وأيتمت أولادا وأرملت نسوة .... وأنهبت أقواما فصاروا إلى الفقر فلما وصل إليه كتاب منصور وقرأ الشعر الذي فيه بكى حتى رأيت الدموع تتحدر على لحيته تحدرا وأمر قواده وجنوده بالمسير، وتوجه نحو بغداد، فلما وصل إلى النهروان تلقاه بنو هاشم وأشراف الناس سرورا بقدومه وتعظيما لأمره، وارتفعت الأصوات بالتكبير والدعاء حتى دخل من أبواب خراسان فتلقاه النساء والصبيان بالضجيج والبكاء على قتلاهم، ورفع إليه الأطفال واليتامى، فلما رأىكثرة من قتل منهم بكى، ثم قال:لا يهدى الله من كان هذا فعله، وبعث إلى الحسن بن سهل رسولا يسأله تقويته بما في بيت المال من الأموال، وبما في الخزائن من السلاح، وأقام بالياسرية يضيف أصحابه وقواده، ثم توجه إلى نهر صرصر، وتوجه أبو السرايا إلى نهر صرصر حين أتاه فتح المدائن، وقد نزل هرثمة في الجانب الشرقي منه، ونزل الرستمي، وكان على مقدمته، فلقي الرستمي فقاتله قتالا شديدا حتى انهزم وغلبه أبو السرايا على الجانب الغربي، فأقام بنهر صرصر خمسة عشر يوما وليلة يترامون بالنشاب والحجارة ، ويقتتلون في السفن، فلما ارتحل أبو السرايا من نهر صرصر أمر هرثمة عدة من القواد فاقتتلوا قتالا شديدا حتى انهزم أبو السرايا وقتل أخوه فركب وجهه هاربا إلى الكوفة، واتبعه هرثمة فيمن معه من أصحابه وقواده.
قال: وعسكر هرثمة بالجارية، وعسكر أبو السرايا بالعباسية، ولم يكن بينهما قتال كثير إلا أن الطلائع تلقى الطلائع فيقاتل بعضها بعضا، فأمرهم هرثمة بقطع شربهم، وسد الفرات عليهم، وأمر هرثمة من كان في عسكره من الفعلة، وحشر أنباط القرى فسكروا الفرات بالجارية، وحفروا مغيضا يحمل الماء إلى الآجام، والصحاري بمهل لينقطع عن أهل الكوفة.
فقال نصر بن مزاحم:كنت فيمن عند أبي السرايا إذ جاءه جماعة من أهل الكوفة، فقالوا: أصلح الله الأمير، ننتظر بهذا الرجل وقد قطع شربنا، وسكر فراتنا، انهض بنا إليه، فوالله لانرجع حتى يحكم الله بيننا وبينه، ونستظهر بالحجة عليه.
مخ ۴۸۲