الإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني(1)[عليه

السلام](2)

هو أبو محمد: القاسم بن علي بن عبدالله بن محمد بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.

نسب يحكي بتلألأه أنوار الصباح، ويعذب ذكره في الأفواه عذوبة الماء القراح.

مخ ۱

نشأ عليه السلام على طريقة سلفه الأكرمين، وآبائه الغر الميامين، سلام الله عليهم أجمعين في العلم والعمل، ووصل(1) إلى اليمن [أولا](2) من ناحية الشام باستدعاء(3) أهله لما تتابعت الجراد عليهم، وهلكت(4) ثمارهم، فعند وصوله [عليه السلام](5) صرفها الله [تعالى](6) عنهم، ولم توجد في (زمانه و)(7) أيامه عليه السلام.

وكان مشهورا بالبركة فلذا قصده أهل اليمن، ثم عاد -عليه السلام- إلى أرض خثعم فأقام بها، وولاته يتصرفون فيما يليه من اليمن، ثم بعث رسله -عليه السلام- إلى اليمن في شهر شوال من سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة؛ لاستنهاض الناس إلى بين يديه وإيصال واجباتهم إليه، وأصحبهم كتبا إلى الناس عموما، فوصلت الكتب(8) إليهم، فقام في ذلك رجال من المسلمين من البونين والخشب والمشرق والصيد، وجمعوا واجباتهم، وساروا إليه [عليه السلام](9) لعشر بقيت من ذي الحجة من السنة المذكورة، حتى انتهوا إلى صعدة، وانضاف إليهم جماعة من الناس، وساروا حتى وصلوا إلى الإمام القاسم وهو إذ ذاك في أسفل وادي بيشة.

مخ ۲

ثم نهض بهم -عليه السلام- واستولى على صعدة وصنعاء وأعمالها وكثير من اليمن، وكان يقود الجنود الكثيرة حتى حدث عليه خلاف [من بعض](1) أهل نجران، فنهض -عليه السلام- إلى نجران في ألف فارس ونيف وثلاثين فارسا وثلاثة آلاف راجل ومائتين وأربعين (راجلا)(2)، فدمروا أضداده [عليه السلام](3) ثم عاد بجنوده إلى صعدة ولم يزل كذلك، وكان كثير الرعاية لأهل العلم مقربا للمساكين، وكانت دعواته [وكتبه ورسائله ومخاطباته](4) -عليه السلام- مشحونة بالعلم والحكم.

وكانت وفاته -عليه السلام- غرة يوم الأحد لسبع خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. ومشهده -عليه السلام- بعيان مشهور مزور.

حكى الفقيه حميد الشهيد أن الشيخ أحمد الرصاص أخبره أنه أصابه ألم فمسحه بتربته -عليه السلام- فشفي من فوره.

وتعارض -عليه السلام- هو والإمام الداعي يوسف بن يحيى المنصور بن أحمد الناصر بن الهادي، وكان بينهما غاية المودة والتحاب في (أمر) (5) الله تعالى مع مقتضى الفرقة، وهو أن كل واحد منهما داع إلى نفسه، ولما دخل يوسف المذكور صنعاء عاقب القاضي سلمة بن يحيى بن كليب النقوي، وكان مجبرا قدريا، وأخرب سور صنعاء بعد دخوله على السلطان يحيى بن حاشد الضحاك سلطان همدان، وكان إليه وإلى قومه أمر صنعاء ذلك الوقت. انتهى.

أولاد [الإمام](6) القاسم عليهم السلام:

يحيى، وجعفر، وعلي، وسليمان، وعبدالله، والحسين.

* * *

والقائمين بصعدة من أولاد الهادي بعد الناصر -عليه السلام- ولده يحيى بن أحمد وكنيته المنصور بالله، وكان عالما كثير الرواية(7) عن أبيه وجده.

مخ ۳

وعارضه أخوه القاسم بن أحمد، وكنيته المختار، فأسر وقتل، وقام ابنه محمد بن المختار وكنيته المنتصر لدين الله فقتل قاتل أبيه(1) وهؤلاء الثلاثة لم يعدهم أحد(2) من أهل التاريخ في الأئمة.

مخ ۴

[الإمام المهدي لدين الله الحسين بن القاسم العياني](1) ثم قام بعد الإمام القاسم بن علي العياني رحمه الله(1) ابنه المهدي لدين

مخ ۴

الله الحسين بن القاسم [بن علي](2) العياني عليه السلام، [أبو عبد الله](3) كان من أعيان(4) العترة في زمانه، ومن المبرزين الكبار في أوانه حتى فاق أهل عصره، وسبق أبناء دهره، مشهور بالزهادة، ومعروف بالعبادة.

له التصانيف الرائقة في علم الكلام، والكتب (الفائقة في الرد)(5) على مخالفي العترة الكرام، وهي كثيرة قيل: إنها تبلغ ثلاثة وسبعين مصنفا منها المعجز في علم الكلام(6)، وهو كاسمه عند ذوي الأحلام، ومنها: تفسير كامل سلك فيه الطريقة الوسطى(7).

وكانت شجاعته معروفة، ومواقفه (مشهورة)(8) موصوفة، لا تفتقر إلى شاهد، ولا يطمح(9) في إنكارها جاحد.

قام بالإمر بعد موت أبيه -عليه السلام- وملك من إلهان إلى صعدة وصنعاء، ولم يزل ناعشا(10) للحق، داعيا إلى الصدق، كابتا لأرباب الحرام، معليا لكعب الإسلام، حتى رفع لدين الله منارا(11)، وأعز له أنصارا، وحمى ديارا، وقوض أركان الضلال، وكسا الحق ثوب الكمال .

وكان ذلك دأبه -عليه السلام- حتى قتله بنو حماد في بعض حروبه في نواحي البون، قتله رجل من بني ربيح.

وكانت وفاته -عليه السلام- سنة أربع وأربع مائة، وعمر(12) نيف وعشرون سنة وأعقب ابنتين لا غير.

مخ ۵

وروى الثقات أن قاتله قربت له نار يتبخر بها فاحترق، وكان ذلك دليل(1) على كرامته -عليه السلام- وكاشفا(2) عن فضيلته، وقد بقي جماعة من أشياعه يعتقدون أنه حي، وأنه المهدي المنتظر الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وللفقيه حميد [الشهيد](3) رسالة [في هذا](4) سماها: (الزاجرة لذوي النهى عن الغلو في أئمة الهدى).

وعارضه عليه السلام (السيد العلامة)(5) محمد بن القاسم بن الحسين الزيدي [عليه السلام](6) وكان أبوه القاسم بن [الحسين -عليه السلام- عاملا للإمام](7) القاسم بن علي العياني -عليه السلام- على ذمار وصنعاء، وهو الذي استخرج غيل الاف بصنعاء وهو جد آل الزيدي جميعهم.

وقبره غربي جامع ذمار، وقتل -أعني هذا محمد بن القاسم الزيدي-

بقاع صنعاء في نجد عصفر(8)، قتله هذا الإمام الحسين بن القاسم [بن علي](9) العياني عليه السلام لما نازعه (في الخلافة)(10) وخالف عليه.

[الإمام الفاضل وأخوه ذو الشريف](11)

وقام بالأمر بعد الإمام الحسين بن القاسم العياني(12) السيد الفاضل القاسم بن جعفر بن القاسم بن علي العياني، وأخوه ذو الشريف محمد بن جعفر، وكانا رجلي أهل البيت في زمانهما، وكان الفاضل في درجة الإمامة؛ لكنه لم يدع إلى نفسه؛ لأنه روي عنه أنه كان يعتقد أن عمه الحسين حي وأنه المنتظر.

مخ ۶

ولهما عليهما السلام ملاحم مع علي بن محمد الصليحي تشهد لهما بعلو الدرجة والفضل الكبير والشجاعة، فأما الفاضل فقتل في الجوف بعناية من الصليحي، ولا عقب له، وقبره قريب من حوث.

وأما ذو الشرفين فله مع الصليحي(1) بعد أخيه وقعات يطول ذكرها.

الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني(2)

الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين بن هارون بن الحسين بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، ويقال له: البطحاني(3) -بفتح الباء- نسبة إلى البطحا، وبضمها نسبة إلى البطيحان(4) - واد بالمدينة.

مخ ۷

نسب إلى هذين الموضعين؛ لإدمانه(1) الجلوس فيهما، وهو جده الخامس محمد بن القاسم -عليه السلام- فإنه سمي(2) البطحاني؛ فنسب إليه المؤيد بالله -عليه السلام-.

أخذ العلم عن السيد الإمام أبي العباس أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.

وكان أبو العباس هذا وحيد عصره، وعالم دهره، والحافظ لعلوم العترة، والناصر لفقه الزيدية، فأخذ عنه المؤيد بالله عليه السلام مذهب الزيدية، وقرأ عليه علم الكلام على طريقة البغدادية، وقرأ أيضا على أبي الحسن(3) بن علي بن إسماعيل بن إدريس فقه الزيدية، وروى عنه الحديث عن الناصر للحق -عليه السلام-.

و[كان](4) هذا أبو الحسين من أجل أهل طبرستان فضلا، وعلما، فبلغ المؤيد بالله غاية النهاية، وأرفع الدرجات في الفقه، وأصول الفقه(5)، وعلم الكلام، مبلغا لم يبلغه غيره، وقرأ على الشيخ أبي عبدالله البصري، ولقي كثيرا من علماء عصره، واقتبس علومهم، وعلق زيادات الشرح على قاضي القضاة.

وله -عليه السلام- التصانيف الحسنة العجيبة:

ففي الأصول: كتاب النبوءات والتبصرة، وفي فقه الهادي عليه السلام: التجريد، وشرحه أربعة(6) مجلدات، والبلغة في الفقه(7)، وفي فقه نفسه عليه السلام الإفادة، والزيادات علق ذلك على أصحابه، ولهذين الكتابين شروح وتعاليق عدة مفيدة. وله -عليه السلام- تصانيف مشهورة غير هذه(8).

مخ ۸

وكان عليه السلام في الورع إلى حد تقصر العبارة دونه، غزير الدمعة(1)، كثير الخوف، دائم الفكر، وفي الزهادة والفضل والعبادات أرفع الدرجات(2).

وكان -عليه السلام- كثير الحلم، عظيم الصفح، حتى لقد دخل موضعا يجدد(3) فيه الطهارة؛ فرأى فيه رجلا متغير اللون، يرتعد فزعا، فقال له -عليه السلام-: ما دهاك؟، فقال: إني بعثت لقتلك، قال -عليه السلام-: وما [الذي](4) وعدوك عليه، قال: بقرة، فقال -عليه السلام-: ما نجد بقرة، وأدخل يده في جيبه وناوله خمسة دنانير، وقال: اشتر بها بقرة، ولا تعد إلى مثل ذلك.

وكان يصرف من خاصة ماله إلى بيت المال عوضا عما يترك(5) الكاتب في رؤوس الكتب وبين السطور من البياض، وحمل إلى داره طعام ليصرفه في المصالح فانتثرت(6) منه حبات فالتقطها دجاج له(7) فصرفها إلى بيت المال.

وكان له صديق يهدي إليه كل سنة رمانا، فأهدى له في بعض السنين أكثر فسأله عن ذلك؟ فقال: زاد الله في رماننا، فزدناك(8)، فلما أراد الخروج شكا من بعض الناس فعرف -عليه السلام- أن الزيادة من أجل(9) ذلك، فقال: ردوا عليه رمانه كله وأمر برفع الأذى عنه فيما شكاه.

قال مصنف سيرته: سمعت القاضي أبو الحسين(10) يقول: ليس اليوم أكثر تحقيقا في الفقه من السيد أبي الحسين الهاروني، وكان -عليه السلام- مستجاب الدعوة (من فوره)(11)، وكان في الشجاعة بالمحل العالي، وله ملاحم مشهورة يطول ذكرها.

مخ ۹