کتاب التصریف لمن عاجز عن التالیف
كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف
الفصل الخامس والتسعون فى فصد العروق الفصل الخامس والتسعون فى فصد العروق العروق التى قد جرت العادة بفصدها فى البدن ثلاثون عرقا منها فى الرأس ستة عشر عرقا العرقان النابضان اللذان خلف الأذنين المعروفان بالحسيسين والشريانان اللذان فى الصدغين الظاهران والعرقان اللذان فى مأقى العينين المعروفان بالناظرين والعرق المنتصب فى وسط الجبهة والعرق الذى فى طرف الأنف والودجان اللذان فى العنق والعرقان اللذان فى الشفة العليا من الفم والعرقان اللذان فى الشفة السفلى وهذه العروق المعروفة بالجهارك والعرقان اللذان تحت اللسان ، وأما العروق التى تفصد فى الذراع واليد فهى خمسة عروق أحدها القيفال وهو من الجانب الوحشى وتسميه العامة عرق الرأس والأكحل وهو العرق الأوسط وهو مركب من شعبة الباسليق وشعبة من القيفال وتسميه العامة عرق البدن والباسليق وهو الموضوع فى الجانب الإنسى ويسمى أيضا الإبطى وتسميه العامة عرق البطن وحبل الذراع وهو الموضوع على الزند وهو الذى يلتصق فيه وهو الذى يظهر فوق الإبهام ظهورا بينا والأسيلم وهو العرق الذى بين الخنصر والبنصر له شعبتان، وفى الساق والرجل ثلاثة عروق أحدها الذى تحت مأبض الركبة من الجانب الوحشى والثانى الصافن ومكانه عند الكعب من الجانب الإنسى وعرق النسا ومكانه عند العقب من الجانب الوحشى، وفى الساق الاخرى ثلاثة عروق مثلها، فأما العرقان اللذان خلف الأذنين فمنفعة فصدهما للنزلات المزمنة والشقيقة والسعفة وقروح الرأس الرديئة المزمنة، وكيفية فصدهما على ما أصف وهو أن تحلق رأس العليل وتحك مؤخره فى موضع العرقين بخرقة خشنة حكا جيدا ثم يخنق العليل عنقه بعمامة حتى تظهر العرقان وموضعهما خلف الأذنين فى الموضعين المنخفضين من الرأس فتفتشبهما بأصبعك وحيث أحسست بنبضهما تحت أصبعك فهناك فعلم بالمداد ثم تأخذ مبضعا سكينية وهى التى تعرف بالنشل ثم تدخلها تحت العرق فى الجلد حتى تصل المبضع الى العظم ثم ترفع يدك بالعرق والجلد الى فوق وتقطع العرق مع الجلد قطعا مبتورا ويكون طول القطع قدر اصبعين مضمومتين او نحوه وترسل من الدم القدر الذى تريد ثم تشدهما بالرفائد وتتركهما حتى تبرأ، وقد تقدم فى أول الكتاب قطعهما وكيهما، وأما الشريانان اللذان فى الصدغين فمنفعة فصدهما للشقيقة المزمنة والصداع الصعب والرمد الدائم وسيلان الفضول الحادة المنصبة الى العينين، وكيفية فصدهما على ما أصف لك يشد العليل رقبته بعمامة حتى تظهر العرقان للحس ظهورا بينا ويتبين نبضهما تحت أصبعك فحينئذ تعلم بالمداد ثم ترفع الجلد من أعلى العرق الى حه فوق بأصبعك السبابة وتدخل المبضع النشل من أسفل وترفع العرق الى فوق وتبتره كما صنعت فى العرقين الآخرين وترسل من الدم على قدر حاجتك ثم تحل خناق العليل وتضع أصبعك على العرق ساعة ثم تضع عليه قطنة ورفادة وتشد من فوق شدا وثيقا وتتركه حتى يبرأ، وقد تقدم ذكرهما وقطعهما وسلهما فى أول الكتاب، وأما فصد عرق الجبهة فمنفعته بعد فصد القيفال لعلل الوجه المزمنة كالسعفة والقروح والحمرة السمجة، وكيفية فصده على ما أصف لك يخنق العليل رقبته بعمامة حتى يظهر العرق ثم تأخذ الآلة التى تسمى الفأس وهذه صورتها: تضع الشوكة الناتية التى فى رأس الفأس على نفس العرق وتضرب من فوق بمشط او شىء آخر فى نحوه وتترك الدم يجرى على القدر الذى تريد ثم تحل خناق العليل وتشده حتى يبرأ، وقد يفتح بمبضع عريض إلا أنه لا ينبغى أن يكون المبضع حاد الطرف كسائر المباضع بل يكون عريض الطرف قليلا وتفصده على التحريف لأن العظم قريب فربما انكسر فيه المبضع اذا كان رقيقا، فأما العرقان اللذان فى مأقى العينين فمنفعتهما لعلل العين من الجرب والحمرة والسبل وأمراض الوجه، وأما كيفية فصدهما فهو أن يشد العليل رقبته بعمامة ثم تفصدهما وأنت واقف على رأسه وليكن الفصد على تحريف الى الطول قليلا بمبضع صغير عريض قليلا فإن الموضع لا لحم فيه فإنه إن كان المبضع رقيق الطرف فربما انكسر، ثم ترسل من الدم حاجتك وتضع عليهما قطنة وتشدهما ليلة واحدة ثم تحلهما، وأما فصد عرق الأنف فنافع من الحمى الحادة والصداع الشديد ومن أمراض الوجه كالسفعة الحمراء التى تعرض فى الأنف ولا سيما اذا كانت مزمنة، وكيفية فصده أن يشد العليل رقبته ثم تمسك أنفه بيدك اليسرى وتأخذ مبضعا رقيقا طويلا وتغرزه فى وسط الأرنبة نفسها بين حجز الأنف على استقامة لأن العرق لا يظهر للحس هناك فإن الدم يبرز من ساعته، وينبغى أن تمعن يدك بالمبضع قليلا وترسل من الدم حاجتك ثم تربطه ليلة فإنه يتجبر سريعا، وأما الودجان فمنفعة فصدهما لضيق النفس وابتداء الجذام والأمراض السوداوية التى تعرض فى سطح الجلد مثل البهق الأسود والقوباء والقروح الرديئة والأواكل ، وكيفية فصدهما أن يشد العليل تحتهما فى عنقه برباط ويقف الصانع على رأس العليل والعليل قاعد على كرسى ثم تفصد العرق الى الطول فصدا واسعا قليلا ثم تخرخ من الدم القدر المعتدل او على حسب ما تراه من الحاجة الى ذلك ثم تفعل كذلك بالعرق الآخر ثم تحل الرباط وتشد العرقين شدا متوسطا لئلا يختنق العليل وتتركه الى الغد فإنه يبرأ الجرح، وأما عروق الجهارك فمنفعة فصدهما بعد فصد القيفال أنه ينفع من القلاع فى الفم وفساد اللثة والقروح الرديئة وشقاق الشفتين والقروح الرديئة التى تكون فى الأنف وحواليه، وكيفية فصدهما أن تقعد العليل أمامك وتشد رقبته بعمامة ثم تحول شفتيه وتنظر الى العرقين اللذين ترى أحدهما عن يمين الشفة والثانى عن يسارها وتستبين منها بسوادهما وذلك أيضا أن حواليهما عروقا رقاقا سودا فتقطعهما قطعا مبتورا، فإن أشكل عليك ولم تدر بما هى فاقصد الى قطع أكبرها وأبينها وكذلك فاصنع فى العرقين اللذين فى الشفة السفلى، وأما العرقان اللذان تحت اللسان فمنفعة فصدهما بعد فصد القيفال للخوانيق التى تكون فى الحلق من مرض اللهاة وأمراض الفم، وكيفية فصدهما أن تجلس العليل بين يديك بحذاء الشمس وترفع لسانه وتنظر تحت اللسان عن جانبه الواحد عرقا وعن جانبه الآخر عرقا ولونهما الى السواد فتفصدهما وتحفظ لا تمعن فى قطعهما فإن تحتهما شريانات فربما عرض نزف دم من تلك الشريانات، وأما العروق الثلاثة التى تفصد فى المرفق فهى التى جرت العادة بفصدها فى الناس أجمع وفصدها يكون على وجهين إما غرزا بمبضع ريحانى عريض او زيتونى الى الرقة وإما شقا بمبضع سكينية وهى النشل [وهذه صورتها]، صورة المبضع العريض الريحانى: يكون عريضا كما ترى ليصلح لفتح العروق المجوفة الممتلئة البارزة الظاهرة الغلاظ والتى تحوى دما غليظا كدرا، وهذه صورة المبضع الزيتونى: وهذا المبضع أقل عرضا وأرق طرفا يصلح لفصد العروق الرقاق التى تحوى دما رقيقا صفراويا، وهذه صورة المبضع النشل: هذا النشل الذى يصلح للشق ويكون منه أنواع عراض ورقاق على حسب سعة العروق أيضا وضيقها وقد يستدل بهذا على غيره وهو عند الصناع مشهور، وأما الباسليق الذى هو أحد هذه الثلاثة العروق فمنفعة فصده أنه يجذب الدم من العلل التى تكون تحت الحلق والعنق مما يلى الصدر والبطن، وينبغى للفاصد عند فصده أن يحذره ويكون على رقبة منه فإن تحته شريانا فإن أخطأ وزاد فى غرز المبضع قطع ذلك الشريان فيحدث نزف دم فلذلك ينبغى أن لا يكون فصده له بمبضع الغرز بل يكون فصده شقا بالنشل، فإن لم يظهر الباسليق ظهورا بينا فينبغى أن تجتنبه وتعدل الى غيره او تطلب بعض شعبه او تفصد مكانه حبل الذراع فإنه بين وتشقه بالمبضع النشل كما قلنا فإن أردت فصده بعينه فينبغى قبل شد الذراع أن تجس الموضع حتى تتعرف موضع النبض ثم تعلم عليه بالمداد ثم تربط الذراع وتشق العرق شقا محرفا بالمبضع النشل كما قلنا وتحرى أن تقع الضربة بالبعد عن موضع الشريان، ومتى رأيت عند شدك الرباط نفخا فى الموضع الذى كنت علمت بالمداد فإن ذلك النفخ هو انتفاخ الشريان فجنبه، فإن رأيت الدم عند الفصد يثب كما يثب بول صبى وكان الدم رقيقا أحمر فاعلم أنه من دم الشريان فحينئذ فبادر فضع أصبعك عليه ساعة طويلة ثم انزع أصبعك فإن انقطع الدم فكثيرا ما ينقطع فشد الذراع واتركه، وحذر العليل من إهماله وليكن على رقبة ولا يحركه أياما حتى يبرأ، فإن لم ينقطع الدم وغلبك ولم يحضرك فى حينك دواء فابتر الشريان إن ظهر اليك فإن طرفيه تتقلص وينقطع الدم، او خذ قشرة فستقة وشقها وخذ النصف الواحد وشده على موضع العرق شدا محكما بالرباط والرفائد الى يوم آخر، فإن انقطع الدم وإلا فعالجه بما تقدم ذكره من وضع الذرورات القاطعة للنزف، وقطع دمه ليس بالصعب فى أكثر الأحوال لمكان صغر الجرح وتمكن الرباط فى الذراع فاعلمه، وأما العرق الأكحل فمنفعة فصده أن يجذب الدم من أعلى الرأس وأسفل البدن لمكان أنه مركب من شعبة من الباسليق وشعبة من القيفال كما قلنا، وينبغى للفاصد له أن يكون على رقبة من فصده فإن تحته عصبا فإن زاد فى غرز المبضع وأصاب العصبة حدث فيها خدر يعسر برؤه وربما لم يبرأ أصلا، وهذه العصبة كثيرا ما يظهر للحس، فإن خفيت فى بعض الناس وكانت رقيقة لا تتبين فينبغى أن تجعل فصدك إياه شقا بالنشل وتجنب العصبة جهدك فإن كان العرق بين عصبتين فشق العرق طولا، وأما العرق القيفال فمنفعة فصده أنه يجذب الدم من الرأس وينفع من أمراض العينين وينبغى فى هذا العرق خاصة إن شئت أن تفصده <أن تفصده> غرزا بالمبضع الزيتونى او بالمبضع العريض الريحانى لأنه أسلم العروق كلها لأنه ليس تحته شريان ولا عصب إلا أنه ينبغى لك عند الفصد أن تجتنب بالمبضع رأس العضلة فقط وتطلب الموضع اللين، وليس يضره إن لم يصب بالضربة الأولى أن يعاد عليه بالفصد مرات إلا أنه ربما تورم فى بعض الناس اذا لم يفصد فى الضربة الأولى ولكن لا يضره ذلك الورم شيئا، وأما كيفية الفصد وعوارضه وما ينبغى أن يتقدم فى إصلاحه فأول ذلك ينبغى أن تعلم أن الفصد إما أن يستعمل فى حفظ الصحة فقط وإما أن يستعمل فى الأمراض والذى يستعمل فى حفظ الصحة واستدامتها والتحرز من حدوث الأمراض أن يكون الفصد فى أحد العروق الثلاثة التى فى المرفق أعنى القيفال والأكحل والباسليق وأن يكون الفصد فى أول الربيع اذا ظهرت دلائل الامتلاء ويكون الفصد فى يوم الأحد او يوم الثلاثاء بعد أن يمضى للنهار ثلاث ساعات، وأما الفصد الذى يستعمل فى الأمراض فليس له وقت محدود ولكن متى دعت الحاجة والضرورة اليه من ليل او نهار وفى كل ساعة وفى كل زمان، ولا ينبغى أن يفصد الصبيان حتى يأتى عليهم أربع عشرة سنة ولا يفصد الشيوخ الذين قد جاوزوا الستين سنة، فإذا أزمع أحد على الفصد لأى وجه كان فينبغى أن ينقى معاءه قبل الفصد بحقنة لينة إن كان فيه زبل كثير محتبس لئلا ينجذب الى العروق عند الفصد من المعاء فضول عفنة تضر بالأعضاء الرئيسة، ولا يفصد المتوخم ولا السكران ولا الثمل حتى يزول ذلك عنهم وليحذر الفصد أيضا بعقب الهيضة والقىء والخلفة والإكثار من الجماع والتعب والرياضة والسهر والصيام وكل ما يحل القوة من أمر جسمانى او نفسانى، ثم تنظر فى ترقيق الأخلاط قبل ذلك إن كان الدم غليظا بالأطعمة والأشربة والأدوية إن أمكنه ذلك، ثم يدخل الحمام إن لم يمنعه مانع او يرتاض بعض الرياضة لكى يرق الدم وتجعل فصده فى صدر النهار كما قلنا ويروم أن يخلى صدره ذلك النهار من جميع العوارض النفسانية الرديئة كالهموم والغضب والخوف ومن جميع العوارض الجسدانية كالتعب والنصب المفرطين والجماع ونحو ذلك، وتحضر مجلسه الأشياء التى قد جرى عادات الناس باستعمالها من ضروب الطيب والرياحين والملاهى ونحو ذلك كل إنسان على قدر ما يمكنه، ثم يقعد الفاصد على وسادة تكون أرفع من الوسادة التى يقعد عليه المفصود، ثم يخرج ذراعه ويحكه الفاصد بيده مرتين او ثلاث ثم يشد الرباط بالشرك ويلويها مرتين او ثلاث وليكن الشد معتدلا لأن الشد متى كان غير معتدل إما بإفراط فى الشد فيمنع جرى الدم وإما إن كان الى الاسترخاء منع أيضا جرى الدم، ثم بعد الشد ينبغى أن يحك المفصود يديه جميعا بضهما ببعض حتى ينتفخ العروق وتتبين للحس ثم يمسح الفاصد المبضع بيسير من الزيت العتيق خاصة ثم يضع أصبعه السبابة من اليد اليسرى على نفس العرق تحت الموضع الذى يريد فصده قليلا لئلا يلوذ العرق فيجنب الضربة لأن من العروق ما تجدها كالوتر يلوذ عند الفصد ومنها ما هى مملوءة ريحا فمتى وضعت المبضع عليها انخفضت تحت المبضع وخدعت الفاصد ولم يفتح المبضع العرق وإن فتحه فإنما يكون فتحه ضيقا، فلذلك ينبغى أن يتثبت الفاصد ويتأنى فى هذه الأمور كلها، ثم ينزل المبضع فإن فتح العرق من مرته تلك وإلا فيعاوده مرة أخرى تحت ذلك الموضع قليلا او فوقه بالعجلة إن لم يتورم الموضع، فإن تورم او جزع العليل فاتركه يوما او يومين ولا تشد الرباط فإنه ربما جلب ورما حارا ولا يدخل الحمام، ثم يعاود الفصد إن أحب، فإن غرز المبضع وكان الفتح صغيرا وكان جرى الدم رقيقا وخشيت أن لا يخرج من الدم القدر الذى تريد فأعد المبضع فى الثقب نفسه يرفق على استقامة وزد فى الفتح قليلا وافعل ذلك بالعجلة قبل أن يتورم الموضع فإن فى كثير من الناس قد يتورم الموضع عند الفتح الصغير فإن رأيته قد تورم فلا تعد عليه البتة فإنه لا يعينك شيئا وضع عليه شيئا من عكار الزيت فإنه يسهل جرى الدم وهو أفضل فى هذا الموضع من الزيت نفسه ومن سائر الأدهان وكذلك فاستعمل عكار الزيت فى جميع فصدك للعروق عند تعذر جرى الدم وقد يفعل ذلك الترياق الفاروق والشخزنايا اذا وضع من أحدهما على الموضع فإن الدم يرق وينحل اذا كان غليظا، فإن حدث فى موضع الفصد ورم كبير فكثيرا ما يحدث ولا سيما لمن لم يفتصد إلا تلك المرة او كان فتح العرق صغيرا فبادر فضع على الورم إسفنجة مغموسة فى ماء وملح مدفأ قليلا وشده ساعة فإنه ينحل، وينبغى أن تفعل ذلك بعد خروج الدم من العرق نفسه بكماله او من عرق آخر، فإن بقى فى الموضع بعد أيام شىء من السواد او الخضرة فإنه لايضر ذلك، فإن أحببت فاحمل عليه شيئا من الصبر والمر المحلولين او شيئا من عصارة الفودنج ونحوه، وكثيرا ما يحدث ورم ونتو عند فصد الباسليق فضع عليه يدك فإن وجدته يلطأ عند غمزك عليه فإن ذلك نتو سوء فاحذر أن تجعل عليه شيئا مما ذكرنا فإنه ربما نزف منه دم شريان ولكن ضمده بما فيه قبض ليصلب الموضع ثم عالجه بسائر العلاج حتى يبرأ، وينبغى أن تخرج لكل إنسان من الدم على قدر قوته وما يظهر من اللون الغالب على الدم فإنه إن كان الدم أسود فدعه يخرج حتى يحمر وكذلك إن رأيته غليظا فأرسله حتى يرق وكذلك إن كان حادا حتى تذهب حدته، وينبغى لمن كان ممتلئا قويا واحتاج الى إخراج الدم دفعة واحدة أن يوسع فصد العرق ويكون المبضع عريضا ومن كان ضعيفا فبالضد من ذلك وينبغى أن تخرجه فى مرات وأن يكون الثقب ضيقا، وأفضل ما يستعمل فى فصد العرق أن يكون محرفا موربا شقا لا غرزا، وهذا الضرب من الفصد سليم من النزف ومن قطع عصب وهو أحمد وأسلم من الفصد بالعرض والطول، ومن كان يعتاده عند الفصد الغشى فينبغى أن تطعمه قبل الفصد شيئا من خبز منقع فى ماء الرمان المز او السكنجبين إن كان محرورا وأخرج له الدم فى ثلاث مرات او أربع فإن كان مبرود المزاج فليأخذ قبل الفصد خبزا منقعا فى شراب الميبة او فى شراب العسل المطيب بالأفاويه او فى الشراب الطيب الريحانى، فإن حدث الغشى عند الفصد وكان سببه خروج الدم الكثير فينبغى أن يسقى ماء اللحم والشراب الريحانى الرقيق ويستعمل التطيب بالغالية ويلخلخ صدره بها ويستعمل سائر ما ذكرناه فى التقسيم فى باب الغشى الذى يكون من الأستفراغ، وأما من أراد ترويح ذراعه وتسريح دمه ثانية فينبغى لمن كان فصده لاستفراغ كثير وقوته ضعيفة أن تسرح الدم قليلا قليلا بقدر القوة فى أيام متوالية، وأما من كان يريد ترويح ذراعه وتسريح دمه ثانية وكان بدنه قويا فليفعل ذلك على سبع ساعات او تسع من فصده الأول، وأما من أراد اجتذاب الدم من بدنه الى ضد الجهة التى مالت اليها فينبغى أن يروح له فى اليوم الثانى او الثالث، وأما من كان فى بدنه الدم كثيرا قد سخن واحتد وأحدث حمى فينبغى أن تخرج منه الدم فى دفعة واحدة وتخرج منه المقدار الكثير وتوسع الفتح الى أن يعرض الغشى بعد أن تكون متفقدا لجميع شروط الفصد وأن تضع يدك على نبضه عند سيلان الدم لئلا يحدث الموت مكان الغشى فكثيرا ما يعرض ذلك اذا جهل الفاصد ووقعت الغفلة، ولا ينبغى اذا أردت حل الذراع وتسريح الدم ثانية وقد انغلق فم العرق وعسر خروج الدم أن تغمز عليه بشدة او تلوى بقوة فإن ذلك ردىء جدا بل إما أن تتركه حتى تفصده ثانية وإما أن تنحى بشفرة المبضع ما جمد من الدم فى فم العرق او تحمل عليه شيئا من الملح قد حل فى الماء او تحمل عليه شيئا من الترياق الفاروق او الشخزنايا وتغمزه غمزا رقيقا حتى يخرج الدم، فإن كان قد تورم العرق فاتركه ولا تمسه حتى يسكن الورم، فإن دعت الضرورة الى تسريح الدم ثانية ولا بد فإما أن تفصده فوق ذلك الموضع وإما أن تفصده فى الذراع الآخر او فى العرق الآخر، وأما فصد حبل الذراع فيفصد عوضا من الأكحل والباسليق اذا لم يوجدا او كانا خفيين لأنه مركب منهما، وكيفية فصده أن يدخل العليل يده فى الماء الحار حتى يحمر الزند ويظهر العرق ظهورا بينا ثم تشد فوقه بالرباط قليلا شدا متوسطا ثم تفصد العرق على تحريف قليلا لا عرضا ولا طولا وليكن الفتح واسعا ويكون فصدك له فوق مفصل اليد قليلا، فإن تعذر خروج الدم فأعد اليد فى الإناء بالماء الحار ودع الدم يجرى فى الماء حتى يبلغ حاجتك فإن كنت فى أيام الصيف فقد تستغنى عن إعادة اليد فى الماء الحار وأكثر ما يجعل جرى الدم فى الماء الحار فى زمن الشتاء، وفصد هذا العرق أسلم من جميع العروق لأن ليس تحته عرق ضارب ولا عصب، وأما فصد الأسيلم من اليد اليمنى فهو نافع من علل الكبد وكيفية فصده أن تشد معصم اليد بالرباط او بيدك بعد أن تدخله فى الماء الحار حتى ينتفخ العرق ويتبين للحس جدا ثم تفصده على تحريف قليلا وإن بترته بالكل لم يضره ذلك شيئا وتحفظ لا تمعن يدك بالمبضع فإن تحته عصب الأصابع والموضع معرى من اللحم، ثم تعيد اليد الى الماء الحار وتتركه يجرى الدم فيه فإنك إن لم تعدها فى الماء الحار جمد الدم فى فم العرق وامتنع من الجرى فإذا أخرجت من الدم قدر الحاجة فضع على العرق دهنا وملحا لئلا يلتحم سريعا وكذلك ينبغى أن تفعل بكل شعبة ضيقة، وأما منفعة فصده من اليد اليسرى فإنه نافع لعلل الطحال وكذلك تفعل فى فصده كما فعلت فى الثانى سواء، وأما فصد الصافن فمنفعته للأمراض التى فى أسفل البدن مثل علل الأرحام واحتباس الطمث وأمراض الكلى وقروح الفخذين والساقين المزمنة ونحوها من الأمراض، وكيفية فصده أن يدخل رجله فى الماء الحار ويحمل عليه الدلك حتى تدر العروق ثم تشد فوق مفصل الرجل بالشركة والعرق موضعه عند الكعب ظاهر نحو الإبهام ويتشعب منه فى وجه الرجل شعب كثيرة فافصده فى أوسع شعبة منه او عند الكعب عند مجتمعه فهو أفضل وأسلم، فإن فصدته فى وجه الرجل فتحفظ من الأعصاب التى تحته على وجه الرجل واجعل فصدك له بتحريف كأنك تريد بتره ويكون المبضع نشلا، فإن تعذر خروج الدم فليعد رجله فى الماء الحار واترك الدم يجرى فيه حتى يفرغ، فإن أخطأ الفاصد العرق بالفصد فى أول مرة فليعد بالفصد الى فوق قليلا فإن الموضع سالم لا يخشى منه غائلة اذا تحفظت من العصب كما قلنا وكذلك تفعل بالصافن من الرجل الأخرى سواء، وأما عرق النسا فمكانه كما قلنا عند العقب من الجانب الوحشى ومنفعة فصده لوجع الورك اذا كان ذلك من قبل الدم الحار وكيفية فصده أن تدخل العليل الحمام وتسرع وتشد ساقه من لدن الورك الى فوق الكعب بأربع أصابع بعمامة رقيقة طويلة فإنه لا يظهر إلا بذلك، فإذا ظهر فافصده على أى حالة أمكثك إما على تحريف وهو أفضل وإما أن تبتره بترا او تشقه شقا فإن موضعه سالم، وهو فى أكثر الناس خفى جدا فإن لم تجده ولم يظهر للحس البتة فافصد بعض شعبه وهى التى تظهر فى ظهر القدم نحو الخنصر والبنصر وتحفظ من الأعصاب وأرسل من الدم القدر الذى تريد ثم حل الشد وضع على موضع الفصد قطنة وشد الموضع فإنه سريعا ما يبرأ،
مخ ۶۵۵