بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده، والصلاة على خير خلقه محمد، وآله الطيبين.
قد سألتم أيدكم الله، املاء مختصر في أصول الفقه، يحيط بجميع أبوابه على وجه الاختصار والايجاز (1)، على ما تقتضيه مذاهبنا، وتوجبه أصولنا فان من صنف في هذا الباب سلك كل قوم منهم المسالك التي اقتضاها (2) أصولهم، ولم يصنف أحد (3) من أصحابنا في هذا المعنى، إلا ما ذكره شيخنا أبو عبد الله رحمه الله (4) في المختصر الذي له في أصول
مخ ۳
الفقه (1) ولم يستقصيه، وشذ منه أشياء يحتاج إلي استدراكها، وتحريرات غير ما حررها فإن (2) سيدنا الاجل المرتضى (3) قدس الله روحه (4) وإن كثر في أماليه، وما يقر عليه، شرح ذلك، فلم يصنف في هذا المعنى شيئا يرجع إليه، ويجعل ظهرا يستند إليه.
وقلتم: إن هذا فن من العلم، لابد من شدة الاهتمام به، لان] الشريعة كلها مبنية عليه ولا يتم العلم بشئ منها من دون إحكام أصولها، ومن لم يحكم أصولها فإنما يكون حاكيا ومقلدا، ولا يكون عالما وهذا منزلة يرغب أهل الفضل عنها.
وأنا مجيبكم إلى ما سألتم عنه، مستعينا بالله وحوله وقوته وأسأله أن يعني (5) على ما يقرب من ثوابه ويبعد من عقابه.
وأقدم (6) في أول الكتاب فصلا يتضمن ماهية أصول الفقه وانقسامها وكيفية ترتيب أبوابها وتعلق بعضها ببعض، حتى أن الناظر إذا نظر فيه وقف على الغرض المقصود بالكتاب وتبين من أوله إلى آخره (7). والله تعالى الموفق للصواب.
مخ ۴
الباب الأول
مخ ۵
فصل NoteV01P007N01 (في ماهية أصول الفقه وانقسامها وكيفية ترتيب أبوابها) أصول الفقه هي أدلة الفقه، وإذا (1) تكلمنا في هذه الأدلة فقد نتكلم فيما تقتضيه من إيجاب وندب وإباحة وغير ذلك من الأقسام على طريق الجملة وليس يلزم على ذلك (2) أن تكون الأدلة الموصلة إلى فروع الفقه الكلام فيها كلاما في أصول الفقه (3) لان هذه الأدلة (6) أدلة على تعيين المسائل والكلام في الجملة غير الكلام في التفصيل وليس المراد بذلك، مالا يتم العلم بالفقه الا معه لأنه لو كان كذلك لزم أن يكون الكلام في حدوث الأجسام ، وإثبات الصانع، والعلم بصفاته، وايجاب عدله، وتثبيت الرسالة، وتصحيح النبوة، كلاما في أصول الفقه، لان العلم به لا يتم من دون العلم بجميع ذلك، وذلك لا يقوله أحد، فعلم بهذه الجملة، ان المراد بهذه العبارة ما قلناه.
والأصل في هذه الأصول الخطاب، أو ما كان طريقا إلى اثبات الخطاب، أو ما كان الخطاب طريقا إليه.
فأما الخطاب فهو الكلام الواقع على بعض الوجوه وليس كل كلام خطابا،
مخ ۷
وكل خطاب كلام.
والخطاب يفتقر في كونه كذلك إلى إرادة المخاطب، لكونه خطابا لمن هو خطاب له ومتوجه إليه، لأنه قد يوافق الخطاب في جميع صفاته من وجود وحدوث، وصيغة، وترتيب ما ليس بخطاب، فلا بد من أمر زائد، وهو ما قلناه.
والكلام في الخطاب، كلام في بيان أدلة الكتاب، والسنة وذلك ينقسم خمسة أقسام:
أحدها: الكلام في الأوامر والنواهي.
والثاني: الكلام في العموم والخصوص.
والثالث: الكلام في المطلق والمقيد.
والرابع: الكلام في المجمل والمبين.
والخامس: الكلام في الناسخ والمنسوخ.
أما ما هو طريق إلى اثبات الخطاب من هذه الطرق، فهو قسم واحد وهو الكلام في الاخبار، وبيان أقسامها.
وأما ما الخطاب طريق إليه، فهو أيضا قسم واحد، وهو الكلام في أحكام الافعال.
وألحق قوم بهذا القسم الكلام في الاجماع، والقياس، والاجتهاد، وصفة المفتى والمستفتي، والحظر، والإباحة.
وذلك غير صحيح على قاعدة مذاهبنا، لان الاجماع عندنا إذا اعتبرناه، من حيث كان فيه معصوم، لا يجوز عليه الخطأ، ولا يخلو الزمان منه، وطريق ذلك العقل دون السمع، فهو خارج عن هذا الباب.
وأما القياس والاجتهاد (1) فعندنا انهما ليسا بدليلين، بل محظور استعمالهما،
مخ ۸
ونحن نبين ذلك فيما بعد، ونبين أيضا ما عندنا في صفة المفتى والمستفتي.
وأما الكلام في الحظر والإباحة، فعندنا وعند أكثر من خالفنا طريقه العقل أيضا (1)، فهو - أيضا - خارج من هذا الباب.
والأولى في تقديم هذه الأصول الكلام في الاخبار، وبيان أحكامها، وكيفية
مخ ۱۰
أقسامها، لأنها الطريق إلى اثبات الخطاب. ثم الكلام في أقسام الخطاب. ثم الكلام في الافعال لأنها متأخرة عن العلم بالخطاب. ثم الكلام في تتبع ما عده المخالف أصلا وليس منه.
ولما كان المبتغى (1) بهذه الأصول العلم، فلا بد من أن نبين فصلا يتضمن بيان حقيقته، و (2) الفرق بينه وبين الظن وغيره، وما يصح من ذلك أن يكون مطلوبا، وما لا يصح.
ولا بد أيضا من بيان ما لا يتم العلم الا به: من حقيقة النظر، وشرايط الناظر، وما يجب أن يكون عليه، وبيان معنى الدلالة، وسائر متصرفاته، واختلاف العبارة عنه.
ولما كان الأصل في هذا الباب الخطاب، وكان ذلك كلاما فلا بد من بيان فصل يتضمن معنى الكلام، وبيان الحقيقة منه والمجاز، وانقسام أنواعه.
ولما كان الكلام صادرا من متكلم، فلا بد من بيان من يصح الاستدلال بكلامه ومن لا يصح، ويدخل في ذلك الكلام فيما يجب أن يعرف من صفات الله تعالى وما لا يجب، وصفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصفات الأئمة القائمين مقامه الذين يجرى قولهم مجرى قوله عليه السلام.
ونحن نبين جميع ذلك في أبوابه على غاية من الاختصار حسب ما تقتضيه الحاجة، ونقتصر (3) فيما نذكره على الإشارة إلى ذكر ما ينبغي أن يعتمد عليه، ويحصل العلم به دون أن يقرن (4) ذلك بالأدلة المفضية إليه، لان لشرح ذلك موضعا غير هذا، والمطلوب من هذا الكتاب بيان ما يختصه من تصحيح أصول الفقه التي ذكرناها، وبيان الصحيح منها والفاسد، إن شاء الله تعالى.
مخ ۱۱
فصل NoteV01P012N02 (في بيان حقيقة العلم، وأقسامه، ومعنى الدلالة، وما يتصرف منها) حد العلم ما اقتضى سكون النفس.
وهذا الحد أولى من قول من قال: (انه اعتقاد للشئ على ما هو به، مع سكون النفس) لان الذي يبين به العلم من غيره من الأجناس هو سكون النفس، دون كونه اعتقادا، لان الجهل أيضا اعتقاد، وكذلك التقليد.
ولا يبين أيضا بقولنا: (للشئ على ما هو به) لأنه يشاركه فيه التقليد أيضا، إذا كان معتقده على ما هو به. والذي يبين به هو سكون النفس، فينبغي أن نقتصر (1) عليه، وليس من حيث إن ما اقتضى سكون النفس لا يكون الا اعتقادا للشئ على ما هو به، ينبغي أن يذكر في الحد.
كما أنه لا بد من أن يكون عرضا، وموجودا، ومحدثا، وحالا في المحل، ولا يجب ذكر ذلك في الحد من حيث لا يبين به، فكذلك ما قلناه.
ولا يجوز أن يحد العلم بأنه المعرفة، لان المعرفة هي العلم بعينه، ولا (2) يجوز
مخ ۱۲
أن يحد الشئ بنفسه.
ولا يجوز أن يحد بأنه اثبات، لان الاثبات في اللغة هو الايجاب (1)، ولأجل ذلك يقولون: (أثبت السهم في القرطاس) أي: أوجبته (2) فيه. ويعبر أيضا في الخبر عن وجوب الشئ كما يقال في المجبرة (3) انهم مثبتة.
ثم إن ذلك ينتقض بالتقليد، لأنه أيضا إثبات للشئ على ما هو به، ان أريد بهذه اللفظة الاعتقاد، وان أريد بها العلم فقد حد الشئ بنفسه.
والعلوم على ضربين: ضروري، ومكتسب.
فحد الضروري ما كان من فعل غير العالم به، على وجه لا يمكنه دفعه عن نفسه بشك أو شبهة.
وهذا الحد أولى مما قاله بعضهم من أنه: (ما لا يمكن العالم به دفعه عن نفسه بشك أو شبهة إذا انفرد) (4) * لان ذلك تحرز ممن (5) اعتقد بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان زيدا في الدار، ثم شاهده، فإنه لا يمكنه أن يدفع ذلك عن نفسه، و (6) مع هذا فهو اكتساب.
مخ ۱۳
وهذا لا يصح عندنا، لان العلم بالبلدان، والوقائع، وما جرى مجراهما، هذا الحد موجود فيه، وعند كثير من أصحابنا مكتسب قطعا، وعند بعضهم هو على الوقف، فلا يصح ذلك على الوجهين معا.
على أن ذلك انما يصح على مذهب من يقول ببقاء العلوم، فأما من قال إن العلم لا يبقى فلا معنى لهذا الكلام عنده، لأنه لا يبقى وقتين، فيصح طرو الشبهة في ذلك أو الشك، فيعتبر صحة انتفائه بهما أولا، وانما يتجدد حالا بعد حال، اللهم الا أن يراد بذلك انه لا يصح أن يمنع منه ابتداءا، فان أريد به ذلك فذلك يوجد في العلم الاستدلالي الذي لم يقارنه الضروري (1) *، لأنه في حال حصول العلم أيضا لا يمكنه دفعه عن نفسه، وإن لم يكن ضروريا. وانما يصح أن يدخل الشبهة أو الشك عليه فيمنعا من وجود مثله في الثاني، أو يدخلا في طريقه قبل حصوله، فيمنعا من توليده، فأما حال حصوله فلا يصح على حال، فعلم بذلك ان الصحيح ما قلناه.
اللهم [الا] أن يراد بذلك ما أمكن ذلك فيه على وجه، فان أريد ذلك كان صحيحا على مذهبه، ولا يصح ذلك على مذهبنا، لما قلناه من العلم الحاصل بالبلدان والوقايع.
والعلوم الضرورية على ضربين:
ضرب منهما: يحصل في العاقل ابتداءا (2) *، وهو مثل العلم بان الموجود لا يخلو من أن يكون قديما أو غير قديم، وان الجسم الواحد لا يخلو من أن يكون في مكان أو لا يكون فيه، وان الذات لا بد من أن يكون على صفة أو لا يكون عليها، وتعلق
مخ ۱۴