[1 - سورة الفاتحة]

[1.1]

أتبرك في كل مباح وعبادة، ولا تكتب البسملة في أول ديوان الشعر، إلا إن كان علما أو وعظا، أو نفعا لا محذور فيه شرعا. وأجاز سعيد بن جبير كتبها في أول ديوان الشعر، ووجدتها مكتوبة في نسخة قديمة بأكثر من خمسمائة عام من ديوان الشعراء الستة، معروضة على أبي على الشلوبين، وأعطى الإجازة فيها لبعض تلامذته، وعنه صلى الله عليه وسلم،

" لو أن أحدكم أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان "

وقال صلى الله عليه وسلم:

" ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخلوا الكنيف أن يقولوا، باسم الله "

، أي إذا أرادوا الدخول. والله مختص به تعالى، والإله أعم، سواء أقلنا، أصل لفظ الله إله أم لا فلا تهم، وقرىء بنصب الرحمن، وجر الرحيم، والنصب على تقدير أحمد، وسماه أبو حيان عطف توهم، أي على طريق التوهم، وأصاب. ووجه توهمه أن الإتباع بعد القطع ضعيف، فلتسميته وجه، ونص هو على ضعف ذلك، لاختصاص التوهم بالعطف.

[1.2]

{ الحمد لله } إخبار بأن الله مالك لجميع الحمد من الخلق، أو مستحق لأن يحمدوه، ومن ذكر الجملة وأراد بها الثناء على الفعل الجميل الاختيار تعظيما كان محصلا للحمد، ولو لم يقصد الإنشاء، ولا يجوز قصد الإنشاء على أن الآية نزلت إخبارا إلا لمن أراد غير الآية، وإلا أن يقال، المعنى قولوا هذه السورة، فحينئذ يجوز لقارئها التصرف في الحمد بالإخبار والإنشاء، لكن الإنشاء بالجملة الاسمية قليل. ومختلف فيه، ولا يحمد الله على صفاته، بل على أفعاله، وقيل بالجواز على إسقاط لفظ الاختيارى من الحد، أو على أن المراد به نفى الضرورة، وصفاته ليست ضرورية، كما أنها ليست اختيارية، لا إله إلا الله، سبحان الله، ولفظ الجلالة لا يدل على فعل ولا صفة، بل على الذات، فهو جامد، وقيل: أصله الاشتقاق من لفظ يدل على معنى العبادة، أو العلو، أو الطرب. أو التحير، أو الاحتجاب، أو نحو ذلك ، بمعنى خلقه احتجبوا عن رؤيته، بأن حجبهم عنها ومنعهم، وليس هو بمحتجب، وفزعوا إليه واضطربوا وتحيروا، { رب } سيد { العلمين } أو مالكهم، الناس عالم، والملائكة عالم، والجن عالم، والفرس عالم، والجبال عالم، والنبات عالم، والفعل عالم، والاعتقاد عالم، وهكذا كل صنف عالم، الجميع عالمون، جمع تغليبا للعاقل جع قلة. إيذانا بقلتهم بالنسبة إلى قدرته تعالى على خلقه، أصنافا غير الموجودة، وسميت لأن فيها علامة الحدوث. كالتركيب والحلول، وعلامة وجود الله.

[1.3]

ناپیژندل شوی مخ

{ الرحمن } المنعم بالنعم العظيمة، أو مريد الإنعام به، وليس معربا من رحمن بالخاء المعجمة كما قيل { الرحيم } المنعم بالنعم التي دون تلك، أو مريدها، وليس بينها عموم وخصوص على هذا، فضلا عن أن يقال، قدمت الخاصة على العامة، وإنما ذلك لو فسر الرحيم بالمنعم بمطلق النعم، أو هما سواء، كنديم وندمان، جمعا تأكيدا، كما روى، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وعلى الأخصية، فقد قيل بجواز تقديم الصفة الخاصة على العامة للفاصلة، كما في قوله تعالى " رءوف رحيم ". وقوله تعالى: " رسولا نبيا ". وقيل: يا رحمن الدنيا، لأنه يعم المؤمن والكافر، ورحيم الآخرة، لأنه يخص المؤمن. وقيل: يا رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا، لأن نعم الآخرة كلها عظام، وأما نعيم الدنيا فجليلة وحقيرة، وهي هنا مبنية على الميم، نظير النون في العالمين والدين.

[1.4]

الجزاء بالجنة والنار، وخصه لأنه لم يجعل فيه مالكا، بخلاف الدنيا، ففيها ملوك، والملك السلطان القاهر، هو مالك يوم الجزاء إذا حضر يوم الجزاء، أو صفة مبالغة، أي أنه مالك ليوم الدين ملكا قويا، إذا شاء أحضره، ولك تقدير مالك الأمور يوم الدين، كما ملكها في الدنيا، أو ملكها فيه وحده.

[1.5]

{ إياك } قدم للحصر، والثاني للحصر والفاصلة، ومقتضى الظاهر، إياه نعبد، وإياه نستعين، ليهدنا بلام الدعاء، أنعم عليهم بصيغ الغيبة مثل ما قبله، إلا أنه لما أتى بالأوصاف الكاملة من كمال الرحمن المشاهدة، وصفات الجلال المحمود عليها، وقدرته الكاملة بتدريج الأفهام في ذلك على وجه الغيبة، وقوى برهان ذلك صار الغائب شاهدا بتكلم معه بصيغ الخطاب، وفي صيغة الخطاب تلذذ { نعبد } نخدم بكل ما نقدر عليه، وهذا العموم أفاده الإطلاق القابل لكل ممكن على سبيل البدلية، فيحمل على العموم الشمولى الشامل لكل أفراد البدلى، وكذا في قوله: { وإياك نستعين } على تحصيل العبادة والمباح، وعلى دفع المعاصى عنها والمضار، وخدمته إما للثواب والهروب عن العقاب، وذلك زهد، وهى عبادة، وإما للشرف بها والنسبة إليه تعالى، وهى عبودية، وإما لإجلاله، وهى عبودية، وهى أعلى، وقدم العبادة لنتوسل بها إلى دفع المكروه، وجلب المحبوب، أو قدمها لأن المراد بها التوحيد، فذكر بعدها الاستعانة على مطلق العبادة، وأيا كان الأمر فالواو لا ترتب، وفى الوجه الأخير حصول التخلى قبل التجلى.

[1.6]

ما لم يكن عندنا من الدين حتى يتم عندنا، والذين اهتدوا زادهم هدى، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى، أو أدمنا عليه، والأصل اهدنا الصراط، أو إلى الصراط، والمراد هدى البيان، أو هدى الإيصال بأن نقيم عليه، ولا نموت على خلافه، أو التوفيق للعمل والتقوى.

[1.7]

{ صرط الذين أنعمت عليهم } بعلم الدين والعمل به، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من كل أمة { غير } قال سيبويه: نعت الذين، لأن الذين كالنكرة، لأنه جنس، ولفظ غير نكرة ولو أضيف إلى معرفة، ولا سيما أنه أضيف لمعرفة هى للجنس فهى كالنكرة، وعندى جواز إبدال لمشتق الوصف وما أول به. { المغضوب عليهم } اليهود المخالفين لموسى وعيسى. { ولا الضالين } النصارى المخالفين لها، قال صلى الله عليه وسلم:

" المغضوب عليهم لتقدمهم زمانا، ولأن الإنعام يقابل بالانتقام، ولأنهم أشد في الكفر والعناد والفساد، وأشد عداوة للذين آمنوا، ولأنهم كفروا بنبيين، عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، والنصارى بواحد، وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم "

ناپیژندل شوی مخ

، وروى ابن عدى والديلمى والسلفى عنه صلى الله عليه وسلم:

" من لم يجد صدقة فليلعن اليهود ".

[2 - سورة البقرة]

[2.1]

سورة البقرة بسم الله الرحمن الرحيم الله هو العالم بمعناه، وبمعنى، المص، و، المر، الر، و، كهيعص، و، طه، و، طسم، و، طس، و، يس، و، ص، و، حم عسق، و، ق، و، ن، وأذكر ما قيل، الهمزة الله، واللام لطيف ، قال الخليل: نحو به، وكه، بالحركة وهاء السكت، مسميات، ونحو الباء والكاف اسم، قلت، فمسمى الهمزة، أه بالحركة بعدها هاء السكت، والاسم ءاء بهمزتين بينهما ألف، ولم ينطق غيرى بهذا.

[2.2]

{ ذلك الكتب } القرآن، الشبيه في علو شأنه بالعالى حسا كالعرش، وأصل الإشارة أن تكون إلى محسوس، فإذا أشير إلى غير محسوس لاستحملة إحساسه، مثل، { ذلكم الله ربكم } ، أو لعدم حضوره نحو، { تلك الجنة } ، فلتحققه كالمشاهد، وعبارة البد للتعظيم، ولأن كل ما انقضى، أو ليس في يدى فهو بعيد { لا ريب فيه } ليس أهلا لأن يشك فيه عاقل، لظهور براهينه. ومن شك فيه، أو من الله، فلقصور نظره، أو عدم استعمال عقله. قيل ولا ريب فيه عند الله والمؤمنين والنبى، ويضعف أن يكون المعنى، لا تشكوا فيه، لما علمت من ضعف مجىء الجملة الاسمية للإنشاء، { هدى } من الشرك والمعاصى { للمتقين } الذين قضى الله أن يرجعوا إلى التوحيد والعبادة، وترك المعاصى، والحذر منها، ومن العقاب عليها، أو ذلك ثابت لهم أو زيادة، أو أراد للمتقين وغيرهم، فحذف، وهذا ضعيف، أو خصهم، لأنهم الفائزون، كقوله تعالى:

إنما أنت منذر من يخشها

[النازعات: 45] وهذا على الحذف، والتقوى تقوى الشرك، وهى تقوى العوام، ولا تنفع فى الآخرة بلا أداء فرض، واجتناب فسق.

وتقوى الخواص، وهى تقوى الشرك والمعاصى مع أداء الوجب والسنن المؤكدة.

ناپیژندل شوی مخ

وتقوى خواص الخواص، وهى تقوى ما يشغل عن الله، عز وجل، ويسميه بعض العلماء ورع الصديقين، وهدى خبر ثان لذلك، أو لا ريب محذوف الخبر، وفيه خبر لهدى.

[2.3]

{ الذين يؤمنون } في قلوبهم وألسنتهم لا فيها فقط { بالغيب } بذى الغيب أو الغائب، وهو الله، جل جلاله، وما أخبر عنه مما سيكون في الدنيا أو الآخرة، أو كان ولم يشاهدوه أو آمنوا بذلك، وهم في غيب عنه { ويقيمون الصلوة } يأتون بها في وقتها المختار، لا الضرورى إلا لعذر بطهارة، وخشوع وإخلاص، وترك ما يكره حتى كأنها كجسم مستقيم لا عوج فيه، أو كسوق أقيمت ورغب فيها، وذلك مستتبع لإقامة صلاة النفل إلا أنه لاعقاب عليها، وقال الجمهور: المراد صلاة الفرض، وعليه ابن عباس، ومثل هذا اللفظ حقيقة شرعية عن معنى لغوى مجاز لغوى؛ كما هو المشهور، وقال الباقلاني مجاز، وقال المعتزلة حقيقة شرعية مخترعة، وليست منقولة عن معان لغوية { ومما رزقنهم } طعاما أو دراهم أو ثيابا، أو دواب، أو عقارا، أو غير ذلك من الحلال، إذ لا مدح بإنفاق الحرام، لأن التصرف فيه وإمساكه كفر { ينفقون } في طاعة الله، كإنفاق من تجب نفقته من أهل ورحم وتنجية مضطر، وضيف وإنفاق الزكاة، وكإنفاق تطوع، وكإنفاق نفسه بنية أن يتقوى على العبادة وأن ينفر عن مال الناس، قيل، إن أريد بالتقوى في قوله، المتقين، اتقاء المشرك فالذين... الخ صفة مخصصة. أو ترك ما لا بأس به مخافة أن يقع في اليأس فمادحة، كما فى حديث الترمذى عنه صلى الله عليه وسلم:

" لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما فيه بأس ".

[2.4]

{ والذين يؤمنون بما أنزل إليك } القرآن وسائر الوحى { وما أنزل من قبلك } على الأنبياء، من كتب وغيرها { وبالآخرة } البعث، والموقف، والجنة، والنار، قدم الاهتمام، والفاصلة على قوله { هم يوقنون } وذكر الذين يؤمنون بما أنزل إليك تخصيص بعد تعميم، وهو شامل لمن لم يكفر من أهل الكتاب بسيدنا موسى، أو سيدنا عيسى، عليهما السلام، ولما بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يكفر به، ولكنه طلب الدليل، فآمن به صلى الله عليه وسلم، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، أولئك يؤتون أجرهم مرتين، وقيل: هم المراد، وفي الآية ترغيب لأهل الكتاب بسيدنا موسى، أو سيدنا عيسى، عليهما السلام، ولما بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يكفر به، ولكنه طلب الدليل، فآمن به صلى الله عليه وسلم، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، أولئك يؤتون أجرهم مرتين، وقيل: هم المراد، وفى الآية ترغيب لأهل الكتاب في الإيمان، وعطف الذين عطف صفة في وجه العموم، وإن أريد مؤمنو أهل الكتاب فمجرد عطف أو مبتدأ خبره أولئك... إلخ.

[2.5]

{ أولئك } الموصوفون بتلك الصفات، العالون شأنا ومرتبة، وقس على ذلك سائر إشارات البعد فى سائر القرآن. وما كان في السوء فإشارة البعد فيه للبعد عن مقام الخير { على هدى } متمكنون من الهدى تمكن الراكب من مركوبه، القوى المطاوع الملجم بلجام فى يده المستولى { من ربهم } آت من ربهم، أو ثابت منه دلالة وتوفيقا { وأولئك } كرر الإشارة إذ لم يقل وهم المفلحون، تنبيها على مزيد الاعتداء بشأنهم، وعلى أن اتصافهم بتلك الصفات يقتضى أن يحصل لهم الكون على الهدى من ربهم، وكونهم مفلحين، كما قال { هم المفلحون } الفائزون بالحظ الأكمل، النجاة من النار ودخول الجنة، وهذا حصر، فمن ترك الصلاة أو الزكاة فليس مفلحا، فهو فى النار مخلد، لأن مقابل الإفلاح الخسار والهلاك.

[2.6]

{ إن الذين كفروا } من سبقت لهم الشقاوة كأبى جهل وأبى لهب، ممن نزل فيه الوحى، أو لم ينزل { سواء عليهم ءأنذرتهم } أعلمتهم بما أنزل إليك مع تخويف فى وقت إمكان أن يتحرزوا بالإيمان عن الوعيد { أم لم تنذرهم لا يؤمنون } لسبق القضاء بأنهم لا يؤمنون، أخبره الله بذلك، لئلا يتأسف على من أعلمه الله بشقاوته، وليقل أسفه على من أبى من الإيمان، ولم يعلم، أهو شقى، إذ يقول، لعله شقى، فكيف أكثر التأسف عليه، وعلى كل حال لا يترك الإنذار والتبليغ إليه.

ناپیژندل شوی مخ

[2.7]

{ ختم الله على قلوبهم } لم يوفقهم، سمى القلب قلبا لتقلبه، روى البيهقى عن أبى عبيدة بن الجراح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" قلب ابن آدم مثل العصفور، يتقلب في اليوم سبع مرات "

، وليس المعنى فى الآية الإجبار، جل الله شبه الخذلان بالربط أو الإعلاق على شىء حتى لا يدخله غيره، فقلوبهم من حيث عدم نفوذ الحق إليها واستقراره فيها كالخابية والخريطة المختوم عليهما، وهذا تصوير للمعقول بصورة المحسوس للإيضاح، وكذا الختم فى قوله { وعلى سمعهم } أي آلات سمعهم، فلذلك لا ينتفعون بما سمعوا من الحق، قال صلى الله عليه وسلم:

" إذا أذنب العبد ضم من قلبه هكذا، فضم خنصره، وإذا أذنب ضم من قلبه هكذا ، وضم التى تليها، وهكذا إلى الإبهام "

والمراد بالقلوب هنا الجسم اللطيف القائم بالقلب، الكثيف الصنوبرى الشكل قيام العرض بالجسم، وقيام الحرارة فى الوقود، والبرودة بالماء، وبهذا اللطيف يحصل الإدراك وترتسم المعرفة، وكذا الأسماع يقوم بصماخها جسم لطيف يدرك الأصوات، { وعلى أبصرهم غشاوة } غطاء عظيم، كأنه لا يرون بها، فيستدلون بما يرون على قدرة الله، لما لم ينتفعوا فى الدين بالنظر بها كانوا كمن جعل على بصره غشاوة، وفى ختم استعارة تصريحية تبعية. وفى غشاوة تصريحية أصلية، أو الاستعارة تمثيلية، شبه قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأحوالهم المانعة من الانتفاع بأشياء معدة للانتفاع، منع مانع من الانتفاع بها { ولهم } على كفرهم { عذاب عظيم } عظم شدة وأنواع ودوام، ولم يعطف إن الذين كفروا لأن المراد، والله أعلم، استئناف بيان أن عدم اهتداء الأشقياء لسبق شقوتهم وبيان مقابلتهم بإصرارهم لمن اتصف بالكمال ومضاتدتهم، لا لقصور فى القرآن عن البيان، فإنه غاية فى البيان، وإنما ضلوا باختيارهم للسوء، كما قال قائل:

والنجم تستصغر الأبصار رؤيته

والذنب للطرف لا للنجم في الصغر

[2.8]

{ ومن الناس } أصله النوس بفتح الواو، وقلبت ألفا لتحركها بعد فتح، من ناس ينوس، بمعنى تحرك، ولا يخلو بنو آدم من تحرك، ووجه التسميه لا يوجبها، فلا يلزم أن يسمى ناسا كل ما يتحرك، أو أصله أناس حذفت الهمزة، وعوضت أل، وهو من الأنس ضد الوحشية، فالألف زائدة، والناس يستأنس بهم، قال بعض:

ناپیژندل شوی مخ

وما سمى الإنسان إلا لأنسه

ولا القلب إلا أنه يتقلب

والأصل نيس بكسر الياء، قلبت ألفا لتحركها بعد فتح، ووزنه على هذا فلع من النسيان، إذ لا يخلو من نسيان، قال الله تعالى فى آدم:

فنسي ولم نجد له عزما

[طه: 115] ويطلق على الجن مجازا، وقيل حقيقة: { من يقول ءامنا } فى قلوبنا وألسنتنا إيمانا مستمدا { بالله } وجودا وألوهة، ومخالفة لصفات الخلق { وباليوم الآخر } الوقت الآخر، وهو وقت البعث إلى مالا نهاية له، والوقت الأول وقت الدنيا، ولا يقال اليوم الآخر وقت دخول الجنة والنار، وقبله وقت وهو البعث وما بعده إلى الدخول ، لأن الإيمان بالبعث والموقف والحساب أيضا واجب { وما هم بمؤمنين } ذلك الإيمان الذى ادعوه، بل الإيمان فى ألسنتهم والكفر فى قلوبهم، والخروج عن مقتضاه فى جوارحهم.

[2.9]

{ يخدعون } أي يخدعون، بفتح الياء وإسكان الخاء، فالمفاعلة ليست على بابها، بمعنى الفعل، وهو إظهار ما يوهم السلامة وإبطان ما يقتضى الإضرار بالغير، أو التخلص منه، أو هو أن توهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه، وتصيبه به، ودخل فى المكروه جلب نفع منه لا يسمح به لك أو لغيرك

آلله ولي الذين آمنوا

[البقرة: 257] يظهرون خلاف ما أبطنوا، ويظنون أن الله لا يعلم ذلك منهم. فأخبرنا الله عز وجل، أنهم عاملوا الله والمؤمنين بالمكر، والله لا يخفى عليه شىء، أو يخادعون الله مخادعة مجاز، على أنهم معتقدون لكون الله عالما بما فى قلوبهم، وذلك أن تلفظهم بالإيمان، وإظهار مقتضياته مع مخالفته فى الأعمال والقلوب شبيه بالخداع، ويقدر محذوف، أى، ويخادعون المؤمنين خداعا حقيقيا، إذ يدفعون بإظهار الإيمان وشأنه القتل والسبى وما يصنع بالمشركين، ويجلبون الإكرام والمعاملة بمعاملة المؤمنين، وإنما قدرت محذوفا لئلا يكون لفظ يخادع فى مجازه وحقيقته معا، أو أراد يخادعون الذين آمنوا، وذكر الله معهم إكراما وتعظيما لهم، بأنه من خانهم فقد خان الله، أو يخادعون نبى الله، قال الله تعالى:

إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله

ناپیژندل شوی مخ

[الفتح: 10]

من يطع الرسول فقد أطاع الله

[النساء: 80] والحاصل أن لفظ المفاعلة مبالغة، ويجوز إبقاؤها على معناها مجازا، وذلك، أنهم أظهروا الإيمان، وهم كافرون، والله عز وجل أجرى عليهم أحكام المؤمنين، وهم عنده غير مؤمنين، ولهم عنده الدرك الأسفل من النار، وإجراء المؤمنين تلك الأحكام تشبه صورة المكر بهم، إذ ليس لهم ما لمن تحقق إيمانه فى الآخرة، وذلك استعارة تمثيلية فى الكلام، أو مفردة تبعية فى يخادعون، والله عز وجل لا يكون خادعا إذ لا يخاف أحدا، ولا ينقض فعله أحد إذا أجهره، ولا مخدوعا، لأنه لا يخفى عليه شىء، ولا يناله مكروه، ولاينتفع بشىء، وإذا قدرنا يخادعون نبى الله الله تقدير معنى ففيه إيقاع الفعل على غير ما يوقع عليه للملابسة بينهما، وهى الخلافة، فذلك مجاز عقلى فى النسبة الإيقاعية لا الوقوعية { وما يخدعون إلا أنفسهم } ما يعاملون بمضرة الخداع إلا أنفسهم؛ وهى الافتضاح بإخبار الله، سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بما أحفوه، والعقاب فى الآخرة { وما يشعرون } لا يعلمون أن وبال العقاب راجع إليهم، إنما فسرت يخادع بيخدع لأن الله والمؤمنين لا يخدعونهم.

[2.10]

{ في قلوبهم مرض } كفر بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، وعداوته وعداوة المؤمنين، وسره الاعتقاد والجهل، وذلك شبيه بمرض الجسم فى الإيصال إلى مطلق الضر، فإن المضر موجع وقاتل ومانع من التصرف فى المصالح، وما فى قلوبهم مؤد إلى النار مانع من التصرف بأعمال الإسلام، أو يشبه تألم قلوبهم بقوة الإسلام وانتظام أمره بتألمهم بمرض البدن، فسمى التألم مرضا، وحقيقة المرض حالة خارجة من الطبع ضارة بالفعل لا بالقوة خاصة، والقرينة المشروطة فى المجاز تمنع الحقيقة، ولا يلزم أن تمنع احتمال مجاز آخر. فلك حمل الآية علىهذا التألم، وعلى ما ذكرت قبل { فزادهم } بسبب ذلك المرض { الله مرضا } بما أنزل من القرآن بعد ما كفروا بما أنزل منه قبل، والله يجازى المذنب بالإيقاع فى ذنب آخر، كما يجازى المطبع بالتوفيق إلى طاعة أخرى، وكلما نزلت آية أو وحى كفروا به، لأنه طبع على قلوبهم، وذلك زيادة مرض { ولهم عذاب أليم } موجع بفتح الجيم والموجع بفتحها حقيقة هم لا العذاب، لكن أكد شدة العذاب حتى كأنه معذب بفتح الذال، وهذا بليغ، ولا بلاغة فى قولك عذاب موجع، بكسر الجيم، فأليم فعميل بمعنى مفعل بضم الميم وفتح العين، ولك إبقاؤه على ظاهره، أى متوجع بكسر الجيم، ففيه البلاغة { بما كانوا يكذبون } أى بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم، وما مصدرية، وجرت عادتهم بالاكتفاء بالمصدر من خبر كان الذى بعدها، والأصل أن يقال بكونهم يكذبون، ولا حاجة إلى قولك بالتكذيب الذى كانوا يكذبونه النبي صلى الله عليه وسلم، أو يتكذيب يكذبونه صلى الله عليه وسلم على أن ما اسم موصول، أو نكرة موصوفة، والهاء مفعول مطلق.

[2.11]

{ وإذا قيل لهم } المعنى، من الناس من يقول، آمنا بالله وباليوم الآخر وهو كاذب، ويقول، إنما نحن مصلحون إذا قيل لهم لا تفسدوا، ويقول، أنؤمن كما آمن السفهاء إذا قيل لهم آمنوا، ويقول للمؤمنين آمنا، ويقول لأصحابه، إنا كافرون { لا تفسدوا في الأرض } بالكفر وأعماله وأعماله والمعاصى، ويمنع الناس من التوحيد وأعماله، فإن الإسلام صلاح الأرض، والكفر فساد وليس من صفات الله ولا من أفعاله، فإذا أزال الله الثمار أو نور البصر أو نحو ذلك، فلا تقل أفسدها، والأرض أرض المدينة، أو جنس الأرض، وليست للاستغراق { قالوا إنما نحن مصلحون } للأرض من مكارم الأخلاق كالصدقة وقرى الضيف، وهذا جواب بالإعراض عما نهوا عنه من الكفر والمعاصى، والأولى أن يكون الجواب له، فيكون المعنى مصلحون الأرض بما نفعل من الكفر وأعماله، والمنع الجواب له: فيكون المعنى مصلحون الأرض بما نفعل من الكفر وأعماله، والمنع من التوحيد والإفساد هو ما عليه المؤمنون من التوحيد والدعاء إليه، والعمل بمقتضاه، وعطف الجملة على قلوبهم مرض، أو على كانوا يكذبون فينسحب عليها معنى الباء، والأصل فى التعليل أو السبية، فى غير مقام مجرد الإخبار، أن يكون بوصف معلوم عند المخاطب ولو بالالتزام، وهذه الشرطية غير معلومة الانتساب لكن لا مانع من التعليل أو التسبب بما ليس عنده إخبار بالواقع، وأنه أحق، ولو لم يعرف، وأنه كيف لا يعرف.

[2.12]

{ ألا إنهم هم المفسدون } انتبهوا أيها الناس قد تأكد أن هؤلاء مفسدون دون المؤمنين، فالحصر إضافى، وإن فسرنا الفساد بالنفاق كان حقيقيا، لأنه لا نفاق إلا فيهم بخلاف مطلق الفساد، فى غيرهم من المشركين أيضا. والوجهان فى أنهم هم السفهاء. { ولكن لا يشعرون } بأنهم المفسدون، أو بوبال كفرهم، أو لا شعور لهم ألبتة، هكذا، ولو استعملوا عقولهم لشعروا. ذكر هنا الشعور لأن الفساد يعرف بلا تأمل. والسفة يعرف بالتأمل، فذكر معه العلم كما قيل:

يقضى على المرء فى أيام محنته

ناپیژندل شوی مخ

حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن

ولم يذكر لكن فى المخادعة لأنه لم يتقدم عليها ما يتوهم منه الشعور.

[2.13]

{ وإذا قيل } أى قال النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعض أصحابه { لهم آمنوا } بما يقول النبي صلى الله عليه وسلم { كما ءامن الناس } المعهودون الكاملون، أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم، ومن آمن به، ولم يحضره بعد إيمانه، وهو من التابعين لا من الصحابة ولو كان فى عصره { قالوا } فيما بينهم، أو بحضرة من أمرهم بالإيمان، بحيث يجدون السبيل إلى إنكار القول، أو عند المؤمنين بحيث لا يسمعون، قيل، أو عند من لم يفش سرهم من المؤمنين لقرابة أو مصلحة، وهو قول ضعيف، والأصل أن المؤمن لا يستر عليهم وعلى كل كشفهم الله عز وجل، ولو جهروا مطلقا لم يسمعوا منافقين { أنؤمن } توبيخ لمن أمرهم بالإيمان ولو غاب، أو إنكارا لأن يكون الإيمان حقا يؤمر به { كما ءامن السفهاء } الصحابة، ومن آمن ولو لم يكن صحابيا، نسبوا من آمن إلى السفه، وهو الجهل ووضع الشىء فى غير وجهه، ويطلق على نقصان العقل والرأى، أو أرادوا من يحتقر من المسلمين لفقره، أو ضعفه، أو عبوديته كصهيب وبلال، وأكثر المسلمين فقراء، أو أرادوا بالسفه مطلق الخمسة بالجهل أو الفقر أو غيره، والحاصل، أنهم قالوا، لا نفعل فعل السفهاء وهو الإيمان، وذكر الله عز وجل نهى الناهى لهم عن الفساد، ثم أمر الآمر لهم بالإيمان، لأن التخلى قبل التحلى { ألا إنهم هم السفهاء } الجهلاء المحتقرون لكفرهم، رد عليهم بأن السفه بالكفر ومساوىء الأخلاق لا بالفقر، فلا يلزم أن يكون هذا معينا للتفسير الأول فى السفهاء { ولكن لا يعلمون } من السفيه وما السفه، ذكر هنا العلم، وهنالك الشعور، لأن الإفساد يدرك بأدنى تأمل بخلاف السفه والأمر بالإيمان، وأيضا السفه خفة العقل والجهل بالأمور، فناسب نفى العلم أتم مناسبة.

[2.14]

{ وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا } أى ذكروا ما يفيد أنهم آمنوا، وسائر الأقوال والأفعال، وذلك أن الإيمان قد علم منهم فى الظاهر قبل ذلك، وذلك دفع للمؤمنين عن أنفسهم واستهزاء، ولا يتكرر مع ما مر؛ لأنه إبداء لخبثهم وخوفهم، وادعاء أنهم أخلصوا الإيمان، ولأنه بيان لكونهم يقولون ذلك خداعا واستهزاء، وأنهم يقولون ذلك عند الحاجة إليه فقط، وذلك عند لقاء المؤمنين { وإذا خلوا } عن المؤمنين راجعين { إلى شيطينهم } أو خلوا مع شياطينهم، يقال، خلوت إليه، أى معه، وشياطينهم رؤساؤهم، كعب بن الأشرف من اليهود فى المدينة، وأبو بردة فى أسلم، وعبد الدار فى جهينة، وعوف بن عامر فى أسد، وعبدالله بن الأسود فى الشام، وغيرهم ممن يخافونه، من كبار المشركين والمنافقين، سماهم شياطين تشبيها لمزيد فسادهن وإغوائهم، وذكر بعض أن هؤلاء المذكورين كهنة، وقيل: الشيطان حقيقة فى كل متمرد من الجن أو من الإنس وليس المراد الكهنة خلافا للضحاك، ولو كان مع كل كاهن شيطان، لأنهم أهون من أن يتملقوا إليهم، بقولهم، إنا معكم، كما قال الله عنهم { قالوا إنا معكم } فى الدين اليهودى، إن أريد بشياطينهم اليهود، وإن أريد به مشركو العرب فالمراد فى الإشراك { إنما نحن مستهزءون } بالمؤمنين فى قولنا، آمنا، لا مؤمنون حقيقة، بل قلنا ذلك لنكف عن أنفسنا القتل والشر والسبى وبحلب الخير، كالأخذ من الصدقة والغنيمة، مع الاحتقار والتهكم بهم، ولا تظنوا أننا تبعناهم، والاستهزاء بمعنى الهزء، كاستعجاب بمعنى العجب، وهو الاستخفاف والسخرية، وأصله الخفة، يقال هزأت به الناقة أسرعت به.

روى أن أبى بن عبدالله وأصحابه جاءهم نفر من الصحابة لينصحوهم، فقال لقومه، انظروا، كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبى بكر الصديق، فقال، مرحبا بالصديق وشيخ الإسلام، ثم أخذ بيد عمر، وقال مرحبا بالفاروق القوى فى دينه، ثم أخذ بيد على، وقال: مرحبا بابن عم رسول الله، وسيد بنى هاشم، فقال له: يا عبدالله، اتق الله ولا تنافق، فقال له: مهلا. يا أبا الحسن؛ إنى لا أقول هذا والله، إلا أن إيماننا كإيمانكم، ثم انترقوا، وقال لأصحابه، كيف رأيتمونى فعل فإذا رأيتموهم فافعلوا مثل ما فعلت، فأثنو عليه، وقالوا: لا نزال بخير ما دمت فينا.

وأخبر المسلمون النبى صلى الله عليه وسلم بذلك فنزلت الآية، وليس ذلك عين سبب النزول، بل مناسبة؛ لأن أبيا قال لأصحابه، انظرواكيف أفعل، والجملة مستأنفة فى كلامهم بلا تقدير سؤال هكذا، ما لكم توافقون المؤمنين، لقول عبدالقاهر موضوع إنما أن تجىء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحته، إلا أنه قد يصور السؤال فى صورة لا تحتاج إليه فيجوز التقدير المذكور، وقد لا نسلم قول عبدالقاهر إذا ادعى أنه ذلك أصل إنما، وأن مدخلوها معلوم، وحىء بها لإفادة الحصر، وليس كذلك أيضا، فإنك تقول: إنما قام زيد لمن لا شعور له بقيامه وحده، ولا مع غيره، ولا بقيام غيره دونه.

[2.15]

{ الله يستهزئ بهم } يجازيهم على استهزائهم مرة بعد أخرى، فإن نكاية الله فيهم متعددة فى الدنيا، ولا تنقطع فى الأخرة فذلك استعارة تبعية، أو مجاز مرسل، لأن بين الفعل وجزأيه مشابهة فى القدر، ونوع تسبب مع وجود المشاكلة أو يراد إنزال الحقارة من إطلاق السبب على المسبب، ومن الاستهزاء بهم فى الآخرة، أنه يفتح باب إلى الجنة فيجىء فى قربه، حتى إذا وصله أغلق، أو يكرر ذلك حتى يفتح له، ولا يجئه كما ورد فى الحديث { ويمدهم } بطيل أعمارهم، أو يزيدهم طغيانا { في طغينهم } مجاوزتهم الحد بالكفر { يعمهون } يترددون، هل يبقون عليه أو يتركونه، أو هل يعكفون فيه ويلازمونه.

ناپیژندل شوی مخ

[2.16]

{ أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى } تركوا الهدى الذى فى وسعهم وطاقتهم، جعل الهدى الذى لم يوجد لهم كالموجود لأنه فى طاقتهم ويولدون عليه، ولظهور حججه حتى كأنهم قبلوه، وجعل الإعراض عنه والتلبس بضده الذى لا يجتمع معه كالشراء، فسماه شراء، الإشارة إلى المنافقين المذكورين فى تلك الآيات بتلك الأوصاف، لا إلى أهل الكتاب كما قيل، ولا إلى الكفار مطلقا كما قيل؛ لأن التنزيل فى غيرهم لا فيهم ولو وجد المعنى فيهم، فضلاعن أن تفسر بهم { فما ربحت تجرتهم } انتفى عنهم الريح فى تجارتهم المعهودة، التى هى شراء الضلالة بالهدى، بل خسروا أبدانهم وأوقاتهم وأموالهم، إذ لم ينالوا بها الجنة، وأضاعوا منازلهم وأزواجهم فى الجنة، وصاروا للنار بتلك الضلالة، والهدى هنا اسم مصدر بمعنى الاهتداء أو اسم للمعنى الحاصل من الهداية، كأنه قيل، اشتروا الضلالة بالاستقامة. وإسناد الربح إلى التجارة إسناد إلى السبب؛ أو الملزوم، أو المحل { وما كانوا مهتدين } إلى طريق التجر والربح، إذ أضاعوا رأس المال والربح، والآية كناية عن انتقاء مقصد المتجر وهو الربح مع حصول ضده، وهو الخسارة، وذلك شأن الدين، إما لربح أو الخسارة، بخلاف تجارة المال مقد لا تربح ولا تخسر، أو كناية عن إضاعة رأس المال، فإن من لم يهتد بطريق التجر تكثر الآفات على ماله، أو المراد أنهم لم يتجروا فلا ربح، كقوله: على لاحب لا يهتدى بمناره، أى لا منار فيه.

[2.17]

{ مثلهم } صفتهم الشبيهة فى القرابة عقلا وشرسا بما يضرب مثلا لغرابته { كمثل } كصفة { الذي } الرجل الذى، لا بأس بتشبيه الجماعة بالمفرد، والمواد الجنس، فضمير المفرد بعده للفظه، وضمير الجمع للجنس، ويجوز أنه يقدر: الفريق لذى، والكلام فى الضمائر كذلك { استوقد } ليلا { نارا } بالغ فى إيقادها وعالجه فى ظلمة وهذا لبقائه على الأصل أولى من تفسيرها بأوقد. ويجوز أن تكون تمثيلا بنار لا يرضى الله إبقاؤها كنار الفتنة للإسلام، أو حقيقة أوقدها الغواة للشر، فيليق بالحكيم إطفاؤها { فلما أضاءت } أنارت إنارة عظيمة { ما حوله } ما فى جهاته من الأرض، وتمكن مما أوقدها لأجله، من الإبصار والاستدفاء، والأمن مما يخاف، والطبخ للأكل، أو نحو ذلك من المنافع { ذهب الله بنورهم } أذهب نورهم بإطفائه، فلا نور فضلا عن لإضاءة والنور منشأ الضياء، ووردا جميعا فى شأن سيدنا محمد، وسيدنا موسى صلى الله عليه وسلم عليهما، وقيل الضياء ما للشىء جميعا فى شأن سيدنا محمد، وسيدنا موسى صلى الله وسلم عليهما، وقيل الضياء ما للشىء من ذاته، والنور من غيره { وتركهم } صيرهم { فى ظلمت } ظلمة واحدة كأنها ظلمات، لشدتها، أو ظلمات متراكبة من الليل أو ظلمة الليل وظلمة العمام، وظلمة انطفاء النار، وذلك من حال المستوقدين يشبه من حال هؤلاء المنافقين مضرة الكفر ومضرة النفاق، وظلمة يوم القيامة، { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } ، ومضرة العقاب { لا يبصرون } ما حولهم من الطريق فضلا عن أن استدفئوا أو يطبخوا أو يحصل لهم الأمن من مضار الحقير والسبع والحية ونحو ذلك. وهذا منهم يشبه حال المنافقين، إذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب بعد أمنهم فى الدنيا على أنفسهم وأموالهم وأولادهم بكلمة الشهادة فى ألسنتهم.

[2.18]

{ صم } أى أولئك مشترو الضلالة صم أو هم صم { بكم عمى } شبهوا فى عدم قبول الحق بمن لا يسمع ولا يتكلم ولا يبصر، فهم لا يعرفون الحق، كأنهم لم يسمعوه ولا يتكلمون به. ولا يبصرون طريق الهدى { فهم لا يرجعون } إلى الحق كما أن الأصم لا يسمع، والأخرس لا يتكلم، والأعمى لا يبصر، كمثل الذى استوقد نارا... الخ.

[2.19]

{ أو كصيب } أو كمثل أهل صيب، أو بل كمثل أهل صيب، أو يتنوع من ينظر إليهم فى شأنهم بعقله إلى من يشبههم بالمستوقد المذكور، وإلى من يشبههم بأهل الصيب، أو يشك الناظر فى شأنهم أو هم كالمستوقد أو كالصيب أو يباح للعاقبل أن يشبههم بمن شاء منهما، أو يخير أن يقصر التشبيه على أحدهما، والصيب المطر المنحدر من السماء، والصواب الانحدار، والأصل صيوب على الخلاف فى باب سيد، قلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء، وهو وزن فى معل العين. وشذ فى الصحيح كصيقل، وقيل: هو بوزن طويل، فقلب وشهر أن لفظ صيب اسم، وقيل: وصف بمعنى نازل، وزعم بعض أنه بمعنى منزل، وبعض أنه اسم بمعنى السحاب { من السماء } السحاب، أو من جهة السماء وجهتها السحاب. وذكر ذلك مع أنه لا يكون الصيب إلا من السحاب وجهة السماء تلويحا إلى أنه من جميع آفاقها { فيه } فى الصيب كما يتبادر، أو فى السماء أى السحاب. وهو أولى لأن الرعد ملكا كان أو صوته أو صوت ماء هو فى السحاب، لا فى المطر؛ ولو كان البرق يصل الأرض لأنه أولا يجىء من السحاب { ظلمت } متراكمات، ظلمة السحاب، ففيه ظلمة ولو فى أجزائه، وظلمة المطر وظلمة الليل المدلول عليه بقوله:

كلما أضاء لهم مشوا فيه

[البقرة: 20] ويجوز كون فيه نعتا لصيب أو حالا، وظلمات فاعلة { ورعد } الرعد ملك سمى صوته باسمه، أو يقدر مضاف، أى وصوت رعد، أو اسم موضوع لصوت ملك السحاب. أو هو صوت تضارب الماء، وذلك الصوت مطلقا صاعقة، كما ذكر تقريبا، والمراد أصوات. بدليل جمع الصواعق { وبرق } ملك على هيئة النور، أو نور صوته الذى يزجر به السحاب، لا كما قيل إنه سوط من نار يزجر به السحاب، وأفردا لأنهما مصدران الآن، أو فى الأصل وزعم بعض أنهما أفردا لأن الرعد يسوق السحاب فلو كثر لتفرق السحاب ولم يكن مطبقا، فتزول شدة الظلمة ولو كثر البقر ولم تطبق الظلمة، وبعض أنه لم يجمع النور فى القرآن فلم يجمع البرق { يجعلون } يحمل الناس الذين حضرهم الصيب، دل عليهم أن المقام لذكر ظلمة الصيب، والجمل لكونه أول على الإحاطة أبلغ من الإدخال { أصبعهم } أطراف أصابعهم على المجاز بالحذف، أو سماهم باسم الأصابع لأنها بعضها، والمجاز لغوى، ونكتته التهويل بصورة جعل الأصابع إلى أصولها، أو لا مجاز، لأن وضع طرف إصبعه على شىء بصدق جعل أنه وضع إصبعه عليه بلا قرينة ولا علاقة، كما أن قولك سسته بيدى حقيقة ولو كان المس ببعضها ولما فى قوله { في ءاذنهم } فإنه حقيقة مع أن الجعل ليس فى كل الأذن، وأطبق الأصابع مع أن المعبود السبابة لدهشتهم، حتى إنهم يدخلون أى إصبع اتفقت، ويجوز أن يكون المجاز عقليا بإسناد الجمع للأصابع مع أنه للأنامل { من الصوعق } المعهودة بالمعنى فى قوله ورعد، لا باللفظ، كقوله تعالى

ناپیژندل شوی مخ

وليس الذكر كالأنثى

[آل عمران: 36] فإن قولها، ما فى بطنى، أرادت به الذكر، والمراد بها شدة الصوت، والأكثر فى الصاعقة صوت مع نار، أو نار بلا صوت، لا تمر على شىء إلا أحرقته، وذلك من الجو، وقد يكون معها حجر أو حديد، ويجوز حمل الآية على الصوت مع النار، على أنهم توهموا أن عدم سماع ذلك الصوت منج لهم من أن تصيبهم نار، فيكون الكلام تمثيلا بقوم شأنهم التوهم، فجعلوا أصابعهم فى آذانهم لئلا يسمعوا . ولا يصح ما قيل، إن المشهور أن الصاعقة لرعد الشديد معه قطعة نار، بل هى قطعة النار سواء مع صوت أو دونه وهو فى الأصل صفة من الصعق، بمعنى الصراخ وتاؤه للتأنيث صفة لمؤنث، أو للمبالغة، كراوية لكثير رواية الشعر، وليس قولهم للنقل من الوصفية إلى الاسمية خارجا عن ذلك لأن حاصله أنه كان وصفا مؤنثا بالتاء، ثم صار اسما وقيل مصدر كالعافية والعاقبة { حذر الموت } لأجل حذر الموت بالسمع، وهو تعليل للعلة الأولى التى هى قوله من الصواعق مع معلله، وإنما الممنوع ترادف علل على معلول مجرد بلا تبعية، أو يقدر حاذر بن الموت. أو ذى حذر الموت، أو يجدونها حذر الموت وحاصل الشبه بالصيب المذكور أن القرآن شبيه بالمطر، إذ هو سبب لحياة الدنيا، والقرآن سبب لحياة القلوب، وأن الكفر شبيه بالظلمات فى مطلق الإهلاك وعدم الاهتداء، وفى مطلق الحيرة، والوعيد عليه شبيه بالرعد فى الإرهاب، والحجج شبيهة بالبرق فى الظهور والحسن. وسد آذانهم عن سماع القرآن شبيه بسدها عن الصواعق، وترك دينهم شبيه بالموت عندهم، وذلك تشبيه مفردات بمفردات، وإن شئت فتشبيه مجموع بمجموع تمثيلى { والله محيط بالكفرين } بأجسامهم واعتقادهم وأقوالهم وأفعالهم، ولا يخفى عنه ما يعاقبهم عليه، أو قل، وعقاب الله محيط بالكافرين، شبه قدرته بإحاطة المحيط بالشىء، تشبيه الكامل بالناقص على الاستعارة الأصلية، واشتق منه محيط على التبعية، أو الاستعارة تمثيلية، أو الإحاطة الإهلاك ون معناه، أحاطت به خطيئته، أو عالم علم مجازاة، ومن معناه، وأحاط بما لديهم.

[2.20]

{ يكاد البرق } المعهود فى الآية قبل { يخطف أبصرهم } أبصار أهل الصيب، يقرب أن يأخذها بسرعة، وإسناد الخطف إلى البرق مجاز للسببية ونفى كاد نفى، وإثباتها إثبات كسائر الأفعال، وغير هذا تخليط، وإذا قلت، كاد يقوم فمعناه قرب، وإذا قلت، لم يكد يقوم فمعناه لم يقرب، وإذا قيل، لم يكد يقوم مع أنه قام فمعناه أنه لم يقرب للقيام، ثم قرب وقام { كلما أضاء } ظهر البرق أو أظهر البرق الطريق { لهم مشوا فيه } يمشون فى ضوئه كل إضاءة أى كل وقت إضاءة، أو فى الطريق المدلول عليه بالشىء، كما قدر بعض، كلما أضاء لهم ممشى مشوا فيه، وذلك أن المشى فى مطرح البرق لا فى البرق، والهاء للبرق، وكل ظرف لإضافته إلى المصدر المنسبك بما المصدرية المستعمل ظرفا، كجئت طلوع الشمس، ويجوز أن يكون لازما بمعنى وقع، كما فسرته أولا، كلما لمع مشوا فى مطرح ضوئه { وإذا أظلم } الطريق المسدود عليه، أو أظلم البرق، أى زال، أو الجو { عليهم قاموا } أمسكوا عن الشىء { ولو شاء الله } أى لو شاء إذهاب أسماعهم وأبصارهم { لذهب بسمعهم } أى بسمع المنافقين، الإضاءة للحقيقة أو الاستغراق، وكأنه قيل، بأسماعهم، كما قال { وأبصرهم } عيون المنافقين الظاهرة كما ذهب ببصائر قلوبهم الباطنة فلا تقبل الحق، ويجوز عود الهاءين لأصحاب الصيب، لأن بصائرهم ولو كانت لا تعمى بالظلمات لكن المراد التنوية للصيب وشأنه المشبه بهما حال المنافقين، فإن تقويتهما تقوية لحالهم فى الهول، فيكون شبههم بالمستوقد، ثم بالصيب الموصوف بما ذكر، وبأنه لولا أن الله حفظ سمع أهله وأبصارهم لذهبت بالبرق والرعد، ومشيهم فى البرق تشبيه لميلهم إلى بلاغة القرآن، وصدقه، ووعده بالخير، وإمساكهم عن المشى عند ذهاب البرق، وتشبيه لوقوفهم عما يكرهون من تسفيه دينهم، ورفض آلهتهم، والمشيئة والإرادة بمعنى، ولا يصح ما قيل إن أصل لمشيئة لإيجاد واستعمل بمعنى الإرادة، والباء للتعدية، أى أذهب أسماعهم، وقيل، ذهبت بكذا ذهبت معه، وإذا لم يذهب فللتعدية، أو مجاز فى المعية { إن الله على كل شيء قدير } أى على كل شىء ممكن وأما المستحيل فى حقه، كاتخاذ الصاحبة والولد فلا تقل هو قادر عليه، لأن الاتصاف بالقدرة عليه اتصاف بجوازه، ولا غير قادر عليه، لأن هذه صبغه عجز، تعالى عنها، ولأنها فرع عن تقرره هكذا فى الجملة، وهو غير متقرر، تعالى عنه، أو المعنى على كل شىء شاءه هؤلاء لا يرده عما أراد وقوعه، ومع ذلك هو قادر على إيقاع لم يسبق قضاؤه بوقوعه من الممكنات إجماعا، وما لم يكن ولا يكون لا يسمى شيئا، ونسبه بعض أصحابنا، وقيل شىء، وهو الصحيح عندى، وأما المستحيل فلا يسمى شيئا، والآية ونحوها من الآى والحديث تدل على جوازه فى كل معلوم ممكن، ويطلق على المحال بمعنى ملاحظته، ولا يقال قادر عليه ولا غير قادر، ومعنى: وقد خلقك من قبل ولم تك شيئا: لم تكن شيئا موجودا، بل شيئا معدوما.

[2.21]

{ يأيها الناس } لم يقع النداء فى القرآن بغير يا، وهى الأصل، فما حذف منه حرف النداء، مثل: { ربنا لا تؤاخذنا } ، وآية المؤمنون قدر فيه ياء، لذكرها فى غيره ولأصالتها، ويأيها الناس مكى، وقل مدنيا، كما فى هذه السورة والنساء والحجرات، فإنهن مدنيات، والنداء هنا، وفى قوله: { يأيها الإنسان } ، ونحوهما للتنبيه على ما يصلح، ويأتى للمدح، نحو، { يأيها الرسول } ، و، { يأيها النبي } ، و، { يأيها الذين آمنوا } ، وللذم نحو، قل يأيها الكافرون، وليس منه، يأيها الذين هادوا، لأن المعنى الذين ادعوا أنهم تابوا إلى الله. إلا أن يدعى خروجه عن معناه الأصلى إلى معنى الذين بقوا على اليهوديه مع بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، ويكون للعقاب، كقوله تعالى: يا أيها المدثر، و: يا أيها المزمل، أو الآيتان للإنشاط والإراحة من صبق المفاكه لغيره، ويكون لغير ذلك، والخطاب فى مثل الآية للموجودين المكلفين والآيتين بعد إلى قيام الساعة، ولو مجانين أو صبيانا يقيد الإفاقة والبلوغ، وذلك تغليب وقيل للمكلفين الموجودين فى مهبط الوحى، وأما غيرهم فبالنص أو القياس أو لإجماع، لا بصيغة الشراء ونحوها، وعلى الأول خوطبوا إذا بلغوا أو أفاقوا من زمان الوحى، قال بعضهم: الأصح أن نحو يأيها الناس يشمل الرسول صلى الله عليه وسلم ولو قرن بقل، أو اكتب إليهم، أو بلغهم، أو نحو ذلك، وقيل: لا يشمله، لأنه ورد على لسانه للتبليغ لغيره، لأنه إن كان آمرا أو مبلغا فلا يكون مأمورا أو مبلغا إليه لأن الواحد بالخطاب الواحد لا يكون آمرا ومأمورا، ومبلغا ومبلغا إليه للضرورة ولأن الآمر أو المبلغ طالب، والمأمور أو المبلغ إليه مطلوب، وإن قيل: قد يكون آمرا ومأمورا، مبلغا مبلغا إليه من جهتين ، قلت: الآمر أعلى رتبة من المأمور، ولا بد من المغايرة، إلا أنه لا يشترط أن يكون المبلغ أعلى رتبة من المبلغ إليه، لكن الخطاب يصل المبلغ قبل، وقيل: إن قرن بنحو قل لم يشمله صلى الله عليه وسلم لظهوره فى التبليغ. وإلا شمله. والأصح أن نحو، يأيها الناس يشمل العبد المكلف شرعا كما يشمله لغة، وعليه الأكثر، وقيل: لا يشمله لصرف ما معه إلى سيده فى غير أوقات ضيق العبادات وشمل الكافر أيضا، لأنه مخاطب بفروع الشريعة على الصحيح، وشمل الموجودين وقت النزول، وقيل: يتناول من سيوجد أيضا، وفيه أنه لا يظهر أن يقال للمعدوم يا فلان أو نحو ذلك { اعبدوا ربكم } وخذوه لا تجعلوه له شريكا، أو اعملوا الصالحات واجتنبوا المحرمات له، ومن ذلك ترك الأصنام والهوى { الذي خلقكم والذين من قبلكم } وتعليق الحكم بالمشتق أو بما معناه يؤذن بكونه علة، أى اعبدوا الذى هو سيدكم، أو مريبكم، وخلقكم وخلق الذين من قبلكم، أى اعبدوه لسيادته وملكه وخلقه لكم، فما ليس سيدا لكم ولا مالكا ولا خالقا لا يستحق أن يعبد { لعلكم تتقون } قال سيبويه: عسى فى كلامه تعالى للتحقيق، ولا يشكل عليه قوله تعالى { عسى ربه إن طلقكن } لأن تحقيق تبديل أزواج خير معلق بالتطليق، والطليق غير واقع، وأمل سئل عسى، فمعنى الآية تحقق حصول الوقاية عن عقابه بالعبادة، أو اعبدوه راجين حصول الوقاية، فقد لا تكون العبادة وقاية لخلاها، أو إبطالها برياء أو وردة أو نحوهما، أو اعبدوه لتحصلوا الوقاية، أو شبه طلب التقوى منهم بعد اجتماع أسبابها ودواعيها بالترجى فى أن متعلق كل منهما مخير بين أن يفعل وأن لا يفعل، مع رجحان ما بجانب الفعل، فينتقل ذلك إلى كلمة لعل فتكون استعارة تبعية، أو تشبه ذواتهم بمن يرجى منه التقوى فيثبت له بعض لوازمه، وهو الرجاء، فتكون الاستعارة بالكناية.

[2.22]

{ الذي جعل لكم } فى جملة من سواكم { الأرض فرشا } بساطا خارجا عن الماء مع ثقلها، ينتفع به لا صلبا ضارا، ولا رخوا مفرقا، وسماها بساطا ولو قيل: إنها كرية الشكل؛ لأن الكرة إذا عظمت كان كل قطعة سطحا، وكانت قبل خلق السماء كرية، وبعد خلق السماء دحيت، أى بسطت { والسماء بناء } من فوقكم كالسقف، كما جاء فى آية أخرى، أنها كسقف للأرض أو كقبة مضروبة على الأرض، لتقدم خلقها، ولأنهم فيها، ولأن انتفاعهم بها أكثر، ولأنها ما يحتاج إليه بعد الوجود، إذ لا بد من مكان يستقر فيه، أو لأنها أفضل من السماء، لأن الأنبياء منها وفيها، وهذا قول { وأنزل من السماء } أى من جهتها، أو من السحاب سماه سماء { مآء } والله قادر أن ينزل من السماء إحدى السبع ماء فى سرعة { فأخرج به من الثمرت } أخرج به { رزقا } من الثمرات { لكم } تأكلونه، وتعلفون دوابكم وتلبسونه كالقطن والكتان، وما لدواب الناس هو لهم، من الثمرات حال من رزقا، ومن للتبيعيض أو للبيان، ورزقا مفعول به، أو من اسم بمعنى بعض، مفعول به ورزقا حال من من، والثمرات جميع ما تخرج الأرض حتى الحشيش، أو الثمار، ونواها داخل فيها علف، وذلك أسباب ألا تجعلوا له أندادا، كما قال { فلا تجعلوا لله أندادا } شركاء فى العبادة، مقاومين لله تعالى عن ذلك، فإن كل ما سواه عاجز ذليل، خلقه الله وملكه، وذلك أن ما يصنعون بأصنامهم، وما يعبدونه فى صورة المقاومة، قالوا بها أو لم يقولوا، والند المقاوم مثلا، أو خلافا، أو ضدا، وهم لا يقولون بالمناداة، أو الند الكف، أو المثل، وإذا جمع مع غير كالكف، والضدو المثل والشبيه كان كل بمعناه على حدة، الند مثل الشىء الذى يضاده ويخالفه فى أموره، وينافره، من ند البعير إذا نقر، وقيل: الند المشارك فى الجوهرية، والشكل المشارك فى القدر والمساحة والشبه المشارك فى الكيفية والمساوى فى الكمية، والمثل عام. وفى تسمية الأصنام أندادا استعارة تهكمية. لأنهم علموا أنها عاجزة لا فعل لها، ولا تشارك الله تعالى فى شىء، كما يستعار أسد للجبان، والتبشير للوعيد، وحكمه ذلك الإشارة إلى أن عليهم ذنب من اعتقدها مشاركة له فى صفاته وأفعاله { وأنتم تعلمون } أنه ليس فى كتاب من كتب الله ثبوته الند له تعالى، وتعلمون أنه الخالق، وغيره ليس خالقا، فكيف يصح لكم جعل من لا يخلق شيئا إلها مع ما تشاهدون من حديث غيره وعجز غيره، هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شىء، أو تعلمون من أهل التوراة والإنجيل أنه ليس فيها جواز اتخاذ الأنداد، بل النهى.

[2.23]

{ وإن } جريان مع تحقق ارتيابهم إشارة إلى أنه بعيد جدا حتى إنه يشك فى وقوعه، وذلك توبيخ، أو لأن فيهم من لم يتحقق ارتيابه، فغلب على غيره ممن تحقق ارتيابه، ولما اختلفوا جعلوا كأنه لا قطع بارتيابهم { كنتم في ريب } شك { مما نزلنا على عبدنا } محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن، أهو من الله، أو من عنده، أو غيره من الناس، ومقتضى الظاهر الغيبة فى، وإن كنتم فى ريب مما نزل على عبده، ولكن عدله إلى التكلم تفخيما للقرآن ورسوله صلى الله عليه وسلم، قالوا ما يقول محمد لا يشبه الوحى، وإنا لفى شك منه، فنزلت الآية { فأتوا بسورة من مثله } أى سورة هى مثل ما أنزلنا فى البلاغة، وحسن التأليف، والإخبار بالغيب مع الصدق، أو، فأتوا بسورة صدرت، أو كانت من مثل عبدنا من فصحاء العرب وبلغائها، ولو كان يقرأ الكتب والأخبار ويسمعها.

ناپیژندل شوی مخ