زموږ کلتور د عصر سره مخامخ
ثقافتنا في مواجهة العصر
ژانرونه
أنه مهما اختلفت الزوايا التي ينظر منها إلى المذهب الإنساني، ومهما اختلفت خصائص هذا المذهب باختلاف المتكلمين في فلسفته؛ فالرأي مجمع على أن الأساس الأول والهدف الأخير هما أن نكفل للإنسان حياة نعترف له فيها بحقوقه الإنسانية في هذه الدنيا وعلى هذه الأرض، وإذا كان ذلك كذلك؛ فبأي شيء نكفل له هذه الحقوق الإنسانية أكثر مما نكفلها له بالعلوم الطبيعية، وبخاصة في عصر تطبيقها على الحياة العلمية؟ أنكفلها له بأبراج عاجية - كما يقولون - يعتزل فيها المثقفون بثقافات «إنسانية» من النوع الذي لا يبني البيوت ولا يقيم الجسور ولا ينبت الطعام ولا ينسج الثياب؟! إن تلك الأبراج العاجية نفسها بحاجة إلى من يقيمها بالعلم وتطبيقاته؛ والحق أن الحلقة في هذا حلقة مفرغة؛ فالعلم وتطبيقاته على الحياة شرط أساسي لازدهار الحياة، ثم يجيء هذا الازدهار بدوره شرطا أساسيا لتقدم العلم وتطبيقاته؛ ولك أن تستعرض عصور التاريخ الحضاري، وستجد عندئذ أن تقدم العلم وارتفاع المستوى المعيشي يكادان يكونان متلازمين حيثما وقعا، فلم يتقدم العلم بدرجة ملحوظة إلا في عصر ازدهرت فيه ظروف العيش، ولم تزدهر هذه الظروف في عصر أو في بلد إلا ومعها تقدم في العلم؛ مما يؤكد العلاقة الوثيقة بين العلم الطبيعي وحياة الإنسان في هذه الدنيا وعلى هذه الأرض، وهي الحياة التي يدعو إليها المذهب الإنساني.
يخاف الخائفون من طغيان العلم وتقنياته، ومصانعه ومعامله وآلاته، أن يؤدي ذلك إلى جفاف العاطفة الإنسانية ويبوسها وذبولها، على اعتبار أن العاطفة لا مكان لها في حياة يسودها العلم وملحقاته! وإني لأنتهز هذه الفرصة لأشير إلى هذه المقابلة الزائفة التي كثيرا ما يقابل بها الناس بين العقل والعاطفة، حاسبين أن الأمر إما عقل أو عاطفة؛ وحقيقة الموقف هي أن لكل من العقل والعاطفة مهمة مختلفة، والمهمتان متكاملتان في كل عملية من مجرى النشاط اليومي؛ وذلك أن الإنسان يختار أهدافه بالعاطفة، ثم يخطط الخطط بالعقل لتحقيق تلك الأهداف.
إن كلمة «العقل» لا تطلق إلا على الحركة الانتقالية من المقدمات إلى نتائجها، ومن المراحل إلى غاياتها؛ وأما الإدراك لشيء بذاته، كأن أنظر - مثلا - إلى هذه البقعة اللونية الصفراء التي أمامي، أو كأن أركز الذهن في فكرة من الأفكار أو في مبدأ من المبادئ مجرد تركيز، دون انتقال منه إلى نتائجه التي تتفرع عنه، فذلك لا يندرج في مفهوم العقل، وله أسماء أخرى؛ فهو إدراك حسي في حالة البقعة اللونية، وهو إدراك حدسي في حالة التركيز الذهني على فكرة أو على مبدأ معين، لا تتزحزح عنه إلى ما يترتب عليه من أفكار وأعمال؛ ولذلك كان التخطيط لمراحل السير المحققة لهدف معين، فاعلية عقلية، كالسير في خطوات الحل لمسألة رياضية، أو في خطوات لبلوغ شاطئ البحر أو قمة الجبل، أو كالسير في خطوات تحقق مضاعفة الدخل القومي كذا مرة، وتوسيع الرقعة المزروعة كذا فدانا من الأرض، وهكذا وهكذا ... «العقل» سير منظم نحو هدف مقصود، وحيث لا «سير» فلا عقل، ثم لا يكون هنالك سير منظم إلا إذا كان هنالك هدف معلوم يجيء السير سيرا نحوه ليحققه.
وأما اختيار الهدف فعملية «إرادية» تتم بالرغبة - أي بالجانب العاطفي من الإنسان؛ إذ إن كل «ميل» عاطفة - والإرادة والرغبة والعاطفة والميل كلها أسماء تطلق على ما ليس بعقل في تيار النشاط الإنساني؛ افرض أنني اخترت لنفسي «هدفا» قريبا من أهداف حياتي اليومية، هو أن أكتب مقالة في المذهب الإنساني وعلاقته بالعلوم الطبيعية، فليس هذا الاختيار في حد ذاته عملية «عقلية»، لكنه اختيار كان يمكن ألا يكون، كان يمكن مثلا أن أختار موضوعا آخر للكتابة، أو أن أختار عدم الكتابة إطلاقا؛ الاختيار إرادة ورغبة وميل؛ لكنه إذا ما تم؛ أصبح الهدف المختار أمرا يريد أن يتحقق، فكيف يكون ذلك؟ ها هنا تبدأ العملية «العقلية»، ترسم المراحل والخطوات، حتى يتحول الهدف المختار من مجرد رغبة وميل إلى واقع ماثل محسوس.
وأعود إلى ما بدأت الحديث فيه، وهو خشية أنصار العاطفة أن يؤدي طغيان العلوم الطبيعية إلى وأد العاطفة، فنقول إنها على عكس ذلك تماما، ستضع في أيدينا وسائل كثيرة لتحقيق أهدافنا - ولا تنس أن الهدف قد اختارته العاطفة ولا دخل للعقل فيه - فبالعاطفة أردت مثلا أن أرقى بمستوى العيش في أسرتي، وبوسائل العلوم الطبيعية (أي بالعقل) استطعت تحقيق ما قد رغبت في تحقيقه، ولا تقل إن وسائل العلوم الطبيعية وتطبيقاتها منصرفة إلى راحة الجسد، ولا شأن لها بالجوانب الروحانية من الإنسان، لا تقل ذلك لأنه بغير الجسد لا ركوع ولا سجود ولا قراءة ولا بصر ولا سمع، فالجانبان إذن وجهان لكائن موحد واحد.
4
اختلاجة مذعورة نشهدها كلما سارت حضارة عصرنا خطوة نحو مزيد من العلم ومن التقنيات ومن المعامل ومن المصانع؛ خشية أن تضيع على الإنسان بساطة العيش أيام الرعي أو الزراعة اليدوية، والبديل الذي يقترحه المشفق المذعور، هو العلوم الإنسانية؛ لأنها هي التي تغرس القيم في النفوس، وحتى لو اضطرتنا الحضارة العلمية أن نزيد من اشتغالنا بالعلم الطبيعي، فلا بد عندئذ - هكذا يقول المشفق المذعور - من إدخال شيء من العلوم الإنسانية تخفيفا من وقع الحياة العلمية الصناعية على حياة الإنسان.
وهنا أيضا يحتاج الأمر إلى شرح وتوضيح؛ فمتى تؤدي الدراسة ومتى لا تؤدي إلى تكوين الإنسان على النحو الذي نريده، سواء كانت تلك الدراسة من العلوم الطبيعية أو كانت من العلوم الإنسانية؟ لماذا يظن أن دراسة التاريخ والجغرافيا والفلسفة تقيم الإنسان متكاملا معتقدا في القيم الإنسانية العليا، وأن دراسة البيولوجيا والكيمياء والطبيعة تفتت بناء الإنسان وتفقده المثل السامية؟!
إن الأمر مرهون بالهدف المقصود، وبطريقة الوصول إليه؛ فكل دراسة تشعر الإنسان بإنسانيته، من حيث هو كائن حر الفكر، حر الإرادة، يختار الأهداف كما يشاء، ويفكر لتحقيقها بغير معوقات وحوائل، لا بد مؤدية آخر الأمر إلى الإنسان الذي يريده المذهب الإنساني؛ فليس الخوف من العلوم الطبيعية في ذاتها، ولا من العلوم الإنسانية في ذاتها، بل الخوف هو من أن يدخل الدارس إلى رحاب هذه العلوم أو تلك، محدود النظر، فيفقد بهذا التحديد أول شروط الحركة الإنسانية، وأعني بهذه الشروط الأساسية أن يكون مطروحا أمامه في الأفق من المبادئ والأفكار ما يمكنه من الاختيار تحقيقا لأهدافه؛ وهذا هو بعينه ما يقال إنه موجود في الدراسات الإنسانية، ومعدوم في العلوم الطبيعية؛ إذ يقال إن هذه العلوم الطبيعية من شأنها التخصص الذي يضيق الأفق، ويسد طريق الاختيار الحر بين ممكنات كثيرة، لكن تحليلا أدق وأوفى للعلوم الطبيعية ومناهج البحث فيها، يبين أنها لو قدمت على الوجه الصحيح؛ لأتاحت الفرصة نفسها، من حيث اتساع الأفق، وإمكان المقارنة، وحرية الاختيار، التي تقدمها أي دراسة منهجية في ميدان العلوم الإنسانية.
ويقال فيما يقال إن العلوم الطبيعية من شأنها أن تحصر الانتباه والاهتمام في جانب المنفعة وحده دون سائر الجوانب التي يجاوز بها الإنسان في حياته حدود المنفعة، وبذلك النظر الجزئي إلى طبيعة الإنسان يفقد الإنسان تكامله، على حين أن العلوم الإنسانية عادة تنظر إلى الإنسان في فاعليته من حيث هو كائن متكامل، يحب المنفعة، ويحب الطموح، ويحب الخيال، ويحب التأمل، ويحب أشياء كثيرة جدا مما يجاوز به قيود اللحظة الراهنة؛ لكننا نقول إن العلوم الطبيعية إذا درست من حيث هي دراسة للبيئة التي يعيش فيها الإنسان، فعندئذ سيدخل الإنسان بكله ومجموعه في الصورة، ولا تكون البحوث العلمية بحوثا مجردة في الهواء، معزولة عن حياة الإنسان الفعلية، وأحسب أن الصيحة التي تدعو العلماء بقوة إلى أن يجعلوا علمهم في خدمة الإنسان، هي صيحة ترد للعلوم إنسانيتها التي أشفق المشفقون من ضياعها.
ناپیژندل شوی مخ