بالهزل واستيلاء أهل الخلاعة والسخافة عليه، وكان المتنبي مرّ النفس صعب الشكيمة حادًا مُجدًّا فخرج. فلما كان اليوم الثالث أغروا به ابن الحجاج حتى علق لجام دابته في صينية الكرخ وقد تكابس الناس عليه من الجوانب وابتدأ ينشده:
يا شيخَ أهلِ العِلم فينا وَمَن ... يلزم أهلَ العلم توقيرُهُ
فصبر عليه المتنبي ساكتًا ساكنًا إلى أن أنجزها ثم خلى عنان دابته، وانصرف المتنبي إلى منزله وقد تيقن استقرار أبي الفضل ابن العميد بأرجان وانتظاره له فاستعد للمسير.
وحدثنا أبو الفتح عثمان بن جني عن علي بن حمزة البصري قال: كنت مع المتنبي لما ورد أرجان فلما أشرف عليها وجدها ضيقة البقعة والدور والمساكن، فضرب بيده على صدره وقال: تركت ملوك الأرض وهم يتعبدون لي وقصدت رب هذه المدرة فما يكون منه. ثم وقف بظاهر المدينة وأرسل غلامًا على راحلته إلى أبي الفضل ابن العميد فدخل عليه وقال: مولاي أبو الطيب المتنبي خارج البلاد، وكان وقت القيلولة وهو مضطجع في دسته فثار من مضجعه أبو الفضل واستثبته ثم أمر حاجبه كيارووين في استقباله فركب واستركب من لقيه في الطريق ففصل عن البلد بجمع كثير فتلقوه وقضوا حقه وأدخلوه البلد فدخل على أبي الفضل فقام له من الدست قيامًا مستويًا وطرح له كرسي عليه مخدة ديباج وقال أبو الفضل مشتاقًا إليك يا أبا الطيب ثم أفاض المتنبي في حديث سفره وأن غلامًا له احتمل سيفًا وشذّ عنه. وأخرج من كمه عقيب هذه المفاوضة درجًا فيه قصيدته: بَادٍ هَوَاكَ صَبَرْتَ أمْ لم تَصْبِرا فوحى أبو الفضل إلى حاجبه فجاء بقرطاس فيه مائتا دينار وسيف غشاؤه فضة وقال: هذا عوض عن السيف المأخوذ، وأفرد له دارًا نزلها. فلما استراح من تعب السفر كان يغشى أبو الفضل كل يوم ويقول: ما أزورك إكبابًا إلا لشهوة النظر إليك، ويؤاكله. وكان أبو الفضل يقرأ عليه ديوان اللغة الذي جمعه ويتعجب من حفظه وغزارة علمه فأظلهم النيروز فأرسل أبو الفضل بعض ندمائه إلى المتنبي: كان يبلغني شعرك بالشام والمغرب ومن سمعت دونه، فلم يحر جوابًا إلى أن حضره النيروز وأنشده مهنئًا ومعتذرًا فقال:
هَلْ لِعُذْري إلى الهمام أبي الفضْ ... لِ قبولٌ سَوادُ عيني مِسْدادُهْ
ما كَفاني تقصيرُ ما قلتُ فيه ... عن علاهُ حتَّى ثَنَاهُ انْتِقادُهْ
إنَّني أصيدُ البُزاةِ وَلَكِ ... نَّ أجَلَّ النُّجوم لا أصْطادُهْ
ما تعودت أن أرى كأبي الفَتْ ... حِ وَهَذا الذي أتَاهُ اعتِيادُهْ
فأخبرني البديهي سنة ثلاثمائة وسبعين أن المتنبي قال بأرجان: الملوك قرود يشبه بعضهم بعضًا لا على الجودة يعطون. وكان حمل إليه أبو الفضل خمسين ألف دينار سوى توابعها وهو أجاود زمان الديلم.
وكذلك أبو المطرف وزير مرداويج قصده شاعر من قزوين فأنشده وأملَّه مادة نفقة يرجع بها إلى بلده فكتب إليه أبياتًا أولها:

1 / 4

أَأَقْلامٌ بكَفِّكَ أمْ رِمَاح ... وعزمٌ ذاكَ أم أجَلٌ مُتَاحُ
فقال أبو المطرف أعطوه ألف دينار.
وكذلك أبو الفضل البلعمي وزير بخارى أعطى المطراني الشاعر على قصيدته التي أولها: لا شُرب إلا بستر النَّايِ والعُودِ خمسة عشر ألف دينار.
وكذلك خلف صاحب سجستان أعطى أبا بكر الحنبلي خمسة آلاف دينار على كلمة فيه.
وكان سيف الدولة لا يملك نفسه، وكان يأتيه علوي من بعض جبال خراسان كل سنة فيعطيه رسمًا له جاريًا على التأييد فأتاه وهو في بعض الثغور فقال للخازن: أطلق له ما في الخزانة فبلغ أربعين ألف دينار فشاطر الخازن وقبض عشرين ألف دينار إشفاقًا من خلل يقع على عسكره في الحرب. وأخبرني بعض أهل الأدب أنه تعرض سائل لسيف الدولة وهو راكب فأنشده في طريقه:
أنْتَ عَلِيٌّ وهذهِ حَلَبُ ... قد فَنِيَ الزَّاد وَانْتَهَى الطَّلَبُ
فأطلق له ألف دينار. وتعرض سائل لأبي علي بن الياس وهو في موكب وأمر له بخمسمائة دينار فجاء الخازن بالدواة والبياض فوقّع بألفي دينار فلما أبصره الخازن راجعه فيها فقال أبو علي: الكلام ريح والخط شهادته ولا يجوز أن يُشهَد عليَّ بدون هذا. وركن الدولة منهم زار أبا جعفر الخازن ليلة وهو نازل في دار أبي الفضل ابن العميد يسأله عن شيء من العلم في حديث الأعمار ومن عنده أنفذ إليه ألف دينار فردها ولم يقبلها. وكان ركن الدولة جاءه مُمَقَّط وخلا به في الميدان وقال: أنا جاسوس مرداويج وقد انقطعت النفقة بي فأطلق له ألفي دينار فقال الخازن: باسم مَن أكتبها فقال: باسم من لا يسمى. وكان مع سماحه ورعًا عن سفك الدماء، لا جرم أن المُلك قد حصل في عقبه وأولاده دون عماد الدولة بشيراز ومعز الدولة ببغداد.
ثم إن أبا الطيب المتنبي لما ودع أبا الفضل ابن العميد ورد كتاب عضد الدولة يستدعيه فعرفه أبو الفضل فقال المتنبي: ما لي وللديلم. فقال أبو الفضل: عضد الدولة أفضل مني ويصلك بأضعاف ما كنت وصلتك به، فأجاب بأني ملقى من هؤلاء الملوك أقصد الواحد بعد الواحد وأُملّكهم شيئًا يبقى بقاء النيرين ويعطونني عرضًا فانيًا ولي صخرات واختيارات فيعوقونني عن مرادي فأحتاج إلى مفارقتهم على أقبح الوجوه. فكاتب أبو الفضل عضد الدولة بهذا الحديث فورد الجواب بأنه مملك مراده في المقام والظعن. فسار المتنبي من أرجان فلما كان على أربعة فراسخ من شيراز استقبله عضد الدولة بأبي عمر الصباغ أخي أبي محمد الأبهري صاحب كتاب حدائق الآداب، فلما تلاقيا وتسايرا أنشده فقال المتنبي: الناس يتناشدون فاسمعه. فأخبر أبو عمر أنه رُسِم له ذلك عن المجلس العالي، فبدأ بقصيدته التي فارق مصر بها:
ألا كُلُّ ماشِيَةِ الخَيْزَلَى ... فِدا كُلِّ ماشِيَةِ الهَيْدَبى
ثم دخل البلد فأُنزِلَ دارًا مفروشة ورجع أبو عمر الصباغ إلى عضد الدولة فأخبره بما جرى وأنشده أبياتًا من كلمته وهي:
فَلَمَّا أَنَخْنا رَكَزْنا الرَّمَا ... حَ حَوْلَ مَكارِمِنَا والعُلى
وَبِتْنَا نُقَبِّلُ أَسْيَافَنَا ... وَنَمْسَحُها مِنْ دِماءِ العِدى
لِتَعْلِمَ مِصْرَ وَمَنْ بِالْعِرَاقْ ... وَمَنْ بِالْعَواصِمِ أَنِّي الفَتَى
وَأَنِّي وَفَيْتُ وَأَنِّي أَبَيْتُ ... وَأَنِّي عَتَوْتُ عَلَى مَنْ عَتَى
فقال عضد الدولة: هو ذا يتهددنا المتنبي.
ثم لما نفض غبار السفر واستراح ركب إلى عضد الدولة فلما توسط الدار انتهى إلى قرب السرير مصادمة فقبّل الأرض واستوى قائمًا وقال: شكرت مطية حملتني إليك وأملًا وقف بي عليك. ثم سأله عضد الدولة عن مسيره من مصر وعن علي بن حمدان فذكره وانصرف وما أنشده. فبعد أيام حضر السماط وقام بيده درج فأجلسه عضد الدولة وأنشد: مَغَاني الشَّعْب طيبًا في المَغَاني فلما أنشدها وفرغوا من السماط حمل إليه عضد الدولة من أنواع الطيب في الأردية الأمنان من بين الكافور والعنبر والمسك والعود، وقلد فرسه الملقب بالمجروح وكان اشتُرِيَ له بخمسين ألف شاه، وبدرة دراهمها عدلية، ورداء حشوه ديباج رومي مفصّل، وعمامة قوّمت خمسمائة دينار، ونصلًا هنديًا مرصع النجاد والجفن بالذهب.

1 / 5

وبعد ذلك كان ينشده في كل حدث يحدث قصيدة إلى أن حدث يوم نشر الورود فدخل عليه والملك على السرير في قبة يحسر البصر في ملاحظتها بأبواب. والأتراك ينثرون الورد فمثل المتنبي بين يديه وقال: ما خدمت عيني قلبي كاليوم، وأنشد يقول:
قَدْ صَدَقَ الوَرْدُ في الذي زَعَما ... أَنَّكَ صَيَّرْتَ نَثْرَهُ دِيَما
كأَنَّما مائِجُ الهَوَاءِ بِهِ ... بحرٌ حوى مثل مائِهِ عَنَما
فحُمل على فرس بمركب وأُلبِس خلعة ملكية وبدرة بين يديه محمولة.
وكان أبو حفص ابن ما قوله وزير بهاء الدولة مأمورًا بالاختلاف إليه وحفظ المنازل والمناهل من مصر إلى الكوفة وتعرّفها منه فقال: كنت حاضرة وقام ابنه يلتمس أجرة الغسّال فأحذَ المتنبي إليه النظر بتحديق فقال: ما للصعلوك والغسال، يحتاج الصعلوك إلى أن يعمل بيده ثلاثة أشياء يطبخ قدره وينعل فرسه ويغسل ثيابه، ثم ملأ يده قطيعات بلغت درهمين أو ثلاثة.
وورد كتاب أبي الفتح ذي الكفاءتين ابن أبي الفضل) وكان من أجاود زمان الديلم فرّق في يوم واحد بشديز قرميسين ألفين وخمسمائة قطعة ابريسم (ومضمون كتابه الشوق إلى لقاء المتنبي وتشوقه إلى تطرقه عليه فأجابه المتنبي:
بِكُتْبِ الأنامِ كتابٌ وَرَدْ ... فدتْ يَدَ كاتبه كُلُّ يَدْ
إذا سَمَعَ النَّاسُ أَلْفَاظَهُ ... خَلَقْنَ لَهُ في القُلوبِ الحَسَدْ
فقلتُ وَقَد فَرَسَ النَّاظري ... نَ كذا يفعَلُ الأسد ابنُ الأسدْ
فلما أعاد الجواب إلى أبي الفتح جعل الأبيات سورة يدرسها ويحكم للمتنبي بالفضل على أهل زمانه، فقال أبو محمد ابن أبي الثياب البغدادي:
بَوَارِدُ شِعْرٍ كَذوبِ البَرَدْ ... أتانا به خاطِرٌ قد جَمَدْ
فَقْبَلَ يَمْضَغُهُ بَعْضُنا ... وهَمُّ السنانير أكْلُ الغُدَدْ
وقالوا جَوادٌ يَفوقُ الجِيَادَ ... وَيَسْبِق مِنْ عَفْوِهِ المُقْتَصِدْ
وَلَو وُلِّيَ النَّقْدُ أَمْثالَهُ ... لَظَلَّتْ خَفَافيشُنا تنتقَد
فاستخف أبو الفتح به وجره برجله، ففارقهم وهاجر إلى أذربيجان والأمير أبو سالم بن شاذلويه على الإمرة فاتصل به وحظي عنده على غاية الإكرام والإيجاب فاتفق أنه ليلة كان على الشرب فأمره ديسم بنعت الشموع وكاتبًا له يعرف بالنُّنْنُعِيّ فبدره أبو محمد فقال:
وَمَجْدولَةٍ تَاجُها يَلْمَعُ ... بِلا حَزَنٍ عَيْنُها تَدْمَعُ
تَحَدَّرَ مِنْ حَقْوَها مِئْزَرٌ ... لَهُ مِنْ ذَلالِهِ مِرْقَعُ
تَجُزُّ مَواشِطِها شَعْرَها ... فَيَنْبُتُ حَدْثانَ ما يُقْطَعُ
وَكَمْ مَجْلِسٍ حَضَرْتُ في الظلامِ ... فأبدعتُ فيها كما أُبْدِعُ
وَقَد أَمَرَ الكاتِبُ النغنعيّ ... فَيا لَيْتَ شِعْري ما يَصْنَعُ
ثم فارق أبو محمد ابن أبي الثياب أذربيجان وورد الدينور وبها أبو الفرج المنشئ صاحب ركن الدولة مع عسكر جرار لمحاربة حسنويه بن الحسين، فكان أبو محمد ابن أبي الثياب يغشاه فحضره ليلة صبيحتها يوم المهرجان وعنده أبو علي الفراء ابن أخت ابن قتيبة الدينوري فابتدأ أبو محمد بحديث ليلة الشرب عند الديم ونعت الشمعة وأنشد قطعته فقام أبو علي الفراء وأصلح شمعة موكبية حملها إلى أبي الفرج المنشئ مع هذه المقطوعة:
يأيُّها الأُستاذُ إنَّكَ قَدْ ... أصْبَحْتَ في المَجْدِ عالي الدَّرَجِ
قَدْ جَاءَكَ المهرجان يلتمس الزِّينَ ... ةَ مِن نورِ وَجهِكَ البَهيجِ
وما يَضوعُ الريحانُ في زَهرِ ال ... بُستان إلا بِنَشرِكَ الأرِجَ
أهديتُ فيه وليسَ مِثْلُكَ مَنْ ... يُهدى على قدرهِ سوى المهجِ
ذاتَ وِشاحٍ في الوَرْسِ مُندمِجٍ ... مندرجٍ فيه أيَّ مُندَرَجِ
فلونُها لونُ عاشقٍ دَنِفٍ ... وقَدُّها قَدُّ شادِنٍ غَنِجِ
يُنْتِجُها النَّحْلُ ثُمَّ يُسَلِّمُها ... إلى لهيبِ الضِّرامِ والوَهَجِ
مأسورَةٌ في يَدَيْ مُدَبِّرُها ... فَظَّ بإِتلافِ روحِها لَهِجِ
وتَخْلُفُ البَدْرَ في الظَّلامِ كما ... يَخْلُفُ شَمسَ الضُّحى أبو الفَرَجِ
سَمَيدَعٌ أصْبَحَتْ خَلائِقُهُ ... يَحذو بِها كُلُّ شاعِرٍ هَزِجِ

1 / 6

فطيبُ ذِكراهُ في البلادِ كما ... لآلِ عبد العزيز بالكَرَجِ
مضت الحكاية.
وقال عضد الدولة بشيراز: المتنبي قال جيد شعره بالعرب فأُخبر المتنبي به فقال:) الشعر على قدر البقاع (.
وكان عضد الدولة جالسًا في البستان الزاهر يوم زينته وحفله وأكابر حواشيه وقوف سماطين فقال أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الحكامي: ما يعوز مجلس مولانا سوى أحد الطائيين. فقال عضد الدولة: لو حضر المتنبي لناب عنهما، فلما أقام مدة مقامه وسمع ديوان شعره وارتحل وسار بمراكبه وظهوره وأثقاله وأحماله إلى أن نزل الجسر بالأهواز.
وأخبرنا أبو الحسن السوسي في دار الوقف بين السورين قال: كنت أتولى الأهواز من قبل المهلبي وورد المتنبي علينا ونزل عن فرسه ومقوده بيده وفتح عيابه وصناديقه لبلل مسها في الطريق وصارت الأرض كأنها مطارد منشورة فحضرته أنا وقلت: قد أقمت للشيخ نزلًا فقال المتنبي: إن كان لم ياته ثم جاءه فاتك الأسدي بجمع وقال: قد سار الشيخ من هذه الديار وشرّفها بشعره والطريق بينه وبين دير قنة خشن قد احتوشه أهل العياثة والخرابة والصعلكة، وبنو أسد يسيرون في خدمته إلى أن يقطع هذه المسافة ويبر كل واحد منهم بثوب بياض، فقال المتنبي: ما أبقى الله يدي هذا الأدهم وذبات الجزار الذي أنا متقلده فإني لا أفكر في مخلوق. فقام فاتك ونفض ثوبه وجمع من رتوت الأعاريب الذين يشربون دماء الحجيج حسوًا، سبعين رجلًا ورصد له، فلما توسط المتنبي الطريق خرجوا عليه فقتلوا كل من كان في صحبته وحمل فاتك على المتنبي وطعنه في يساره ونكسه عن فرسه، وكان ابنه أفلت إلا أنه رجع يطلب دفاتر أبيه فقنَّح خلفه الفرس أحدهم وحز رأسه وصبوا أمواله يتقاسمونها بطرطوره. وقال بعض من شاهده: إنه لم تكن فيه فروسية وإنما كان سيف الدولة سلمه إلى النخاسين والروّاض بحلب فاستجرأ على الركض والحضر فأما استعمال السلاح فلم يكن من عمله، وقوله في نفسه:
وأورد نفسي والمُهنَّدُ في يدي ... مَوارِدَ لا يُصدِرونَ مَن لا يُجالِدُ
وما شاكله جار مجرى قول البحتري وغيره مكن شعراء الحاضرة حيث يقول:
سلامٌ على الفتيان بالشرق إنَّني ... تَيَمَّمتُ نحوَ الغَرْبِ أقصدُ فاعلا
مع الليث وابن الليث أمسي مجاورًا ... حُمَاةَ الضَّواحي ثُمَّ أُضحي مُقاتلا
وكقوله:
وَرَأيتَني فرَأيتُ أحسنَ مَنظرٍ ... ربُّ القاصدِ في القَنَا المُتَقَصِّدِ
وقعدتُ عنك ولو بمهجةِ فارسٍ ... عَيْري أقومُ إليهمُ لمْ أقْعُدِ
وكان قلبك في سواد جوانحي ... فأكونَ ثَمَّ ولا لِساني في يَدي
قال الشيخ أبو القاسم: جملة القول في المتنبي أنه من حفّاظ اللغة ورواة الشعر، وكل ما في كلامه من الغريب مستقاة من الغريب المصنف سوى حرف واحد هو في كتاب الجمهرة وهو قوله: وأطوي كما يطوي المُجَلَّدَةُ العُقْدُ وأما الحكم عليه وعلى شعره: فهو سريع الهجوم على المعاني، ونعت الخيل والحرب من خصائصه، وما كان يراد طبعه في شيء مما يسمح به، يقبل الساقط الرد كما يقبل النادر البدع، وفي متن شعره وهىً، وفي ألفاظه تعقيد وتعويض.
ثم انتهينا إلى الابتداء بما فسره أبو الفتح عثمان بن جني في قول المتنبي:
أَأُحِبُّهُ وَأُحِبُّ فيهِ مَلامةً ... إنَّ المَلامَةَ فيهِ مِنْ أَعْدائِهِ
كأنه ناقض أبا الشيص في قوله:
أجِدُ الملامَةَ في هواكِ لذيذَة ... حبًّا لِذِكْرِكِ فَلْيَلُمْني الّلوَّمُ
قال الشيخ: أما معنى المتنبي فبخلاف قول أبي الشيص وإنما يريد المتنبي: إني أحب حبيبي واللوام ينهون عنه فكيف نأتلف. وأبو الشيص يريد بقوله: أحب اللوم لا لنهي عن هواك بل لتكرر ذكرك في تضاعيف الكلام وأثناء الملام.
وقال المتنبي:
عَجَبَ الوشاةِ من اللُّحاةِ وقولهم ... دَعْ ما نَراكَ ضَعُفْتَ عن إخفائِهِ
قال أبو الفتح: يقول ليس حوله إلا واشٍ أو لاحٍ كقول قيس:
تَكَنَّفَتْني الوُشاةُ فأزعجوني ... فيا للهِ للواشي المُطاعِ

1 / 7

قال الشيخ: المعنى محجوب، وإذا جاءت العبارة ولم تكشفه بقي المعنى في حجابه. وقول أبي الفتح متشاكل للفظ المتنبي بلا تفسير. وإنما المعنى: إن الوشاة عجبوا من اللاحين حيث كلفوه الصبر عن خلته وهو لا يستطيعه فكان عجبهم أنهم طلبوا منه ما لا يقدر عليه. ومثله قول البحتري:
يُكَلِّفُني عَنْكَ العُذولُ تَصَبُّرًا ... وَأَعْوَزُ شَيءٍ ما يُكَلِّفُنيه
قال المتنبي:
إنَّ المُعينَ على الصَّبابةِ بالأسى ... أوْلَى بِرَحمةِ ربِّها وإِخائِهِ
قال أبو الفتح: أي على ما بي من الصبابة بالأسى أي ى معونة لي عنده غير أنه يحزنني فهذا معونته إياه ومثل) على الصبابة (قول الأعشى: وَأَصْفَدَني على الزَّمانَةِ قائِدًا أي على ما أنا فيه من الزمانة. وليس معنى على الصبابة هاهنا كقولك أعنت زيدًا على عمرو لأنه لو أعانه على الصبابة لكان معه لا عليه، وأنت قد تراه يتظلم في هذا البيت منه إلا على الصبابة بأن زادني عليها تحزنًا.
قال الشيخ: معنى بيت المتنبي: إن الذي يصيرني على ما بي من الشوق والهوى ولا أستطيعه هو أولى بأن يرق لي ويساعدني على شجوي.
قال المتنبي:
فَتَبيتُ تُسئِدُ مُسئدًا في نيِّها ... إسآدَها في المَهمَهِ الأنضاء
قال أبو الفتح: الإسآد إغذاذ السير ويقال لسير الليل خاصة. والني الشحم. ومسئدًا منصوب على الحال من الضمير في تسئد وهي حال مؤكدة لعاملها وفاعله المرفوع الأنضاء. أي فتبيت تسير سائرًا في نيها الأنضاء سيرًا في المهمه أي تقطع الفلاة شحمها كما تقطع هي الفلاة، وهذا الذي حصلته عن أبي الطيب.
قال أبو القاسم: تفسير هذا البيت قول أبي تمام الطائي ومنه أخذ المتنبي إلا أنه عقّد الألفاظ وعوّصها وأظلم المعنى. وبيت أبي تمام:
رعته الفيافي بعدما كان حقبةً ... رعاها وماءُ الروض ينهلُّ ساكبُه
وأبو تمام أخذ هذا المعنى من بيت العرب أبعده أبو سعيد السيرافي عن أبي بكر محمد بن دريد في كتاب الأبيات للأشانداني وهو:
وَذاتِ مَاءَين قَدْ غَيَّضْتُ ماءهما ... بحيثُ تُستِمْسَكُ الأرماقُ بالحَجَرِ
رَدَّتْ عَوَاريَّ غيطانِ الفلا وَنَجَتْ ... بِمِثْلِ إيالَةٍ من يابِسِ العُشَرِ
قال المتنبي:
حتَّى إذا لم يدَعْ لي صدقُهُ أملًا ... شَرِقْتُ بالدمعِ حتى كادَ يتشرَّقُ بي
قال أبو الفتح: أي كثر دمعي حتى صغرت أنا بجنبه بالإضافة إليه.
قال أبو القاسم: معنى هذا البيت أنه لما أتاني نعي المتوفاة نزفت دمعي بالبكاء حتى لم يكد يجري وبقي حائرًا في الجفن فكدت أقضي نحبي فيجف الدمع بي، وليس للكثرة والقلة معنى كما ذكره أبو الفتح. وللشعراء في ذكر الدمع والعين أساليب حسان. فمن أحسن ما ذكروا قول أبي حية النميري وهو أول من افترعه:
نَظَرْتُ كأنّي مِن وَراءِ زُجاجَةٍ ... إلى الدَّارِ مِن فَرْطِ الصَّبابةِ أنْظُرُ
وقال بعض العرب:
وَمِمَّا شَجاني أنها يومَ أعرضَتْ ... تولَّت وماءُ العينِ في الجفنِ حائِرُ
وتبعه بشار فقال: أقولُ وَقَدْ غَصَّتْ جُفوني بِمائِها وقال ابن حبيبات:
أُلِمُّ بالبابِ كي أشكو فَيَمنَعُني ... فيضُ الدّموعِ على خدي من النَّظَرِ
أقبَلْتُ أطْلُبُها والقَلْبُ مَنْزِلُها ... أعْجِبْ بِمُقْتَرِبٍ مِنّي على سَفَرِ
وقال البحتري:
وَقَفْنا وَالعُيونُ مُشْغَلاتٌ ... يُغالِبُ دَمعَها نَظَرٌ كَليلُ
نَهَتْهُ رُقَيَّةُ الواشينَ حَتَّى ... تَعَلَّقَ لا يَغيضُ ولاَ يَسيلُ
وقال المتنبي:
عَشيَّةَ يَعدونا عن النَّظَرِ البُكا ... وعن لذَّة التَّوديعِ خوفُ التَّفَرُّقِ
فهؤلاء كلهم وصفوا حيرة الدمع وكلهم قاصرون عن أبي حية. وأما في معنى تدارك سيلانه فليس فوق قول قيس شيء أنشدناه المرزباني عن عمر بن شبة عن الأصمعي، قال:
وَنُريكَ وَجْهًا كالوذّيلةِ لا ... ظَمآنُ مُختَلِجٌ وَلا جَهْمُ
واخترت في صفة العيون قول عدي:
وَكَأنَّها بَينَ الظباءِ أعَارَهَا ... عَيْنَيْه أحْوَرُ مِن جآذِرِ جاسِمِ
وَسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَت ... في عينهِ سِنَةٌ وليسَ بِنائِمِ
واخترت في نعت الدمع قول قيس:

1 / 8

وإنِّي لأبكي اليومَ من حَذَري غَدًا ... فِراقَكَ وَالحَيَّانِ مُختَلِفانِ
سِجالًا وَتَساكُبًا وَسَحًا وَديمةً ... وَهَطْلًا وَتَهتانًا وَبالهَمَلانِ
وطرده البحتري على سبيل التورية إلى المدح فقال:
تَجودُ على الطُّلابِ سَحًَّا وَدِيمَةً ... وَهَطْلًا وَإرِْامًا وَوَبلًا وَرَيِّقَا
وأما في الاعتذار في الدمع فبشار ابتدع فيه وهو قوله:
يَقُلْنَ لَقَد بَكَيْت فقلتُ كلا ... وهل يبكي من الطَّرَبِ الجَليدُ
وَلكِني أصابَ سَوادَ عيني ... عُوَيْدُ قَذى لهُ طَرْفٌ حَديدُ
فَقالوا ما لِدَمْعِها سَواء ... أكِلْتى مُقلَتَيكِ أصابَ عُودُ
وتبعه أبو العتاهية وأحسن حيث يقول:
كَمْ مِن خَليلٍ لي أسا ... رِقُهُ البُكاءَ مِنَ الحَياءِ
فإذا تَأَمَّلَ لامَني ... فأقولُ ما بي من بُكاءِ
لَكِنْ ذَهَبْتُ لأرْتَدي ... فَطَرَفْتُ عَيني بالرِّدَاءِ
وقال المتنبي:
وَنَغبِطُ الأرضُ منها حيثُ حَلَّ بِهِ ... وَنَحْسُدُ الخَيْلُ منها أيَّها رَكِبا
قال أبو الفتح: إنما جعل الأرض تغبط والخيل تحسد لأن الأرض وإن كثرت بقاعها فهي كالمكان الواحد لاتصال بعضها ببعض والخيل ليست كذلك لأنها متفرقة فاستعمل للأرض لفظ الغبطة وللخيل لفظ الحسد لأنه أقبح.
قال أبو القاسم: أما الفرق بين الغبطة والحسد فقد فرّق بينهما النبي ﷺ حيث قال:) المؤمن يغبط والمنافق يحسد (والعرب تقول: غبطت الرجل إذا تمنيت مثل حاله مع بقائها له، وحسدته إذا تمنيت زوال حاله إليك.
وسئل النبي ﷺ هل يضر الغبط فقال:) كما يضر العضاة الخبط (معناه أن الإنسان إذا رأى نعمة بغيره لا يدخل التمني ولا يستفتح بابه وإنما يسترزق الله من فضله العميم.
ومعنى بيت المتنبي أن الأرض كل بقعة منها يتمنى أن يكون يحل بها لفضله وكرمه، وإذا ركب من الخيل ما ركب فكل فرس يتمنى أن يزول عن ظهره إليه. وقال الحسن بن هانئ في الأمين:
مَنِ الجآذِرُ في زِي الأعاريبِ ... حُمْرُ الحُلي والمطايا والجلابيبِ
قال أبو الفتح: جعل كونهن جآذر حقيقة وجعل كونهن أعاريب مجازًا وذلك للمبالغة في الصنعة.
قال أبو القاسم: ليس للمجاز والحقيقة محل في هذا البيت ولا مدخل وإنما جعلهن جآذر لنجل العيون وحورهن وهن في الخلقة نساء.
قال أبو الفتح: حُمر الحلي أي هن شراف وكذلك الجلابيب.
قال أبو القاسم: ليس هذا بشيء إنما المعنى أنهن حسان يلبسن حسان الملابس استضافة جمال إلى جمال. وروى الأصمعي في كتاب الأجناس أن العرب تقول: إن الخمار الأسود يشب لون المرأة أي ينوره ويجلوه وكلما ازدادت الظلمة سوادًا ازدادت الأنوار ضياءً، والعرب تقول: الحُسن أحمر ومنه قول بشار:
وَخُذي مَلابِسَ زِينَةٍ ... وَمُصبَّغاتٍ هُنَّ أَنْوَرُ
فإذا دَخَلنا فادخُلي ... في الحُمْرِ إنَّ الحُسْنَ أحمرُ
وقد ذكر ابن الرومي هذا البيت في قوله:
قُلْ للمليحةِ في الخِمارِ المُذَهَّبِ ... أفْسَدْتِ نُسْكَ أخي التَّقيّ المُترَهَّبِ
وَجَمعتِ بينَ المُذْهَبَينِ فَلَمْ يكُن ... للحُسْنِ في ذَهَبَيْهِما مِن مَذْهَبِ
والعلماء يقولون في قولهم: الحسن أحمر مجهًا آخر وهو أنه يُخاض فيه الشدائد حتى إن الدم يُراق فيه كما يقولون: الموت أحمر وهو الذي يراق فيه الدم.
قال المتنبي:
أُغالِبُ فيكَ الشوقَ والشوقُ أغلبُ ... وأعجَبُ من ذا الهَجْرِ والوَصْلُ أعجَبُ
قال أبو الفتح: أغلب أي أغلب مني ويجوز أن يكون أغلب أي غليظ العنق من القلب فيرجع إلى الأول. والقول الأول على كل حال أشبه.
والوصل أعجب لأن من عادتها أن تهجر فقد صار الهجر هو المعهود.
قال الشيخ: معنى البيت أني أغالب الشوق بالصبر وهو غالبني بسلطانه وأعجب من وصلك لي خيالًا بالليل، وهجرك صباحًا أعجب. وهذا معنى قول البحتري:
وَلَمْ نَرى مِثْلَيْنَا وَلاَ مثلَ حالِنا ... نُعَذَّبُ أَيقَاظًا وَنَنْعَمُ هُجَّدا
وقد تقدمه قيس بن الخطيم في معناه حيث يقول:
مَا تَمْنَعي يَقظي فَقَد تَوَلَّيتَهُ ... في النَّومِ غَيرَ مُصَرَّدٍ مَحسوبِ
وقال المتنبي:

1 / 9

مُنىً كُنَّ لي أنَّ البَياضَ خِضابُ ... فيَخفى تَبييضِ القُرونِ شبابُ
قال أبو الفتح: يقول شيبي هذا كان لي منىً قديمًا. وإنما تمنيت الشيب ليخفى شبابي بابيضاض شعري. وآثر الشيب على الشباب لما فيه من الوقار.
قال أبو القاسم: ثاني هذا البيت يرد ما ذكره أبو الفتح من تمني الوقار وهو:
ليالي عندَ البيضِ فَودايَ فتنةٌ ... وَفخْرٌ وذاكَ الفخْرُ عِنديَ عابُ
وإنما المعنى أني مصروف الهمة إلى اكتساب المعالي والمآثر كقوله في عدة قصائد:
ضُروبُ الناسِ عُشّاقٌ ضُروبا ... فأعذَرُهم أشَقَّهُمُ حَبيبا
وَما سَكَني سوى قَتْلُ الأعادي ... فَهَل من زَوْرَةٍ تَشْفي القُلوبا
وقال في أخرى:
مُحبٌ كَنى في البِيضِ عن مُرهَفاتِهِ ... وبالحُسْنِ في أجسادِهِنَّ عن الصَّقْلِ
وبالُّمْرِ عن سُمْرِ القَنا غيرَ أنَّني ... جناها أحِبَّائي وأطرافُها رُسْلي
وقال المتنبي:
لو مَرَّ يركُضُ في سُطورِ كتابِهِ ... أحصى بِحافِرِ مُهْرِهِ ميمانِها
قال أبو الفتح في آخر تفسير هذا البيت: وشبه معها حافر الفرس بالميم وقد استقصيت ذلك في الفسر الكبير في شرح هذا الديوان.
قال أبو القاسم لأبي الفتح ثلاث علل اتخذها قواعد في شعر المتنبي إذا ضاق به الأمر: إحداهما أنه يحيل بالمعنى على الفسر الكبير، والثانية أن يقول بهذا أجابني المتنبي عند الاجتماع، والثالثة أن يقرن بالبيت مسألة في النحو يستهلك البيت واللفظ والمعنى.
وأما حافر الفرس فلا يشبه الميم في صورته. والمتنبي شبه حافر الفرس بالعين المفردة كقوله في سيف الدولة:
أول حرف من اسمه كتبت ... سنابكُ الخيلِ في الجلاميدِ
وقد شبه نعال الحوافر مسمورة بعض أهل العصر في عضد الدولة فقال:
لهمْ بِفناءِ البيتِ جُرْدٌ صَوافِن ... سِلاطٌ هواديها فَوَرْدٌ وَأَيْهَمُ
إذا أنعَلوها فالنَّعالُ أهِلَّةٌ ... وإن سَمَّروها فالمَساميرُ أنْجُمُ
وقال المتنبي:
تكبو وراءَكَ يا ابنَ أحمَدَ قُرَّحٌ ... لَيْسَتْ قَوائِمُهُنَّ من آلاتها
قال أبو الفتح: الهاء في آلاتها راجعة إلى الوراء لأنه مؤنثة وتصغيرها وريَّة.
قال أبو القاسم: الهاء في آلاتها عائدة إلى القُرَّح أي ليست قوائم هذه القرح من آلات مجاراتك في مآثرك أو مباراتك في مناقبك، ويريد بالآلات أفعالهم.
فتىً يشتهي طُولَ البلاد وَوَقْتُهُ ... تضيقُ بهِ أوقاتُهُ والمَقاصِد
قال أبو الفتح: أي يحب طول البلاد لتبعد سراياه، وطول الوقت ليتمكن فيه من أغراضه وتضيق ببعد همته أوقاته ومقاصده.
قال أبو القاسم: أي وقت سيف الدولة الذي هو فيه في الحال يستغرق مقاصد الأرض.
وقال المتنبي:
أبْرَحْتَ يا مَرَض الجُفونِ بمُمرض ... مرضَ الطبيبُ لهُ وعِيدَ العُوَّدُ
قال أبو الفتح: أبرحت أي تجاوزت. والممرض جفنها.
ومرض الطبيب له وعيد العود مثل ضربه ولا طبيب هناك ولا عوَّد ولكنه لما ذكر هناك ذكر المرض ذكر الطبيب معه والعوَّد.
قال أبو القاسم: قوله أبرحت معناه شددت يقال أمر مُبَرِّح ومُبَرَّح ومنه البرحاء لشدة الشوق، والممرض هو المتنبي نفسه يقول اشتدت يا مرض الجفون بمحب أمرضته في شدة مرضه، وهو لسقمه مرض معالجه وعيد عائده. وهذا المعنى متداول في شعر المحدثين لا يعد كثرة كقول أحدهم:
مَرَض بناظِرِهِ إذا ما مَرَّضَا ... يقضي على أحبائِهِ قبل القَضَا
وكقول غيره:
أسقَمَ جسمي سَقامُ ناظِرِهِ ... يا لَيتني خاطِرٌ بخاطِرِهِ
وقال المتنبي:
أُحادٌ أم سُداسٌ في أُحادِ ... لُيَيْلَتُنا المنوطَةُ بالتَّنادي
قال أبو الفتح: استطال ليلته فقال واحدة هي أم ستة واختيار الستة دون غيرها من العدد لأنها الغاية التي فرغ الله تعالى من جميع أحوال الدنيا. وصغر الليلة تصغير التعظيم كقول أوس:
فُوَيْقَ جُبَيلٍ شامِخِ الرأسِ لمْ تَكَدْ ... لِتَبْلُغَهُ حتى تَكِلَّ وَتَعْمَلا
والتنادي يريد التنادي بالرحيل وقود الخيل إلى الأعداء ألا تراه يقول فيما بعد:
أفكر في معانقة المنايا ... وقود الخيل مشرفة الهوادي

1 / 10