تحفة الاسماع او الابصار
تحفة الأسماع والأبصار
ولما اختار الله سبحانه لإمامنا المؤيد بالله (عليه السلام) نقل روحه الطاهرة إلى دار السلام بعد أن أقر عينه، وأطاب سعيه، وحمد أثره في الإسلام، كان بعده من الخطوب العظيمة المظلمة، والفتن الجسيمة المدلهمة ما أذهل العقول، وجاوز حد المعقول من مصاولة الفحول، والتعارض بين أربعة من السادة آل الرسول كلا منهم دعا إلى نفسه وخطب، وأمام سوق الطعن والضرب فعجل الله سبحانه وله الحمد والمنة بإطفاء نار تلك الفتنة، وألقى في القلوب حسم تلك المحنة، وعصم عز وجل عن التفرق في الدين والاختلاف بين المؤمنين وجمع كلمة الجميع على إمامهم السابق، وهاديهم وقائدهم إلى الخير وداعيهم الإمام الأعظم(العلم الأعلم) الهادي إلى واضح لقم امير المؤمنين المنصور بالله، أيده الله، وأيد به الدين، وأعز به الإسلام والمسلمين، فدخل كل من عارضه تحت دعوته، وأذعن لحكمه وطاعته، وسلم كل منهم له الإمامة لما عرفوا الفضل، وإنه الأحق بالرئاسة العامة والأولى بالقيام بأمر الأمة والزعامة مع ما ألقى الله له وله الحمد في القلوب من المحبة وجبله عليه من كرم الأخلاق وحميد الخلال المنتخبة، وألقوا إليه مقاليد الأمور وفوضوا إليه تدبير الجمهور، وتابعوه وشايعوه، وبذلوا له العهود وعلى رؤوس الأشهاد وبايعوه وصدق الله وله الحمد ما رواه الثقات عن والده المنصور بالله (عليه السلام) إنه كان عنده في المنظرة الكبيرة في بيته بمحروس شهارة، وهو صغير يلعب بين يديه، ويكثر الدلالة عليه والإمام (عليه السلام) [131/أ] مشغول بعمل فأراد بعض الحاضرين يؤخره عنه فقال الإمام القاسم اتركه فلو يعلم الناس مالهم في ولدي هذا من المصالح العظيمة، والخير لما تركوه يمشي على الأرض. هكذا في روايتهم عنه يريد بذلك المبالغة في صيانته وتعظيمه، والرفع من قدره وإن حق مثله أن يصان عن حشوبة الأرض وأذاها، ولذلك صدق ما ظنه فيه صنوه مولانا الإمام المؤيد بالله (عليه السلام) في كتاب كتبه إليه، وهو بخط يده الكريمة، يذكر فيه ما معناه : وإني أرجو من الله سبحانه أن يجمع بك شمل أهل البيت في كلام ينقل إن شاء الله تعالى إلى هنا بلفظه؛ لأنه لم يكن حاضرا في حال كتابة هذا فاستقامت، والحمد لله عليه الأمور، وصلحت بحميد سعيه بعون الله أحوال الجمهور، وشملت بركاته الخاص والعام، ونمى بحسن عدله وسيرته حال الأنام حتى نفيأوا في العدل ظليل، وقالوا من حسن السيرة في أشرف ماقيل، وقام بما يحب الله أفضل قيام، وراعى حقوق المسلمين والإسلام، ولم يزل حفظه الله تعالى دائبا في صلاح العباد ليلا ونهارا ومرشدا لهم إلى الخير سرا وجهارا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر بالأقوال والأفعال مجتهدا في صلاح الأمة المحمدية أعظم اجتهاد ممحصا لكثير من أوقاته في عمارة البلاد، متحريا وجه الله فيما يأتي ويذر محتسبا في معاناة ذلك ما نرجوه عند الله من عظيم الأجر صابرا على اختلاف أخلاق الناس وطبائعهم، وعلى ما يلقى منهم من التهور والتلون في مطامعهم، حتى إن مشاهده يرثي لحاله، ويعجب من كثرة إلحاح كثير في سؤاله وطموح الآمال منهم إلى ما لم يكن خاطرا بباله، ولم يكن ذلك منه (عليه السلام) ألجأ إلى السؤال وإنما يريد أن يقع كل شيء في محله، وعلى حسب الحال، ومقتضى ما يتوجه عليه المنال، لما عليه من اختلاف حال السؤال لاختلاط الغني بالفقير وفتح باب الطلب من الكبير والصغير، والتباس حال كثير من الطالبين وتصنع كثير من السائلين والله المستعان على هذا الزمان وأهله، ونسأله أن يثبت الجميع على قدم الصدق بمنه وفضله.
مخ ۵۵۳