307

تحفة الاسماع او الابصار

تحفة الأسماع والأبصار

وروي في صحيح مسلم عن حذيفة في حديث طويل ذكر فيه الفتنة: قلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال نعم! وساق الحديث بطوله حتى قال: ((فما ترى إن أدركني ذلك، قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)) وصدق ((لن يزال أئمة الحق والعدل يبتلوا من أولي الجهل الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاء، وبأهل البغي الذين لا يعرفون الحق، ولا يقولون الصدق)) فنحمد الله الذي ابتلانا بمثل ما أبتلي به الخيرة من خلقه، ليجعل لنا الحظ الأوفر عنده إن شاء الله بما زاده الله لنا من عظيم فضله ليغفر لنا به السيئات، كما وعد في محكم كتابه، ويمحوا به عنا الخطيئات كما وعدنا على لسان رسله، وليجيرنا من العذاب الأليم، كما وعد من تاجره، وجاهد في سبيله بماله ونفسه، والله ذو الفضل العظيم، الحمد لله الذي جعل الأسوة بالأنبياء وأئمة الهدى، فإنهم -صلوات الله عليهم- لم يخلو من مضل لهم، وهم على الهدى، ولم ينفكوا عن معترض عليهم وهم أئمة التقوى فكذبوهم تارة وسخروا بهم أخرى، وسبوهم فينة وضللوهم أخرى، فلو لم يكن إعتراض هذا إلا علينا، لكان من أعظم الذنوب وأقبحها وأشدها عند الله جرما، وأفحشها لما تتضمنه من أنواع المعاصي وذلك الكذب فيما[106/أ] رمانا به من المخازي ثم نكث البيعة التي يد الله فوقها مرة بعد مرة، ثم نقض الأيمان بعد توكيدها كرة بعد كرة، ثم البغي بغير الحق، ثم الإغاثة للظالمين، وإجابة أصوات الفاسقين، ثم النهي عن المعروف والأمر بالمنكر، كما بين ذلك إن شاء الله في أبناء هذا المستطر، ثم الغضب للدنيا والميل إلى جانب أهل الهوى، الذي يسخطون بما يزوى، ويرضون بما يعطي، ثم الإعتماد على الجهل عن الدليل فيما بيناه من واضح السبيل، كيف ظنك بقبح مقالة لم تقتصر على السب لنا وثبت لما يتوقف فيه على ثلب جانبنا بل جميع ما فيه ثلب على السلف الصالحين، والأئمة الماضين، حيث حكم بأنه من اتبعهم على ضلالة، وأنهم لم يزالوا يتخبطون في الجهالة، وليس لذلك سبب يدعوه إليه غير الغفلة عن الحق والعماية فحكم في مقالته بأنهم ظالمون، إذ أخذوا على زعمه ما لا يستحقون، وهل يلزم من ذلك إلا التفسيق لهم والعياذ بالله، والتضليل لهم والحكم عليهم بالخروج عن الدين والتجهيل، فحين رأينا ذلك وخشينا أن يقف عليه من ضعف عزيمته في الدين أو في قلبه مرض فلا يعرف الموقنين، ممن غفل عن وجوب الرد إلى الله وإلى الرسول، وإلى أولي الأمر الذين يستنبطون الأحكام، ويعرفون ما يجب لله ولرسوله وللإمام، فيضله ذلك والعياذ بالله، أو يوقع في نفسه شبهة والهدى بيد الله، فاجبنا عما قال، وبينا طريق الحق وطريق الضلال، وإن كانت الأولى لولا ذلك الإلغاء والإهمال، وعرفناه أنه المتصف بتلك الصفات التي وصف الله بها المؤمنين والمتسم بذلك دونهم، وحاشاهم أن يكونوا من القوم الفاسقين، والظالم من رمى أئمة الهدى بالظلم وهم عنه أبرياء، والجاهل من رمى أولي العلم بالجهل وهم أولوا الحسنة والأولياء، والفاسق من ألزمهم الفسق وهم الأتقياء، وبينا له ولمن غفل من المسلمين أنا وإياه لعلى هدى أو في ضلال مبين، وظهر لنا بما فعله عند نجوم هذا الحادث من بعض رعايا خولان، إنه من الذين لا يرقبون العهود ولا الأيمان من الذين يتربصون الدواير عليهم دائرة السوء، وينقضون العهد بعد ميثاقه مرة بعد أخرى، كصفة الذين قال الله فيهم لنبيه : {الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون} فبعثوا بأعاذير لنكثهم، وأكاذيب لتلفيق خطاياهم، وكتبوا زخاريف هي الأمن أو الخوف الذي يرده المؤمنون[106/ب] إلى أولي الأمر، كما أمر الله في كتابه، ومن الفتنة التي يزيد الظالمين ضلالا وخسارا، كما وصفهم الله في قوله:{ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} ، ومن يرد الله فتنه فلن نملك له من الله شيئا وكفى بالله شهيدا وبه نعتصم، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم، قال:{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } وقال:{ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } وقال:{ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن } .

مخ ۴۵۱