توضیح ابهر
التوضيح الأبهر لتذكرة ابن الملقن في علم الأثر
خپرندوی
مكتبة أضواء السلف
شمېره چاپونه
الأولى
د چاپ کال
۱۴۱۸ ه.ق
د خپرونکي ځای
السعودية
المقدمات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على محمد نبينا وعبده.
وبعد:
فإن من شرف المرء أن يسير على منهج السلف الصالح ويقتدي بهم ويخدم ما تركه أولئك العلماء ليستفيد منه الخلف ويقف على آرائهم التي سطروها لنا في كتبهم.
وكان للباحث الأخ عبد الله بن محمد عبد الرحيم شرف خدمة هذا الكتاب الذي بين أيدينا، فتناوله تصحيحًا وشرحًا وتعقيبًا وتعقبًا على من سبقه في تحقيق هذا الكتاب المفيد على صغر حجمه وقلة مادته فكان كالمفتاح للمبتدئ والتذكير للمنتهي، ولم أجد بعد قراءتي له موضعًا انتقده فيه في ضبط النص؛ لأنه قام بضبطه كما ينبغي لا كما يجي. ومع هذا فلم يترك موضعًا يحتاج إلى زيادة أو أيضًاح إلا وقام بها في الحاشية تسهيلا للباحث المستفيد منه، فجاء عمله كاملًا والكمال لله وحده ﷿ فنرجو من المولى العلي القدير أن يثيبه على قدر نيته وأن ينفع به طلاب العلم في هذا التخصص العزيز.
أما الكتاب فهو شرح موجز لكتاب ابن الملقن المعروف بـ "التذكرة" ومؤلفه الإمام المشهور في علم الحديث الإمام السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢هـ أبدع في شرح غامضه، وأيضًاح مبهمه ومشكله وأتى فيه بما لا نجد نظيره في كتابه "فتح المغيث" فصار مكملًا له، والله يثيبه على جهده إنه ولي ذلك والقادر عليه.
كتبه د/ عبد الرحيم بن محمد القشقري
الأستاذ المشارك بكلية الحديث الشريف
ورئيس قسم علوم الحديث
حرر في ٧/ ١٠/ ١٤١٧هـ
1 / 3
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيد الأولين والآخرين، النبي الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه وأتباعه السائرين على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن الاشتغال بالعلوم الشرعية من أعظم القربات وأجل الطاعات لمن صلحت نيته، واتبع سبيل سلفه الصالح، خاصة السنة النبوية وعلومها -بعد الاهتمام بكتاب الله وعلومه- لذا "كان من أعظم ما يسعى إليه الساعون، ويتنافس في الدعوة إليه المتنافسون، علوم الحديث الكاشف النقاب، عن جمال وجوه مجملات الكتاب، والمدار لتفصيل الحكام، وتبيين أقسام الحلال والحرام؛ إذ مستندها ما صح من الخبار، وثبت حسنه من الآثار، ولا طريق لتعرف ذلك إلا بما اصطُلح عليه من أصول تلك المسالك، ولما كان الشيء يشرف بشرف موضوعه أو بمسيس الحاجة إليه كان فن مصطلح الحديث مما جمع الأمرين وفاز بالشرفين؛ لأنه يُبصِّر
1 / 4
من سواء السبيل الجواد، ويرقي الهمم لتعرف سنن الرشاد"١.
لذا تنوعت المصنفات من أهل الحديث في هذا الباب، وكثرت وتعددت، فمن مؤلف لها في وريقات، ومن مصنف لها في مجلدة أو مجلدات وهلم جرًّا. ومع هذا لم يثن ذلك الأئمة من التصنيف والتأليف والشرح والتهذيب والتحقيق والتنقيح فيه، وما ذلك إلا إيمانا منهم بوجوب الاستمرار على السنة المتبعة من منهج الأئمة السالفين، وإكمالًا من المتأخرين في التصنيف والتأليف. وقد حاز كتاب الحافظ ابن الصلاح قصب السبق في هذا الفن، فمن متناول له بالتهذيب تارة، وبالاختصار أخرى، وبالتعليق والشرح مرات، وممن اختصره وهذبه الحافظ ابن الملقن وذلك في كتابه "المقنع" كما أشار إليه في مقدمته للتذكرة، ثم اقتضب رسالته المسماة بـ "التذكرة" من كتابه المشار إليه آنفًا، والعلة في الاقتضاب هي أن "يتنبه المبتدي ويتبصر بها المنتهي" "ل١/ أ-ب"، فجاء الإمام السخاوي موضحا لهذه التذكرة محللا لألفاظها، متممًا لفوائدها، جامعًا لمقاصدها فلم يكن مطولًا تطويلًا مملًا، ولا مختصرًا اختصارًا مخلًا، أظهر تبحره في الفن، وعلوِّ كعبه فيه، وأجلى مراد المؤلف من تذكرته، فيسره لمن طالعه وتطلب فيه مراده، فرحمهما الله رحمة واسعة آمين.
ولأجل ذلك عزمت على تحقيقه وإخراجه مع التعليق عليه إكمالًا للفائدة، ليخرج في هذه الحلة الجديدة، تليق بمصنف كهذا، ولا أدعي العصمة في العمل أو السلامة من الخلل، فالكمال عزيز، والخطأ والنقص
١ قواعد التحديث للقاسمي "ص٣٥-٣٦".
1 / 5
وارد، فالمرجوّ من الله -جل وعلا- المغفرة من الزلل، والثواب على العمل، إنه نعم المولى ونعم النصير.
والحمد لله رب العالمين.
وكتب
أبو أسامة عبد الله بن محمد عبد الرحيم
ابن حسين البخاري
المدينة النبوية
فجر الخميس ١٢/ ٩/ ١٤١٦هـ
1 / 6
القسم الأول: قسم الدراسة
ترجمة ابن الملقن
...
ترجمة ابن الملقن ١
اسمه ونسبه ونسبته:
هو الإمام عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله، سراج الدين أبو حفص الأنصاري، الوادي آشي، الأندلسي، التكريري الأصل، ثم المصري الشافعي، المعروف بابن النحوي؛ لأن أباه كان عالمًا بالنحو، ويعرف أيضًا بابن الملقن.
وسمي بابن الملقن؛ لأن والده توفي وله من العمر سنة واحدة، فأوصى به إلى الشيخ عيسى المغربي، وكان يلقن القرآن في الجامع الطولوني، فلازمه سراج الدين وصحبه من صِغره، وتزوج من أمه، وكان ﵀ يغضب من نسبه إليه ولم يكتبه بخطه وإنما كان يكتب ابن النحوي.
مولده:
روى السخاوي في "الضوء اللامع" "٦/ ١٠٠" أن ابن الملقن كتب بخطه أنه ولد في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة.
١ استفاض جماعة من الإخوة الباحثين في ترجمة ابن الملقن منهم: مقدِّمة نور الدين شريبة لكتاب المؤلف "طبقات الأولياء"، وجاويد أعظم في مقدمته لـ "المقنع"، وإقبال أحمد محمد إسحاق في مقدمته لتحقيق كتاب المؤلف "البدر المنير"، لذا لم أطل في الترجمة خشية التكرار.
1 / 8
نشأته:
لما توفي والده وأوصى به إلى الشيخ عيسى المغربي اعتنى به الشيخ عيسى عناية فائقة أثر في ابن الملقن، ذلك أن الشيخ عيسى كان يلقن القرآن -كما سبق- في جامع طولون، وكان رجلا صالحا، ووافق ذلك أن تزوج الشيخ عيسى بأم ابن المقن، فاعتنى به وبتربيته، واستثمار مال أبيه، فنشأ ابن الملقن في كنفه فحفظ القرآن الكريم والعمدة للمقدسي والمنهاج وغيرها.
رحلاته في طلب العلم:
الرحلة في طلب العلم والحديث خاصة سنة متبعة لدى العلماء من سلف الأمة الصالح؛ إذ يندر أن تجد إمامًا لم يرحل في طلب العلم، لذا نجد الآن الإمام ابن المقن رحل إلى بلدان عدة منها دمشق، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، وبيت المقدس ومصر وغيرها من البلدان.
شيوخه:
لقد مكنت الرحلة لابن الملقن لقاء العلماء والحفاظ في تلك الأمصار والأقطار فقرأ عليهم واستفاد منهم وأجيز، فمن شيوخه:
الحافظ العلائي، وابن سيد الناس، وتقي الدين السبكي، ومغلطاي والعز ابن جماعة، والقطب الحلبي، وأجاز له الحافظ المزي، وجمال الدين الأسنوي، وأبي حيان الغرناطي، والبرهان الرشيدي وغيرهم كثير جدًّا.
فهذه التلمذة على أمثال هؤلاء الأفذاذ من العلماء أثرت في شخصية ابن الملقن العلمية في فنون شتى كالنحو والقراءات والحديث والفقه وأصوله وغيرها من الفنون، لذا تقلد المناصب العديدة كالقضاء والتعليم وغيرها.
1 / 9
تلامذته:
رجل جمع مثل هذا الجمع، وأخذ عن علماء عصر ومصره، حريٌّ أن يرتحل إليه، ويطلب العلم بين يديه، وكان الأمر كذلك، فقد ذاع صيته وانتشر خبره، فطلبه الطلاب، وأتوه، ليأخذوا عنه ويتتلمذوا عليه، واستفاد منهم كثير، بل صار أكثرهم أئمة يشار إليهم بالبنان، فمنهم:
الحافظ العلامة الثقة البحر أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، والحافظ المتقن أحمد بن عبد الرحمن بن الحسين أبو زرعة العراقي، والإمام الحافظ إبراهيم بن محمد بن خليل برهان الدين الطرابلسي المعروف بـ "سبط ابن العجمي"، والحافظ أحمد بن نصر الله بن أحمد التستري، وغيرهم جمّ غفير.
مكانته وثناء العلماء عليه:
رحلة ابن الملقن الواسعة، وأخذه عن العلماء، كوّن لديه قاعدة عريضة في الاطلاع والمعرفة، فكان بذلك واسع الاطلاع غزير العلم في الحديث وعلومه والفقه وأصوله، والنحو وغيرها من الفنون، شهد بنبله وعظيم منزلته الأئمة الأعلام، وحسبك بشهادتهم تزكية، وبيانا لمنزلة هذه العلم الهمام، ومن هؤلاء الأئمة:
الحافظ العلائي حيث قال: "الشيخ الفقيه الإمام العالم المحدث الحافظ سراج الدين شرف الفقهاء والمحدثين فخر الفضلاء".
وقال العراقي: "الشيخ الإمام الحافظ".
وقال ابن فهد المكي: "الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام وعلم الأئمة الأعلام عمدة المحدثين وقدوة المصنفين".
وقال الحافظ سبط ابن العجمي: "حفاظ مصر أربعة أشخاص وهم
1 / 10
من مشايخي: البلقيني وهو أحفظهم لأحاديث الأحكام، والعراقي وهو أعلمهم بالصنعة، والهيثمي وهو أحفهم للأحاديث من حيث هي، وابن الملقن وهو أكثرهم فوائد في الكتابة على الحديث".
وقال الحافظ السيوطي: "الإمام الفقيه ذو التصانيف الكثرة ... أحد شيوخ الشافعية وأئمة الحديث ... وبرع في الفقه والحديث وصنف فيها الكثير".
وقال ابن شهبة: "الشيخ الإمام العالم العلامة، عمدة المصنفين".
فهذه بعض الأقوال المذكورة في، وهي كافية في بيان قدرة وعلو منزلته أضف إلى ذلك الثروة العلمية الضخمة التي خلفها ﵀، وسيأتي ذكر شيء منها.
تصانيفه:
اتفق الأئمة المترجمون على أنه من المكثرين في التصنيف، ولعل ذلك يرجع إلى أنه اشتغل بالتصنيف مبكرا، قال الحافظ ابن حجر في المجمع المؤسس "٢/ ٣١٢": "واشتغل بالتصنيف وهو شاب فكتب الكثير حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفا".
وقال القاضي محمد بن عبد الرحمن العثماني قاضي صفد: "أحد مشايخ الإسلام صاحب المصنفات التي ما فتح على غيره بمثلها في هذه الأوقات". من الضوء اللامع "٦/ ١٠٢".
وقال الحافظ السخاوي: "واشتهرت في الآفاق تصانيفه، وكان يقول: إنها بلغت ثلثمائة تصنيف، وشغل الناس فيها وفي غيرها قديما، وحدث بالكثير منها وبغيرها من مروياته وانتفع الناس بها انتفاعًا صالحًا من حياته وهلم جرًّا" الضوء اللامع "٦/ ١٠٣".
1 / 11
ومن مصنفاته:
١- "عمدة المحتاج إلى كتاب المنهاج" شرح به "منهاج الطالبين" للنووي في الفقه.
٢- "خلاصة الفتاوي في تسهيل أسرار الحاوي" أي "الحاوي الصغير في الفقه الشافعي" للقزويني.
٣- "البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير" والشرح الكبير للرافعي.
٤- "المقنع في علوم الحديث".
٥- "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" شرح لعمدة الأحكام لعبد الغني المقدسي وغيرها كثير.
وفاته:
ابتلي ﵀ باحتراق كتبه، وأكلت النار أكثر مسوداته، فتغير حاله بعدها وكان ذلك سببًا في حجب ابنه له عن التحديث، ثم وافاه الأجل في ليلة الجمعة السادس عشر من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانمائة "٨٠٤هـ" بالقاهرة، ف-﵀ وغفر لنا وله ولجميع المؤمنين.
ينظر في مصادر ترجمته:
إنباء الغمر "٥/ ٤١"، والمجمع المؤسس "٢/ ٣١١"، والضوء اللامع "٦/ ١٠٠"، وابن قاضي شهبة في طبقات الشافعية "٤/ ٣٧٣"، وذيل التقييد للتقي الفاسي "٢/ ٢٤٦"، ولحظ الأحاظ لابن فهد المكي "ص١٩٧"، وذيل تذكرة الحفاظ للسيوطي "ص٣٦٩"، والبدر الطالع للشوكاني "١/ ٥٠٨"، وشذرات الذهب لابن العماد "٧/ ٤٤" والأعلام للزركلي "٤/ ٥٧".
1 / 12
ترجمة الإمام السخاوي:
اسمه ونسبه ولقبه:
هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد، السخاوي نسبة إلى سخا بلد غربي الفسطاط، القاهري المولد الشافعي المذهب، نزيل الحرمين الشريفين الملقب بشمس الدين أبو الخير، وأبو عبد الله بن الزين، أو الجلال أبي الفضل وأبي محمد.
مولده:
ولد في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، بحارة بهاء الدين علو الدرب، المجاور لمدرسة شيخ الإسلام البلقيني، محل أبيه وجده، ثم تحول منه حين دخل في الرابعة مع أبويه لملك اشتراه أبوه، مجاور لسكن شيخه ابن حجر.
رحلاته:
رحل وجاب ودخل الآفاق والبلدان، فكان صاحب رحلة واسعة، فمن تلك البلدان: حلب ودمشق وقطيا وغزة وبيت المقدس والخليل ونابلس ودمياط ومكة المكرمة والمدينة المنورة، والزبداني وبعلبك وحمص وحماة وسرين وجبرين وطرابلس وغيرها كثير.
شيوخه:
رحلة السخاوي الواسعة لقي في خلالها أئمة العصر من كل بلد ومصر، فقرأ وسمع وأجيز، وقد زادوا على الأربعمائة شيخ فمنهم البرهان ابن خضر، والشهاب أبي العباس الحناوي، تضلع على هذين في صناعة
1 / 13