تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
حدثني محمد بن عبدالله بن صفوان الثقفي قال حدثنا أمية بن خالد قال حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبدالرحمن قال قال أبو وائل جاء سعد حتى نزل القادسية ومعه الناس قال لا أدري لعلنا لا نزيد على سبعة آلاف أو نحو من ذلك والمشركين ثلاثون ألفا أو نحو ذلك فقالوا لنا لا يدي لكم ولا قوة ولا سلاح ما جاء بكم ارجعوا قال قلنا لا نرجع وما نحن براجعين فكانوا يضحكون من نبلنا ويقولون دوك دوك ويشبهونها بالمغازل قال فلما أبينا عليهم أن نرجع قالوا ابعثوا إلينا رجلا منكم عاقلا يبين لنا ما جاء بكم فقال المغيرة بن شعبة أنا فعبر إليهم فقعد مع رستم على السرير فنخروا وصاحوا فقال إن هذا لم يزدني رفعة ولم ينقص صاحبكم قال رستم صدقت ما جاء بكم قال إنا كنا قوما في شر وضلالة فبعث الله فينا نبيا فهدانا الله به ورزقنا على يديه فكان مما رزقنا حبة زعمت تنبت بهذا البلد فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا لا صبر لنا عن هذه أنزلونا هذه الأرض حتى نأكل من هذه الحبة فقال رستم إذا نقتلكم فقال إن قتلتمونا دخلنا الجنة وإن قتلناكم دخلتم النار أو أديتم الجزية قال فلما قال أديتم الجزية نخروا وصاحوا وقالوا لا صلح بيننا وبينكم فقال المغيرة تعبرون إلينا أو نعبر إليكم فقال رستم بل نعبر إليكم فاستأخر المسلمون حتى عبر منهم من عبر فحملوا عليهم فهزموهم قال حصين فحدثني رجل منا يقال له عبيد بن جحش السلمي قال لقد رأيتنا وإنا لنطأ على ظهور الرجال ما مسهم سلاح قتل بعضهم بعضا ولقد رأيتنا أصبنا جرابا من كافور فحسبناه ملحا لا نشك أنه ملح فطبخنا لحما فجعلنا نلقيه في القدر فلا نجد له طعما فمر بنا عبادي معه قميص فقال يا معشر المعربين لا تفسدوا طعامكم فإن ملح هذه الأرض لا خير فيه هل لكم أن تأخذوا هذا القميص به فأخذناه منه وأعطيناه منا رجلا يلبسه فجعلنا نطيف به ونعجب منه فلما عرفنا الثياب إذا ثمن ذلك القميص درهمان قال ولقد رأيتني أقرب إلى رجل عليه سواران من ذهب وسلاحه فجاء فما كلمته حتى ضربت عنقه قال فانهزموا حتى انتهوا إلى الصراة فطلبناهم فانهزموا حتى انتهوا إلى المدائن فكان المسلمون بكوثى وكان مسلحة المشركين بدير المسلاخ فأتاهم المسلمون فالتقوا فهزم المشركون حتى نزلوا بشاطئ دجلة فمنهم من عبر من كلواذى ومنهم من عبر من أسفل المدائن فحصروهم حتى ما يجدون طعاما يأكلونه إلا كلابهم وسنانيرهم فخرجوا ليلا فلحقوا بجلولاء فأتاهم المسلمون وعلى مقدمة سعد هاشم بن عتبة وموضع الوقعة التي ألحقهم منها فريد قال أبو وائل فبعث عمر بن الخطاب حذيفة بن اليمان على أهل الكوفة ومجاشع بن مسعود على أهل البصرة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد عن الشعبي وطلحة عن المغيرة قالوا فخرجوا من العسكر حتى قدموا المدائن احتجاجا ودعاة ليزدجرد فطووا رستم حتى انتهوا إلى باب يزدجرد فوقفوا على خيول عروات معهم جنائب وكلها صهال فاستأذنوا فحبسوا وبعث يزدجرد إلى وزرائه ووجوه أرضه يستشيرهم فيما يصنع بهم ويقوله لهم وسمع بهم الناس فحضروهم ينظرون إليهم وعليهم المقطعات والبرود وفي أيديهم سياط دقاق وفي أرجلهم النعال فلما اجتمع رأيهم أذن لهم فأدخلوا عليه كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن طلحة عن بنت كيسان الضبية عن بعض سبايا القادسية ممن حسن إسلامه وحضر هذا اليوم الذي قدم فيه وفود العرب قال وثاب إليهم الناس ينظرون إليهم فلم أر عشرة قط يعدلون في الهيئة بألف غيرهم وخيلهم تخبط ويوعد بعضها بعضا وجعل أهل فارس يسوءهم ما يروم من حالهم وحال خيلهم فلما دخلوا على يزدجرد أمرهم بالجلوس وكان سيء الأدب فكان أول شيء دار بينه وبنيهم أن أمر الترجمان بينه وبينهم فقال سلهم ما يسمون هذه الأردية فسأل النعمان وكان على الوفد ما تسمي رداءك قال البرد فتطير وقال بردجهان وتغيرت ألوان فارس وشق ذلك عليهم ثم قال سلهم عن أحذيتهم فقال ما تسمون هذه الأحذية فقال النعال فعاد لمثلها فقال ناله ناله في أرضنا ثم سأله عن الذي في يده فقال سوط والسوط بالفارسية الحريق فقال أحرقوا فارس أحرقهم الله وكان تطيره على أهل فارس وكانوا يجدون من كلامه كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الشعبي بمثله وزاد ثم قال الملك سلهم ما جاء بكم وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا أمن أجل أنا أجممناكم وتشاغلنا عنكم اجترأتم علينا فقال لهم النعمان بن مقرن إن شئتم أجبت عنكم ومن شاء آثرته فقالوا بل تكلم وقالوا للملك كلام هذا الرجل كلامنا فتكلم النعمان فقال إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به ويعرفنا الشر وينهانا عنه ووعدنا على إجابته خيرالدنيا والآخرة فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب وبدأ بهم وفعل فدخلوا معه جميعا على وجهين مكره عليه فاغتبط وطائع أتاه فازداد فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح كله فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء فإن أبيتم فالمناجزة فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم وإن اتقيتمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم قال فتكلم يزدجرد فقال إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم لا تغزون فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم فإن كان عدد لحق فلا يغرنكم منا وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم فأسكت القوم فقام المغيرة بن زرارة بن النباش الأسيدي فقال أيها الملك إن هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم وهم أشراف يستحيون من الأشراف وإنما يكرم الأشراف الأشراف ويعظم حقوق الأشراف الأشراف ويفخم الأشراف الأشراف وليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك فجاوبني لأكون الذي أبلغك ويشهدون على ذلك إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالا منا وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات فنرى ذلك طعامنا وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم ديننا أن يقتل بعضنا بعضا ويغير بعضنا على بعض وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامنا فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك فبعث الله إلينا رجلا معروفا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده فأرضه خير أرضنا وحسبه خير أحسابنا وبيته أعظم بيوتنا وقبيلته خير قبائلنا وهو بنفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد قبل ترب كان له وكان الخليفة من بعده فقال وقلنا وصدق وكذبنا وزاد ونقصنا فلم يقل شيئا إلا كان فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه فصار فيما بيننا وبين رب العالمين فما قال لنا فهو قول الله وما أمرنا فهو أمر الله فقال لنا إن ربكم يقول إني أنا الله وحدي لا شريك لي كنت إذ لم يكن شيء وكل شيء هالك إلا وجهي وأنا خلقت كل شيء وإلي يصير كل شيء وإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي ولأحلكم داري دار السلام فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق وقال من تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه انفسكم ومن أبى فقاتلوه فأنا الحكم بينكم فمن قتل منكم أدخلته جنتي ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك فقال أتستقبلني بمثل هذا فقال ما استقبلت إلا من كلمني ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به فقال لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم لا شيء لكم عندي وقال ائتوني بوقر من تراب فقال احملوه على أشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليكم رستم حتى يدفيكم ويدفيه في خندق القادسية وينكل به وبكم من بعد ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور ثم قال من أشرفكم فسكت القوم فقال عاصم بن عمرو وافتات ليأخذ التراب أنا أشرفهم أنا سيد هؤلاء فحملنيه فقال أكذاك قالوا نعم فحمله على عنقه فخرج به من الإيوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها ثم انجذب في السير فأتوا به سعدا وسبقهم عاصم فمر بباب قديس فطواه فقال بشروا الأمير بالظفر ظفرنا إن شاء الله ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر ثم رجع فدخل على سعد فأخبره الخبر فقال أبشروا فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم وجاء أصحابه وجعلوا يزدادون في كل يوم قوة ويزداد عدوهم في كل يوم وهنا واشتد ما صنع المسلمون وصنع الملك من قبول التراب على جلساء الملك وراح رستم من ساباط إلى الملك يسأله عما كان من أمره وأمرهم وكيف رآهم فقال الملك ما كنت أرى أن في العرب مثل رجال رأيتهم دخلوا علي وما أنتم بأعقل منهم ولا أحسن جوابا منهم وأخبره بكلام متكلمهم وقال لقد صدقني القوم لقد وعد القوم أمرا ليدركنه أو ليموتن عليه على أني قد وجدت أفضلهم أحمقهم لما ذكروا الجزية أعطيته ترابا فحمله على رأسه فخرج به ولو شاء اتقى بغيره وأنا لا أعلم قال أيها الملك إنه لأعقلهم وتطير إلى ذلك وأبصرها دون أصحابه وخرج رستم من عنده كئيبا غضبان وكان منجما كاهنا فبعث في أثر الوفد وقال لثقته إن أدركهم الرسول تلافينا أرضنا وإن أعجزوه سلبكم الله أرضكم وأبناءكم فرجع الرسول من الحيرة بفواتهم فقال ذهب القوم بأرضكم غير ذي شك ما كان من شأن ابن الحجامة الملك ذهب القوم بمفاتيح أرضنا فكان ذلك مما زاد الله به فارس غيظا وأغاروا بعد ما خرج الوفد إلى يزدجرد إلى أن جاءوا إلى صيادين قد اصطادوا سمكا وسار سواد بن مالك التميمي إلى النجاف والفراض إلى جنبها فاستاق ثلاثمائة دابة من بين بغل وحمار وثور فأوقروها سمكا واستاقوها فصبحوا العسكر فقسم السمك بين الناس سعد وقسم الدواب ونفل الخمس إلا ما رد على المجاهدين منه وأسهم على السبي وهذا يوم الحيتان وقد كان الآزاذمرد بن الآزاذبه خرج في الطلب فعطف عليه سواد وفوارس معه فقاتلهم على قنطرة السيلحين حتى عرفوا أن الغنيمة قد نجت ثم اتبعوها فأبلغوها المسلمين وكانوا إنما يقرمون إلى اللحم فأما الحنطة والشعير والتمر والحبوب فكانوا قد اكتسبوا منها ما اكتفوا به لو أقاموا زمانا فكانت السرايا إنما تسري للحوم ويسمون أيامها بها ومن أيام اللحم يوم الأباقر ويوم الحيتان وبعث مالك بن ربيعة بن خالد التيمي تيم الرباب ثم الواثلي ومعه المساور بن النعمان التيمي ثم الربيعي في سرية أخرى فأغارا على الفيوم فأصابا إبلا لبني تغلب والنمر فشلاها ومن فيها فغدوا بها على سعد فنحرت الإبل في الناس وأخصبوا وأغار على النهرين عمرو بن الحارث فوجدوا على باب ثوراء مواشي كثيرة فسلكوا أرض شيلى وهي اليوم نهر زياد حتى أتوا بها العسكر وقال عمرو ليس بها يومئذ إلا نهران وكان بين قدوم خالد العراق ونزول سعد القادسية سنتان وشيء وكان مقام سعد بها شهرين وشيئا حتى ظفر قال والإسناد الأول وكان من حديث فارس والعرب بعد البويب أن الأنوشجان بن الهربذ خرج من سواد البصرة يريد أهل غضي فاعترضه أربعة نفر على أفناء تميم وهم بإزائهم المستورد وهو على الرباب وعبدالله بن زيد يسانده الرباب بينهما وجزء بن معاوية وابن النابغة يسانده سعد بينهما والحصين بن نيار والأعور بن بشامة يسانده على عمرو والحصين بن معبد والشبه على حنظلة فقتلوه دونهم وقدم سعد فانضموا إليه هم وأهل عضي وجميع تلك الفرق كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو بإسنادهم قالوا وعج أهل السواد إلى يزدجرد بن شهريار وأرسلوا إليه أن العرب قد نزلوا القادسية بأمر ليس يشبه إلا الحرب وإن فعل العرب مذ نزلوا القادسية لا يبقى عليه شيء وقد أخربوا ما بينهم وبين الفرات وليس فيما هنالك أنيس إلا في الحصون وقد ذهب الدواب وكل شيء لم تحتمله الحصون من الأطعمة ولم يبق إلا أن يستنزلونا فإن أبطأ عنا الغياث أعطيناهم بأيدينا وكتب إليه بذلك الملوك الذين لهم الضياع بالطف وأعانوهم عليه وهيجوه على بعثه رستم ولما بدا ليزدجرد أن يرسل رستم أرسل إليه فدخل عليه فقال له إني أريد أن أوجهك في هذا الوجه وإنما يعد للأمور على قدرها وأنت رجل أهل فارس اليوم وقد ترى ما جاء أهل فارس من أمر لم يأتهم مثله منذ ولي آل أردشير فأراه أن قد قبل منه وأثنى عليه فقال له الملك قد أحب أن أنظر فيما لديك لأعرف ما عندك فصف لي العرب وفعلهم منذ نزلوا القادسية وصف لي العجم وما يلقون منهم فقال رستم صفة ذئاب صادفت غرة من رعاء فأفسدت فقال ليس كذلك إني إنما سألتك رجاء أن تعرب صفتهم فأقويك لتعمل على قدر ذلك فلم تصب فافهم عني إنما مثلهم ومثل أهل فارس كمثل عقاب أوفى على جبل يأوي إليه الطير بالليل فتبيت في سفحه في أوكارها فلما أصحبت تجلت الطير فأبصرته يرقبها فإن شذ منها شيء اختطفه فلما أبصرته الطير لم تنهض من مخافته وجعلت كلما شذ منها طائر اختطفه فلو نهضت نهضة واحدة ردته وأشد شيء يكون في ذلك أن تنجو كلها إلا واحدا وإن اختلفت لم تنهض فرقة إلا هلكت فهذا مثلهم ومثل الأعاجم فاعمل على قدر ذلك فقال له رستم أيها الملك دعني فإن العرب لا تزال تهاب العجم مالم تضرهم بي ولعل الدولة أن تثبت بي فيكون الله قد كفى ونكون قد اصبنا المكيدة ورأي الحرب فإن الرأي فيها والمكيدة أنفع من بعض الظفر فأبى عليه وقال أي شيء بقي فقال رستم إن الأناة في الحرب خير من العجلة وللأناة اليوم موضع وقتال جيش بعد جيش أمثل من هزيمة بمرة وأشد على عدونا فلج وأبى فخرج حتى ضرب عسكره بساباط وجعلت تختلف إلى الملك الرسل ليرى موضعا لإعفائه وبعثة غيره ويجتمع إليه الناس وجاء العيون إلى سعد بذلك من قبل الحيرة وبني صلوبا وكتب إلى عمر بذلك ولما كثرت الاستغاثة على يزدجرد من أهل السواد على يدي الآزاذمرد بن الآزاذبه جشعت نفسه واتقى الحرب برستم وترك الرأي وكان ضيقا لجوجا فاستحث رستم فأعاد عليه رستم القول وقال أيها الملك لقد اضطرني تضييع الرأي إلى إعظام نفسي وتزكيتها ولو أجد من ذلك بدا لم أتكلم به فأنشدك الله في نفسك وأهلك وملكك دعني أقم بعسكري وأسرح الجالنوس فإن تكن لنا فذلك وإلا فأنا على رجل وأبعث غيره حتى إذا لم نجد بدا ولا حيلة صبرنا لهم وقد وهناهم وحسرناهم ونحن جامون فأبى إلا أن يسير كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن النضر بن السري الضبي عن ابن الرفيل عن أبيه قال لما نزل رستم بساباط وجمع آلة الحرب وأداتها بعث على مقدمته الجالنوس في أربعين ألفا وقال ازحف زحفا ولا تنجذب إلا بأمري واستعمل على ميمنته الهرمزان وعلى ميسرته مهران بن بهرام الرازي وعلى ساقته البيرزان وقال رستم ليشجع الملك إن فتح الله علينا القوم فهو وجهنا إلى ملكهم في دارهم حتى نشغلهم في أصلهم وبلادهم إلى أن يقبلوا المسالمة أو يرضوا بما كانوا يرضون به فلما قدمت وفود سعد على الملك ورجعوا من عنده رأى رستم فيما يرى النائم رؤيا فكرهها وأحس بالشر وكره لها الخروج ولقاء القوم واختلف عليه رأيه واضطرب وسأل الملك أن يمضي الجالنوس ويقيم حتى ينظر ما يصنعون وقال إن غناء الجالنوس كغنائي وإن كان اسمي أشد عليهم من اسمه فإن ظفر فهو الذي نريد وإن تكن الأخرى وجهت مثله ودفعنا هؤلاء القوم إلى يوم ما فإني لا أزال مرجوا في أهل فارس ما لم أهزم ينشطون ولا أزال مهيبا في صدور العرب ولا يزالون يهابون الإقدام ما لم أباشرهم فإن باشرتهم اجترؤوا آخر دهرهم وانكسر أهل فارس آخر دهرهم فبعث مقدمته أربعين ألفا وخرج في ستين ألفا وساقته في عشرين ألفا كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد وعمرو بإسنادهم قالوا وخرج رستم في عشرين ومائة ألف كلهم متبوع وكانوا بأتباعهم أكثر من مائتي ألف وخرج من المدائن في ستين ألف متبوع كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رستم زحف لسعد وهو بالقادسية في ستين ألف متبوع كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد وعمرو بإسنادهم قالوا لما أبى الملك إلا السير كتب رستم إلى أخيه وإلى رؤوس أهل بلادهم من رستم إلى البندوان مرزبان الباب وسهم أهل فارس الذي كان لكل كون يكون فيفض الله به كل جند عظيم شديد ويفتح به كل حصن حصين ومن يليه فرموا حصونكم وأعدوا واستعدوا فكأنكم بالعرب قد وردوا بلادكم وقارعوكم عن أرضكم وأبنائكم وقد كان من رأيي مدافعتهم ومطاولتهم حتى تعود سعودهم نحوسا فأبى الملك كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن الصلت بن بهرام عن رجل أن يزدجرد لما أمر رستم بالخروج من ساباط كتب إلى أخيه بنحو من الكتاب الأول وزاد فيه فإن السمكة قد كدرت الماء وإن النعائم قد حسنت وحسنت الزهرة واعتدل الميزان وذهب بهرام ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون علينا ويستولون على ما يلينا وإن أشد ما رأيت أن الملك قال لتسيرن إليهم أو لأسيرن إليهم أنا بنفسي فأنا سائر إليهم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن النضر بن السري عن ابن الرفيل عن أبيه قال كان الذي جرأ يزدجرد على إرسال رستم غلام جابان منجم كسرى وكان من أهل فرات بادقلى فأرسل إليه فقال ما ترى في مسير رستم وحرب العرب اليوم فخافه على الصدق فكذبه وكان رستم يعلم نحوا من علمه فثقل عليه مسيره لعلمه وخف على الملك لما غره منه وقال إني أحب أن تخبرني بشيء أراه أطمئن به إلى قولك فقال الغلام لزرنا الهندي أخبره فقال سلني فسأله فقال أيها الملك يقبل طائر فيقع على إيوانك فيقع منه شيء في فيه ها هنا وخط دارة فقال العبد صدق والطائر غراب والذي فيه فيه درهم وبلغ جابان أن الملك طلبه فأقبل حتى دخل عليه فسأله عما قال غلامه فحسب فقال صدق ولم يصب هو عقعق والذي في فيه درهم فيقع منه على هذا المكان وكذب زرنا ينزو الدرهم فيستقر ها هنا ودور دارة أخرى فما قاموا حتى وقع على الشرفات عقعق فسقط منه الدرهم في الخط الأول فنزا فاستقر في الخط الآخر ونافر الهندي جابان حيث خطأه فأتيا ببقرة نتوج فقال الهندي سخلتها غراء سوداء فقال جابان كذبت بل سوداء صبغاء فنحرت البقرة فاستخرجت سخلتها فإذا هي ذنبيها بين عينيها فقال جابان من هاهنا أتي زرنا وشجعاه على إخراج رستم فأمضاه وكتب جابان إلى جشنسماه إن أهل فارس قد زال أمرهم وأديل عدوهم عليهم وذهب ملك المجوسية وأقبل ملك العرب وأديل دينهم فاعتقد منهم الذمة ولا تخلبنك الأمور والعجل العجل قبل أن تؤخذ فلما وقع الكتاب إليه خرج جشنسماه إليهم حتى أتى المعنى وهو في خيل بالعتيق وأرسله إلى سعد فاعتقد منه على نفسه وأهل بيته ومن استجاب له ورده وكان صاحب أخبارهم وأهدى للمعنى فالوذق فقال لامرأته ما هذا فقالت أظن البائسة امرأته أراغت العصيدة فأخطأتها فقال المعنى بؤسا لها كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد وعمرو بإسنادهم قالوا لما فصل رستم من ساباط لقيه جابان على القنطرة فشكا إليه وقال ألا ترى ما أرى فقال له رستم أما أنا فأقاد بخشاش وزمام ولا أجد بدا من الانقياد وأمر الجالنوس حتى قدم الحيرة فمضى واضطرب فسطاطه بالنجف وخرج رستم حتى ينزل بكونى وكتب إلى الجالنوس والآزاذمرد أصيبا لي رجلا من العرب من جند سعد فركبا بأنفسهما طليعة فأصابا رجلا فبعثا به إليه وهو بكوثى فاستخبره ثم قتله كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن النضر بن السري عن ابن الرفيل عن أبيه قال لما فصل رستم وأمر الجالنوس بالتقدم إلى الحيرة أمره أن يصيب له رجلا من العرب فخرج هو والآزاذمرد سرية في مائة حتى انتهيا إلى القادسية فأصابا رجلا دون قنطرة القادسية فاختطفاه فنفر الناس فأعجزوهم إلا ماأصاب المسلمون في أخرياتهم فلما انتهيا إلى النجف سرحا به إلى رستم وهو بكوثى فقال له رستم ما جاء بكم وماذا تطلبون قال جئنا نطلب موعود الله قال وما هو قال أرضكم وأبناؤكم ودماؤكم إن أبيتم أن تسلموا قال رستم فإن قتلتم قبل ذلك قال في موعود الله أن من قتل منا قبل ذلك أدخله الجنة وأنجز لمن بقي منا ما قلت لك فنحن على يقين فقال رستم قد وضعنا إذا في أيديكم قال ويحك يا رستم إن أعمالكم وضعتكم فأسلمكم الله بها فلا يغرنك ما ترى حولك فإنك لست تحاول الإنس إنما تحاولوا القضاء والقدر فاستشاط غضبا فأمر به فضربت عنقه وخرج رستم من كوثى حتى ينزل ببرس فغصب أصحابه الناس أموالهم ووقعوا على النساء وشربوا الخمور فضج العلوج إلى رستم وشكوا إليه ما يلقون في أموالهم وأبنائهم فقام فيهم فقال يا معشر أهل فارس والله لقد صدق العربي والله ما أسلمنا إلا أعمالنا والله للعرب في هؤلاء وهم لهم ولنا حرب أحسن سيرة منكم إن الله كان ينصركم على العدو ويمكن لكم في البلاد بحسن السيرة وكف الظلم والوفاء بالعهود والإحسان فأما إذ تحولتم عن ذلك إلى هذه الأعمال فلا أرى الله إلا مغيرا ما بكم وما أنا بآمن أن ينزع الله سلطانه منكم وبعث الرجال فلقطوا له بعض من يشكى فأتي بنفر فضرب أعناقهم ثم ركب ونادى في الناس بالرحيل فخرج ونزل بحيال دير الأعور ثم انصب إلى الملطاط فعسكر مما يلي الفرات بحيال أهل النجف بحيال الخورنق إلى الغريين ودعا بأهل الحيرة فأوعدهم وهم بهم فقال له ابن بقيلة لا تجمع علينا اثنتين أن تعجز عن نصرتنا وتلومنا على الدفع عن أنفسنا وبلادنا فسكت كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الشعبي والمقدام الحارثي عمن ذكره قالا دعا رستم أهل الحيرة وسرادقه إلى جانب الدير فقال يا أعداء الله فرحتم بدخول العرب علينا بلادنا وكنتم عيونا لهم علينا وقويتموهم بالأموال فاتقوه بابن بقيلة وقالوا له كن أنت الذي تكلمه فتقدم فقال أما أنت وقولك إنا فرحنا بمجيئهم فماذا فعلوا وبأي ذلك من أمورهم نفرح إنهم ليزعمون أنا عبيد لهم وما هم على ديننا وإنهم ليشهدون علينا أنا من أهل النار وأما قولك إنا كنا عيونا لهم فما الذي يحوجهم إلى أن نكون عيونا لهم وقد هرب أصحابكم منهم وخلوا لهم القرى فليس يمنعهم أحد من وجه أرادوه إن شاءوا أخدوا يمينا أو شمالا وأما قولك إنا قويناهم بالأموال فإنا صانعناهم بالأموال عن أنفسنا وإذ لم تمنعونا مخافةأن نسبى وأن نحرب وتقتل مقاتلتنا وقد عجز منهم من لقيهم منكم فكنا نحن أعجز ولعمري لأنتم أحب إلينا منهم وأحسن عندنا بلاء فامنعونا منهم نكن لكم أعوانا فإنما نحن بمنزلة علوج السواد عبيد من غلب فقال رستم صدقكم الرجل كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن النضر عن ابن الرفيل عن أبيه قال رأى رستم بالدير أن ملكا جاء حتى دخل عسكر فارس فختم السلاح أجمع كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وأصحابه وشاركهم النضر بإسناده قالوا ولما اطمأن رستم أمر الجالنوس أن يسير من النجف فسار في المقدمات فنزل فيما بين النجف والسيلحين وارتحل رستم فنزل النجف وكان بين خروج رستم من المدائن وعسكرته بساباط وزحفه منها إلى أن لقي سعدا أربعة أشهر لا يقدم ولا يقاتل رجاء أن يضجروا بمكانهم وأن يجهدوا فينصرفوا وكره قتالهم مخافة أن يلقى ما لقي من قبله وطاولهم لولا ما جعل الملك يستعجله وينهضه ويقدمه حتى أقحمه فلما نزل رستم النجف عادت عليه الرؤيا فرأى ذلك الملك ومعه النبي صلى الله عليه وسلم وعمر فأخذ الملك سلاح أهل فارس فختمه ثم دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر فأصبح رستم فازداد حزنا فلما رأى الرفيل ذلك رغب في الإسلام فكانت داعيته إلى الإسلام وعرف عمر أن القوم سيطاولونهم فعهد إلى سعد وإلى المسلمين أن ينزلوا حدود أرضهم وأن يطاولوهم أبدا حتى ينغضوهم فنزلوا القادسية وقد وطنوا أنفسهم على الصبر والمطاولة وأبى الله إلا أن يتم نوره فأقاموا واطمأنوا فكانوا يغيرون على السواد فانتسفوا ما حولهم فحووه وأعدوا للمطاولة وعلى ذلك جاءوا أو يفتح الله عليهم وكان عمر يمدهم بالأسواق إلى ما يصيبون فلما رأى ذلك الملك ورستم عرفوا حالهم وبلغهم عنهم فعلهم علم أن القوم غير منتهين وأنه إن أقام لم يتركوه فرأى أن يشخص رستم ورأى رستم أن ينزل بين العتيق والنجف ثم يطاولهم مع المنازلة ورأى أن ذلك أمثل ما هم فاعلون حتى يصيبوا من الإحجام حاجتهم أو تدور لهم سعود كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم قالوا وجعلت السرايا تطوف ورستم بالنجف والجالنوس بين النجف والسيلحين وذو الحاجب بين رستم والجالنوس والهرمزان ومهران على مجنبتيه والبيرزان على ساقته وزاذ بن بهيش صاحب فرات سريا على الرجالة وكنارى على المجردة وكان جنده مائة وعشرين ألفا ستين ألف متبوع مع الرجل الشاكري ومن الستين ألفا خمسة عشر ألف شريف متبوع وقد تسلسلوا وتقارنوا لتدور عليهم رحى الحرب كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد بن قيس عن موسى بن طريف قال قال الناس لسعد لقد ضاق بنا المكان فأقدم فزبر من كلمه بذلك وقال إذا كفيتم الرأي فلا تكلفوا فإنا لن نقدم إلا على رأي ذوي الرأي فاسكتوا ما سكتنا عنكم وبعث طليحة وعمرا في غير خيل كالطليعة وخرج سواد وحميضة في مائة مائة فأغاروا على النهرين وقد كان سعد نهاهما أن يمعنا وبلغ رستم فأرسل إليهم خيلا وبلغ سعدا أن خيله قد وغلت فدعا عاصم بن عمرو وجابرا الأسدي فأرسلهما في آثارهم يقتصانها وسلكا طريقهما وقال لعاصم إن جمعكم قتال فأنت عليهم فلقيهم بين النهرين وإصطيميا وخيل أهل فارس محتوشتهم يريدون تخلص ما بين أيديهم وقد قال سواد لحميضة اختر إما أن تقيم لهم وأستاق الغنيمة أو أقيم لهم وتستاق الغنيمة قال أقم لهم ونهنههم عني وأنا أبلغ لك الغنمية فأقام لهم سواد وانجذب حميضة فلقيه عاصم بن عمرو فظن حميضة أنها خيل للأعاجم أخرى فصد عنها منحرفا فلما تعارفوا ساقها ومضى عاصم إلى سواد وقد كان أهل فارس تنقذوا بعضها فلما رأت الأعاجم عاصما هربوا وتنقذ سواد ما كانوا ارتجعوا فأتوا سعدا بالفتح والغنائم والسلامة وقد خرج طليحة وعمرو فأما طليحة فأمره بعسكر رستم وأما عمرو فأمره بعسكر الجالنوس فخرج طليحة وحده وخرج عمرو في عدة فبعث قيس بن هبيرة في آثارهما فقال إن لقيت قتالا فأنت عليهم وأراد إذلال طليحة لمعصيته وأما عمرو فقد أطاعه فخرج حتى تلقى عمرا فساله عن طليحة فقال لا علم لي به فلما انتهينا إلى النجف من قبل الجوف قال له قيس ما تريد قال أريد أن أغير على أدنى عسكرهم قال في هؤلاء قال نعم قال لا أدعك والله ذاك أتعرض المسلمين لما لا يطيقون قال وما أنت وذاك قال إني أمرت عليك ولو لم أكن أميرا لم أدعك وذك وشهد له الأسود بن يزيد في نفر أن سعدا قد استعمله عليك وعلى طليحة إذا اجتمعتم فقال عمرو والله يا قيس إن زمانا تكون علي فيه أميرا لزمان سوء لأن أرجع عن دينكم هذا إلى ديني الذي كنت عليه وأقاتل عليه حتى أموت أحب إلي من أن تتأمر علي ثانية وقال لئن عاد صاحبك الذي بعثك لمثلها لنفارقنه قال ذاك إليك بعد مرتك هذه فرده فرجعا إلى سعد بالخبر وبأعلاج وأفراس وشكا كل واحد منهما صاحبه أما قيس فشكا عصيان عمرو وأما عمرو فشكا غلظة قيس فقال سعد يا عمرو الخبر والسلامة أحب إلي من مصاب مائة بقتل ألف أتعمد إلى حلبة فارس فتصادمهم بمائة إن كنت لأراك أعلم بالحرب مما أرى فقال إن الأمر لكما قلت وخرج طليحة حتى دخل عسكرهم في ليلة مقمرة فتوسم فيه فهتك أطناب بيت رجل عليه واقتاد فرسه ثم خرج حتى مر بعسكر ذي الحاجب فهتك على رجل آخر بيته وحل فرسه ثم دخل على الجالنوس عسكره فهتك على آخر بيته وحل فرسه ثم خرج حتى أتى الخرارة وخرج الذي كان بالنجف والذي كان في عسكر ذي الحاجب فاتبعه الذي كان في عسكر الجالنوس فكان أولهم لحاقا به الجالنوس ثم الحاجبي ثم النجفي فاصاب الأولين وأسر الآخر وأتى به سعدا فأخبره وأسلم فسماه سعد مسلما ولزم طليحة فكان معه في تلك المغازي كلها كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عمرو عن أبي عثمان النهدي قال كان عمر قد عهد إلى سعد حين بعثه إلى فارس ألا يمر بماء من المياه بذي قوة ونجدة ورياسة إلا أشخصه فإن أبى انتخبه فأمره عمر فقدم القادسية في اثني عشر ألفا من أهل الأيام وأناس من الحمراء استجابوا للمسلمين فأعانوهم أسلم بعضهم قبل القتال وأسلم بعضهم غب القتال فأشركوا في الغنيمة وفرضت لهم فرائض أهل القادسية ألفين ألفين وسألوا عن أمنع قبائل العرب فعادوا تميما فلما دنا رستم ونزل النجف بعث سعد الطلائع وأمرهم أن يصيبوا رجلا ليسأله عن أهل فارس فخرجت الطلائع بعد اختلاف فلما أجمع ملأ الناس أن الطليعة من الواحد إلى العشرة سمحوا فأخرج سعد وطليحة في خمسة وعمرو بن معديكرب في خمسة وذلك صبيحة قدم رستم الجالنوس وذا الحاجب ولا يشعرون بفصولهم من النجف فلم يسيروا إلا فرسخا وبعض آخر حتى رأوا مسالحهم وسرحهم على الطفوف قد ملؤوها فقال بعضهم ارجعوا إلى أميركم فإنه سرحكم وهو يرى أن القوم بالنجف فأخبروه الخبر وقال بعضهم ارجعوا لا ينذر بكم عدوكم فقال عمرو لأصحابه صدقتم وقال طليحة لأصحابه كذبتم ما بعثتم لتخبروا عن السرح وما بعثتم إلا للخبر قالوا فما تريد قال أريد أن أخاطر القوم أو أهلك فقالوا أنت رجل في نفسك غدر ولن تفلح بعد قتل عكاشة بن محصن فارجع بنا فأبى وأتى سعدا الخبر برحيلهم فبعث قيس بن هبيرة الأسدي وأمره على مائة وعليهم إن هو لقيهم فانتهى إليهم وقد افترقوا فلما رآه عمر قال تجلدوا له أروه أنهم يريدون الغارة فردهم ووجد طليحة قد فارقهم فرجع بهم فأتوا سعدا فأخبروه بقرب القوم ومضى طليحة وعارض المياه على الطفوف حتى دخل عسكر رستم وبات فيه يجوسه وينظر ويتوسم فلما أدبر الليل خرج وقد أتى أفضل من توسم في ناحية العسكر فإذا فرس له لم ير في خيل القوم مثله وفسطاط أبيض لم ير مثله فانتضى سيفه فقطع مقود الفرس ثم ضمه إلى مقود فرسه ثم حرك فرسه فخرج يعدو به ونذر به الناس والرجل فتنادوا وركبوا الصعبة والذلول وعجل بعضهم أن يسرج فخرجوا في طلبه فأصبح وقد لحقه فارس من الجند فلما غشيه وبوأ له الرمح ليطعنه عدل طليحة فرسه فندر الفارسي بين يديه فكر عليه طليحة فقصم ظهره بالرمح ثم لحق به آخر ففعل به مثل ذلك ثم لحق به آخر وقد رأى مصرع صاحبيه وهما ابنا عمه فازداد حنقا فلما لحق بطليحة وبوأ له الرمح عدل طليحة فرسه فندر الفارسي أمامه وكر عليه طليحة ودعاه إلى الإسار فعرف الفارسي أنه قاتله فاستأسر وأمره طليحة أن يركض بين يديه ففعل ولحق الناس فرأوا فارسي الجند قد قتلا وقد أسر الثالث وقد شارف طليحة عسكرهم فأحجموا عنه ونكسوا وأقبل طليحة حتى غشي العسكر وهم على تعبية فأفزع الناس وجوزوه إلى سعد فلما انتهى إليه قال ويحك ما وراءك قال دخلت عساكرهم وجستها منذ الليلة وقد أخذت أفضلهم توسما وما أدري أصبت أم أخطأت وها هو ذا فاستخبره فأقيم الترجمان بين سعد وبين الفارسي فقال له الفارسي أتؤمنني على دمي إن صدقتك قال نعم الصدق في الحرب أحب إلينا من الكذب قال أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمن قبلي باشرت الحروب وغشيتها وسمعت بالأبطال ولقيتها منذ أنا غلام إلى أن بلغت ما ترى ولم أر ولم أسمع بمثل هذا أن رجلا قطع عسكرين لا يجترئ عليهما الأبطال إلى عسكر فيه سبعون ألفا يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة إلى ما هو دن فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب فارس الجند وهتك أطناب بيته فأنذره فأنذرنا به فطلبناه فأدركه الأول وهو فارس الناس يعدل ألف فارس فقتله فأدركه الثاني وهو نظيره فقتله ثم أدركته ولا أظن أنني خلفت بعدي من يعدلني وأنا الثائر بالقتيلين وهما ابنا عمي فرأيت الموت فاستأسرت ثم أخبره عن أهل فارس بأن الجند عشرون ومائة ألف وأن الأتباع مثلهم خدام لهم وأسلم الرجل وسماه سعد مسلما وعاد إلى طليحة وقال لا والله لا تهزمون ما دمتم على ما أرى من الوفاء والصدق والإصلاح والمؤاساة لا حاجة لي في صحبة فارس فكان من أهل البلاء يومئذ كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد بن قيس عن موسى بن طريف قال قال سعد لقيس بن هبيرة الأسدي اخرج يا عاقل فإنه ليس وراءك من الدنيا شيء تحنو عليه حتى تأتيني بعلم القوم فخرج وسرح عمرو بن معديكرب وطليحة فلما حاذى القنطرة لم يسر إلا يسيرا حتى لحق فانتهى إلى خيل عظيمة منهم بحيالها ترد عن عسكرهم فإذا رستم قد ارتحل من النجف فنزل منزل ذي الحاجب فارتحل الجالنوس فنزل ذو الحاجب منزله والجالنوس يريد طيزناباذ فنزل بها وقدم تلك الخيل وإن ما حمل سعدا على إرسال عمرو وطليحة معه لمقالة بلغته عن عمرو وكلمة قالها لقيس بن هبيرة قبل هذه المرة فقال قاتلوا عدوكم يا معشر المسلمين فأنشب القتال وطاردهم ساعة ثم إن قيسا حمل عليهم فكانت هزيمتهم فأصاب منهم اثني عشر رجلا وثلاثة أسراء واصاب أسلابا فأتوا بالغنيمة سعدا وأخبروه الخبر فقال هذه بشرى إن شاء الله إذا لقيتم جمعهم الأعظم وحدهم فلهم أمثالها ودعا عمرا وطليحة فقال كيف رأيتما قيسا فقال طليحة رأيناه أكمانا وقال عمرو الأمير أعلم بالرجال منا قال سعد إن الله تعالى أحيانا بالإسلام وأحيا به قلوبا كانت ميتة وأمات به قلوبا كانت حية وإني أحذركما أن تؤثرا أمر الجاهلية على الإسلام فتموت قلوبكما وأنتما حيان الزما السمع والطاعة والاعتراف بالحقوق فما رأى الناس كأقوام أعزهم الله بالإسلام كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو وزياد وشاركهم المجالد وسعيد بن المرزبان قالوا فلما أصبح رستم من الغد من يوم نزل السيلحين قدم الجالنوس وذا الحاجب فارتحل الجالنوس فنزل من دون القنطرة بحيال زهرة ونزل إلى صاحب المقدمة ونزل ذو الحاجب منزله بطيزناباذ ونزل رستم منزل ذي الحاجب بالخرارة ثم قدم ذا الحاجب فلما انتهى إلى العتيق تياسر حتى إذا كان بحيال قديس خندق خندقا وارتحل الجالنوس فنزل عليه وعلى مقدمته أعني سعدا زهرة بن الحوية وعلى مجنبتيه عبدالله بن المعتم وشرحبيل بن السمط الكندي وعلى مجردته عاصم بن عمرو وعلى المرامية فلان وعلى الرجل فلان وعلى الطلائع سواد بن مالك وعلى مقدمة رستم الجالنوس وعلى مجنبتيه الهرمزان ومهران وعلى مجردته ذو الحاجب وعلى الطلائع البيرزان وعلى الرجالة زاذ بن بهيش فلما انتهى رستم إلى العتيق وقف عليه بحيال عسكر سعد ونزل الناس فما زالوا يتلاحقون وينزلهم فينزلون حتى أعتموا من كثرتهم فبات بها تلك الليلة والمسلمون ممسكون عنهم قال سعيد بن المرزبان فلما أصبحوا من ليلتهم بشاطئ العتيق غدا منجم رستم على رستم برؤيا أريها من الليل قال رأيت الدلو في السماء دلوا أفرغ ماؤه ورأيت السمكة سمكة في ضحضاح من الماء تضطرب ورأيت النعائم والزهرة تزدهر قال ويحك هل أخبرت بها أحدا قال لا قال فاكتمها كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن مجالد عن الشعبي قال كان رستم منجما فكان يبكي مما يرى ويقدم عليه فلما كان بظهر الكوفة رأى أن عمر دخل عسكر فارس ومعه ملك فختم على سلاحهم ثم حزمه ودفعه إلى عمر كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم وكان قد شهد القادسية قال كان مع رستم ثمانية عشر فيلا ومع الجالنوس خمسة عشر فيلا كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن المجالد عن الشعبي قال كان مع رستم يوم القادسية ثلاثون فيلا كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن سعيد بن المرزبان عن رجل قال كان مع رستم ثلاثة وثلاثون فيلا منها فيل سابور الأبيض وكانت الفيلة تألفه وكان أعظمها وأقدمها كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن النضر عن ابن ا لرفيل عن أبيه قال كان معه ثلاثة وثلاثون فيلا معه في القلب ثمانية عشر فيلا ومعه في المجنبتين خمسة عشر فيلا كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن المجالد وسعيد وطلحة وعمرو وزياد قالوا فلما أصبح رستم من ليلته التي باتها بالعتيق أصبح راكبا في خيله فنظر إلى المسلمين ثم صعد نحو القنطرة وقد حزر الناس فوقف بحيالهم دون القنطرة وأرسل إليهم رجلا إن رستم يقول لكم أرسلوا إلينا رجلا نكلمه ويكلمنا وانصرف فأرسل زهرة إلى سعد بذلك فأرسل إليه المغيرة بن شعبة فأخرجه زهرة إلى الجالنوس فأبلغه الجالنوس رستم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن النضر عن ابن الرفيل عن أبيه قال لما نزل رستم على العتيق وبات به أصبح غاديا على التصفح والحزر فساير العتيق نحو خفان حتى أتى على منقطع عسكر المسلمين ثم صعد حتى انتهى إلى القنطرة فتأمل القوم حتى أتى على شيء يشرف منه عليهم فلما وقف على القنطرة راسل زهرة فخرج إليه حتى واقفه فأراده أن يصالحهم ويجعل له جعلا على أن ينصرفوا عنه وجعل يقول فيما يقول أنتم جيراننا وقد كانت طائفة منكم في سلطاننا فكنا نحسن جوارهم ونكف الأذى عنهم ونوليهم المرافق الكثيرة نحفظهم في أهل باديتهم فنرعيهم مراعينا ونميرهم من بلادنا ولا نمنعهم من التجارة في شيء من أرضنا وقد كان لهم في ذلك معاش يعرض لهم بالصلح وإنما يخبره بصنيعهم والصلح يريد ولا يصرح فقال له زهرة صدقت قد كان ما تذكر وليس أمرنا أمر أولئك ولا طلبتنا إنا لم نأتكم لطلب الدنيا إنما طلبتنا وهمتنا الآخرة كنا كما ذكرت يدين لكم من ورد عليكم منا ويضرع إليكم يطلب ما في أيديكم ثم بعث الله تبارك وتعالى إلينا رسولا فدعانا إلى ربه فأجبناه فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فأنا منتقم بهم منهم وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به وهو دين الحق لا يرغب عنه أحد إلا ذل ولا يعتصم به أحد إلا عز فقال له رستم وما هو قال أما عموده الذي لا يصلح منه شيء إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والإقرار بما جاء من عند الله تعالى قال ما أحسن هذا وأي شيء أيضا قال وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى قال حسن وأي شيء أيضا قال والناس بنو آدم وحواء إخوة لأب وأم قال ما أحسن هذا ثم قال له رستم أرأيت لو أني رضيت بهذا الأمر وأجبتكم إليه ومعي قومي كيف يكون أمركم أترجعون قال إي والله ثم لا نقرب بلادكم أبدا إلا في تجارة أو حاجة قال صدقتني والله أما إن أهل فارس منذ ولي أردشير لم يدعوا أحدا يخرج من عمله من السفلة كانوا يقولون إذا خرجوا من أعمالهم تعدوا طورهم وعادوا أشرافهم فقال له زهرة نحن خير الناس للناس فلا نستطيع أن نكون كما تقولون نطيع الله في السفلة ولا يضرنا من عصى الله فينا فانصرف عنه ودعا رجال فارس فذاكرهم هذا فحموا من ذلك وأنفوا فقال أبعدكم الله وأسحقكم أخزى الله أخرعنا وأجبننا فلما انصرف رستم ملت إلى زهرة فكان إسلامي وكنت له عديدا وفرض لي فرائض أهل القادسية كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو وزياد بإسنادهم مثله قالوا وأرسل سعد إلى المغيرة بن شعبة وبسر بن أبي رهم وعرفجة بن هرثمة وحذيفة بن محصن وربعي بن عامر وقرفة بن زاهر التيمي ثم الواثلي ومذعور بن عدي العجلي والمضارب بن يزيد العجلي ومعبد بن مرة العجلي وكان من دهاة العرب فقال إني مرسلكم إلى هؤلاء القوم فما عندكم قالوا جميعا نتبع ما تأمرنا به وننتهي إليه فإذا جاء أمر لم يكن منك فيه شيء نظرنا أمثل ما ينبغي وأنفعه للناس فكلمناهم به فقال سعد هذا فعل الحزمة اذهبوا فتهيؤوا فقال ربعي بن عامر إن الأعاجم لهم آراء وآداب ومتى نأتهم جميعا يروا أنا قد احتفلنا بهم فلا تزدهم على رجل فمالؤوه جميعا على ذلك فقال فسرحوني فسرحه فخرج ربعي ليدخل على رستم عسكره فاحتبسه الذين على القنظرة وأرسل إلى رستم لمجيئه فاستشار عظماء أهل فارس فقال ما ترون أنباهي أم نتهاون فأجمع ملؤهم على التهاون فأظهروا الزبرج وبسطوا البسط والنمارق ولم يتركوا شيئا ووضع لرستم سرير الذهب وألبس زينته من الأنماط والوسائد المنسوجة بالذهب وأقبل ربعي يسير على فرس له زباء قصيرة معه سيف له مشوف وغمده لفافة ثوب خلق ورمحه معلوب بقد معه حجفة من جلود البقر على وجهها أديم أحمر مثل الرغيف ومعه قوسه ونبله فلما غشي الملك وانتهى إليه وإلى أدنى البسط قيل له انزل فحملها على البساط فلما استوت عليه نزل عنها وربطها بوسادتين فشقهما ثم أدخل الحبل فيهما فلم يستطيعوا أن ينهوه وإنما أروه التهاون وعرف ما أرادوا فأراد استحراجهم وعليه درع له كأنها أضاة ويلمقه عباءة بعيره قد جابها وتدرعها وشدها على وسطه بسلب وقد شد رأسه بمعجرته وكان أكثر العرب شعرة ومعجرته نسعة بعيره ولرأسه أربع ضفائر قد قمن قياما كأنهن قرون الوعلة فقالوا ضع سلاحك فقال إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم أنتم دعوتموني فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد رجعت فأخبروا رستم فقال ائذنوا له هل هو إلا رجل واحد فأقبل يتوكأ على رمحه وزجه نصل يقارب الخطو ويزج النمارق والبسط فما ترك لهم نمرقة ولا بساطا إلا أفسده وتركه منهتكا مخرقا فلما دنا من رستم تعلق به الحرس وجلس على الأرض وركز رمحه بالبسط فقالوا ما حملك على هذا قال إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه فكلمه فقال ما جاء بكم قال الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله قال وما موعود الله قال الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقي فقال رستم قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا قال نعم كم أحب إليكم أيوما أو يومين قال لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا وأراد مقاربته ومدافعته فقال إن مما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به أئتمنا ألا نمكن الأعداء من آذاننا ولا نؤجلهم عند اللقاء أكثر من ثلاث فنحن مترددون عنكم ثلاثا فانظر في أمرك وأمرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل اختر الإسلام وندعك وأرضك أو الجزاء فنقبل ونكف عنك وإن كنت عن نصرنا غنيا تركناك منه وإن كنت إليه محتاجا منعناك أو المنابذة في اليوم الرابع ولسنا نبدؤك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا أنا كفيل لك بذلك على أصحابي وعلى جميع من ترى قال أسيدهم أنت قال لا ولكن المسلمين كالجسد بعضهم من بعض يجير أدناهم على أعلاهم فخلص رستم برؤساء أهل فارس فقال ما ترون هل رأيتم كلاما قط أوضح ولا أعز من كلام هذا الرجل قالوا معاذ الله لك أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك لهذا الكلب أما ترى إلى ثيابه فقال ويحكم لا تنظروا إلى الثياب ولكن انظروا إلى الرأي والكلام والسيرة إن العرب تستخف باللباس والمأكل ويصونون الأحساب ليسوا مثلكم في اللباس ولا يرون فيه ما ترون وأقبلوا إليه يتناولون سلاحه ويزهدونه فيه فقال لهم هل لكم إلى أن تروني فأريكم فأخرج سيفه من خرقه كأنه شعلة نار فقال القوم اغمده فغمده ثم رمى ترسا ورموا حجفته فخرق ترسهم وسلمت حجفته فقال يا أهل فارس إنك عظمتم الطعام واللباس والشراب وإنا صغرناهن ثم رجع إلى أن ينظروا إلى الأجل فلما كان من الغد بعثوا أن ابعث إلينا ذلك الرجل فبعث إليهم سعد حذيفة بن محصن فأقبل في نحو من ذلك الزي حتى إذا كان على أدنى البساط قيل له انزل قال ذلك لو جئتكم في حاجتي فقوولا لملككم أله الحاجة أم لي فإن قال لي فقد كذب ورجعت وتركتكم فإن قال له لم آتكم إلا على ما أحب فقال دعوه فجاء حتى وقف عليه ورستم على سريره فقال انزل قال لا أفعل فلما أبى سأله ما بالك جئت ولم يجئ صاحبنا بالأمس قال إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء فهذه نوبتي قال ما جاء بكم قال إن الله عز وجل من علينا بدينه وأرانا آياته حتى عرفناه وكنا له منكرين ثم أمرنا بدعاء الناس إلى واحدة من ثلاث فأيها أجابوا إليها قبلناها الإسلام وننصرف عنكم أو الجزاء ونمنعكم إن احتجتم إلى ذلك أو المنابذة فقال أو الموادعة إلى يوم ما فقال نعم ثلاثا من أمس فلما الم يجد عنده إلا ذلك رده وأقبل على أصحابه فقال ويحكم ألا ترون إلى ما أرى جاءنا الأول بالأمس فغلبنا على أرضنا وحقر ما نعظم وأقام فرسه على زبرجنا وربطه به فهو في يمن الطائر ذهب بأرضنا وما فيها إليهم مع فضل عقله وجاءنا هذا اليوم فوقف علينا فهو في يمن الطائر يقوم على أرضنا دوننا حتى أغضبهم وأغضبوه فلما كان من الغد أرسل ابعثوا إلينا رجلا فبعثوا إليهم المغيرة بن شعبة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان النهدي قال لما جاء المغيرة إلى القنطرة فعبرها إلى أهل فارس حبسوه واستأذنوا رستم في إجازته ولم يغيروا شيئا من شارتهم تقوية لتهاونهم فأقبل المغيرة بن شعبة والقوم في زيهم عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب وبسطهم على غلوة لا يصل إلى صاحبهم حتى يمشي عليهم غلوة وأقبل المغيرة وله أربع ضفائر يمشي حتى جلس معه على سريره ووسادته فوثبوا عليه فترتروه وأنزلوه ومغثوه فقال كانت تبلغنا عنكم الأحلام ولا أرى قوما أسفه منكم إنا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضا إلا أن يكون محاربا لصاحبه فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه ولم آتكم ولكن دعوتموني اليوم علمت أن أمركم مضمحل وأنكم مغلوبون وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول فقالت السفلة صدق والله العربي وقالت الدهاقين والله لقدرمى بكلام بكلام لا يزال عبيدنا ينزعون إليه قاتل الله أولينا ما كان أحمقهم حين كانوا يصغرون أمر هذه الأمة فمازحه رستم ليمحو ما صنع وقال له يا عربي إن الحاشية قد تصنع ما لا يوافق الملك فيتراخى عنها مخافة أن يكسرها عما ينبغي من ذلك فالأمر على ما تحب من الوفاء وقبول الحق ما هذه المغازل التي معك قال ما ضر الجمرة ألا تكون طويلة ثم راماهم وقال ما بال سيفك رثا قال رث الكسوة حديد المضربة ثم عاطاه سيفه ثم قال له رستم تكلم أم أتكلم فقال المغيرة أنت الذي بعثت إلينا فتكلم فأقام الترجمان بينهما وتكلم رستم فحمد قومه وعظم أمرهم وطوله وقال لم نزل متمكنين في البلاد ظاهرين على الأعداء أشرافا في الأمم فليس لأحد من الملوك مثل عزنا وشرفنا وسلطاننا ننصر على الناس ولا ينصرون علينا إلا اليوم واليومين أو الشهر والشهرين للذنوب فإذا انتقم الله فرضي رد إلينا عزنا وجمعنا لعدونا شر يوم هو آت عليهم ثم إنه لم يكن في الناس أمة أصغر عندنا أمرا منكم كنتم أهل قشف ومعيشة سيئة لا نراكم شيئا ولا نعدكم وكنتم إذا قحطت أرضكم وأصابتكم السنة استغثتم بناحية أرضنا فنأمر لكم بالسيء من التمر والشعير ثم نردكم وقد علمت أنه لم يحملكم على ما صنعتم إلا ما أصابكم من الجهد في بلادكم فأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم وآمر لكل رجل منكم بوقر تمر وبثوبين وتنصرفون عنا فإني لست أشتهي أن أقتلكم ولا آسركم فتكلم المغيرة بن شعبة فحمد الله وأثنى عليه وقال إن الله خالق كل شيء ورازقه فمن صنع شيئا فإنما هو الذي يصنعه هو له وأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك من الظهور على ا لأعداء والتمكن في البلاد وعظم السلطان في الدنيا فنحن نعرفه ولسنا ننكره فالله صنعه بكم ووضعه فيكم وهو له دونكم وأما الذي ذكرت فينا من سوء الحال وضيق المعيشة واختلاف القلوب فنحن نعرفه ولسنا ننكره والله ابتلانا بذلك وصيرنا إليه والدنيا دول ولم يزل أهل شدائدها يتوقعون الرخاء حتى يصيروا إليه ولم يزل أهل رخائها يتوقعون الشدائد حتى تنزل بهم ويصيروا إليها ولو كنتم فيما آتاكم الله ذوي شكر كان شكركم يقصر عما أوتيتم وأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال ولو كنا فيما ابتلينا به أهل كفر كان عظيم ما تتابع علينا مستجلبا من الله رحمة يرفه بها عنا ولكن الشأن غير ما تذهبون إليه أو كنتم تعرفوننا به إن الله تبارك وتعالى بعث فينا رسولا ثم ذكر مثل الكلام الأول حتى انتهى إلى قوله وإن احتجت إلينا أن نمنعك فكن لنا عبدا تؤدي الجزية عن يد وأنت صاغر وإلا فالسيف إن أبيت فنخر نخرة واستشاط غضبا ثم حلف بالشمس لا يرتفع لكم الصبح غدا حتى أقتلكم أجمعين فانصرف المغيرة وخلص رستم تألفا بأهل فارس وقال أين هؤلاء منكم ما بعد هذا ألم يأتكم الأولان فحسراكم واستحرجاكم ثم جاءكم هذا فلم يختلفوا وسلكوا طريقا واحدا ولزموا أمرا واحدا هؤلاء والله الرجال صادقين كانوا أم كاذبين والله لئن كان بلغ من إربهم وصونهم لسرهم ألا يختلفوا فما قوم أبلغ فيما أرادوا منهم لئن كانوا صادقين ما يقوم لهؤلاء شيء فلجوا وتجلدوا وقال والله إني لأعلم أنكم تصغون إلى ما أقول لكم وإن هذا منكم رئاء فازداودا لجاجة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن النضر عن ابن الرفيل عن أبيه قال فأرسل مع المغيرة رجلا وقال له إذا قطع القنطرة ووصل إلى أصحابه فناد إن الملك كان منجما قد حسب لك ونظر في أمرك فقال إنك غدا تفقأ عينك ففعل الرسول فقال المغيرة بشرتني بخير وأجر ولولا أن أجاهد بعد اليوم أشباهكم من المشركين لتمنيت أن الأخرى ذهبت أيضا فرآهم يضحكون من مقالته ويتعجبون من بصيرته فرجع إلى الملك بذلك فقال أطيعوني يا أهل فارس وإني لأرى لله فيكم نقمة لا تستطيعون ردها عن أنفسكم وكانت خيولهم تلتقي على القنطرة لا تلتقي إلا عليها فلا يزالون يبدؤون المسلمين والمسلمون كافون عنهم الثلاثة الأيام لا يبدؤونهم فإذا كان ذلك منهم صدوهم وردعوهم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر قال كان ترجمان رستم عن أهل الحيرة يدعى عبود كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن مجالد عن الشعبي وسعيد بن المرزبان قالا دعا رستم بالمغيرة فجاء حتى جلس على سريره ودعا رستم ترجمانه وكان عربيا من أهل الحيرة يدعى عبود فقال له المغيرة ويحك يا عبود أنت رجل عربي فأبلغه عني إذا أنا تكلمت كما تبلغني عنه فقال له رستم مثل مقالته وقال له المغيرة مثل مقالته إلى إحدى ثلاث خلال إلى الإسلام ولكم فيه ما لنا وعليكم فيه ما علينا ليس فيه تفاضل بيننا أو الجزية عن يد وأنتم صاغرون قال ما صاغرون قال أن يقوم الرجل منكم على رأس أحدنا بالجزية يحمده أن يقبلها منه إلى آخر الحديث والإسلام أحب إلينا منهما كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عبيدة عن شقيق قال شهدت القادسية غلاما بعد ما احتلمت فقدم سعد القادسية في اثني عشر ألفا وبها أهل الأيام قدمت علينا مقدمات رستم ثم زحف إلينا في ستين ألفا فلما أشرف رستم على العسكر قال يا معشر العرب ابعثوا إلينا رجلا يكلمنا ونكلمه فبعث إليه المغيرة بن شعبة ونفرا فلما أتوا رستم جلس المغيرة على السرير فنخر أخو رستم فقال المغيرة لا تنخر فما زادني هذا شرفا ولا نقص أخاك فقال رستم يا مغيرة كنتم أهل شقاء حتى بلغ وإن كان لكم أمر سوى ذلك فأخبرونا ثم أخذ رستم سهما من كنانته وقال لا تروا أن هذه المغازل تغني عنكم شيئا فقال المغيرة مجيبا له فذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال فكان مما رزقنا الله على يديه حبة تنب في أرضكم هذه فلما أذقناها عيالنا قالوا لا صبر لنا عنها فجئنا لنطعمهم أو نموت فقال رستم إذا تموتون أو تقتلون فقال المغيرة إذا يدخل من قتل منا الجنة ويدخل من قتلنا منكم النار ويظفر من بقي منا بمن بقي منكم فنحن نخيرك بين ثلاث خلال إلى آخر الحديث فقال رستم لا صلح بيننا وبينكم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا أرسل إليهم سعد بقية ذوي الرأي جميعا وحبس الثلاثة فخرجوا حتى أتوه ليعظموا عليه استقباحا فقالوا له إن أميرنا يقول لك إن الجوار يحفظ الولاة وإني أدعوك إلى ما هو خير لنا ولك العافية أن تقبل ما دعاك الله إليه ونرجع إلى أرضنا وترجع إلى أرضك وبعضنا من بعض إلا أن داركم لكم وأمركم فيكم وما أصبتم مما وراءكم كان زيادة لكم دوننا وكنا لكم عونا على أحد إن أرادكم أو قوي عليكم واتق الله يا رستم ولا يكونن هلاك قومك على يديك فإنه ليس بينك وبين أن تغبط به إلا أن تدخل فيه وتطرد به الشيطان عنك فقال إني قد كلمت منكم نفرا ولو أنهم فهموا عني رجوت أن تكونوا قد فهمتم وإن الأمثال أوضح من كثير من الكلام وسأضرب لكم مثلكم تبصروا إنكم كنتم أهل جهد في المعيشة وقشف في الهيئة لا تمتنعون ولا تنتصفون فلم نسئ جواركم ولم ندع مواساتكم تقحمون المرة بعد المرة فنميركم ثم نردكم وتأتوننا أجراء وتجارا فنحسن إليكم فلما تطاعمتم بطعامنا وشربتم شرابنا وأظلكم ظلنا وصفتم لقومكم فدعوتموهم ثم أتيتمونا بهم وإنما مثلكم في ذلك ومثلنا كمثل رجل كان له كرم فرأى فيه ثعلبا فقال وما ثعلب فانطلق الثعلب فدعا الثعالب إلى ذلك الكرم فلما اجتمعن عليه سد عليهن صاحب الكرم الجحر الذي كن يدخلن منه فقتلهن وقد علمت أن الذي حملكم على هذا الحرص والطمع والجهد فارجعوا عنا عامكم هذا وامتاروا حاجتكم ولكم العود كلما احتجتم فإني لا أشتهي أن أقتلكم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عمارة بن القعقاع الضبي عن رجل من يربوع شهدها قال وقال وقد أصاب أناس كثير منكم من أرضنا ما أرادوا ثم كان مصيرهم القتل والهرب ومن سن هذا لكم خير منكم وأقوى وقد رأيتم أنتم كلما أصابوا شيئا أصيب بعضهم ونجا بعضهم وخرج مما كان أصاب ومن أمثالكم فيما تصنعون مثل جرذان ألفت جرة فيها حب وفي الجرة ثقب فدخل الأول فأقام فيها وجعل الأخر ينقلن منها ويرجعن ويكلمنه في الرجوع فيأبى فانتهى سمن الذي في الجرة فاشتاق إلى أهله ليريهم حسن حاله فضاق عليه الحجر ولم يطق الخروج فشكا القلق إلى أصحابه وسألهم المخرج فقلن له ما أنت بخارج منها حتى تعود كما كنت قبل أن تدخل فكف وجوع نفسه وبقي في الخوف حتى إذا عاد كما كان قبل أن يدخلها أتى عليه صاحب الجرة فقتله فاخرجوا ولا يكونن هذا لكم مثلا كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن النضر عن ابن الرفيل عن أبيه قال وقال لم يخلق الله خلقا أولع من ذباب ولا أضر ما خلاكم يا معشر العرب ترون الهلاك ويدليكم فيه الطمع وسأضرب لكم مثلكم إن الذباب إذا رأى العسل طار وقال من يوصلني إليه وله درهما حتى يدخله لا ينهنهه أحد إلا عصاه فإذا دخله غرق ونشب وقال من يخرجني وله أربعة دراهم وقال أيضا إنما مثلكم مثل ثعلب دخل جحرا وهو مهزول ضعيف إلى كرم فكان فيه يأكل ما شاء الله فرآه صاحب الكرم ورأى ما به فرحمه فلما طال مكثه في الكرم وسمن وصلحت حاله وذهب ما كان به من الهزال أشر فجعل يعبث بالكرم ويفسد أكثر مما يأكل فاشتد على صاحب الكرم فقال لا أصبر على هذا من أمر هذا فأخذ له خشبة واستعان عليه غلمانه فطلبوه وجعل يراوغهم في الكرم فلما رأى أنهم غير مقلعين عنه ذهب ليخرج من الجحر الذي دخل منه فنشب اتسع عليه وهو مهزول وضاق عليه وهو سمين فجاءه وهو على تلك الحال صاحب الكرم فلم يزل يضربه حتى قتله وقد جئتم وأنتم مهازيل وقد سمنتم شيئا من سمن فانظروا كيف تخرجون وقال أيضا إن رجلا وضع سلا وجعل طعامه فيه فأتى الجرذان فخرقوا سله فدخلوا فيه فأراد سده فقيل له لا تفعل إذا يخرقنه ولكن انقب بحياله ثم اجعل فيها قصبة مجوفة فإذا جاءت الجرذان دخلن من القصبة وخرجن منها فكلما طلع عليكم جرذ قتلتموه وقد سددت عليكم فإياكم أن تقتحموا القصبة فلا يخرج منها أحد إلا قتل وما دعاكم إلى ما صنعتم ولا أرى عددا ولا عدة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة بإسنادهما وزياد معهما قالوا فتكلم القوم فقالوا أما ما ذكرتم من سوء حالنا فيما مضى وانتشار أمرنا فلما تبلغ كنهه يموت الميت منا إلى النار ويبقى الباقي منا في بؤس فبينا نحن في أسوإ ذلك بعث الله فينا رسولا من أنفسنا إلى الإنس والجن رحمة رحم بها من أراد رحمته ونقمة ينتقم بها ممن رد كرامته فبدأ بنا قبيلة قبيلة فلم يكن أحد أشد عليه ولا أشد إنارا لما جاء به ولا أجهد على قتله ورد الذي جاء به من قومه ثم الذين يولنهم حتى طابقناه على ذلك كلنا فنصبنا له جميعا وهووحده فرد ليس معه إلا الله تعالى فأعطي الظفر علينا فدخل بعضنا طوعا وبعضنا كرها ثم عرفنا جميعا الحق والصدق لما أتانا به من الآيات المعجزة وكان مما أتانا به من عند ربنا جهاد الأدنى فالأدنى فسرنا بذلك فيما بيننا نرى أن الذي قال لنا ووعدنا لا يخرم عنه ولا ينقض حتى اجتمعت العرب على هذا وكانوا من اختلاف الرأي فيما لا يطيق الخلائق تأليفهم ثم أتيناكم بأمر ربنا نجاهد في سبيله وننفذ لأمره وننتجز موعوده وندعوكم إلى الإسلام وحكمه فإن أجبتمونا تركناكم ورجعنا وخلفنا فيكم كتاب الله وإن أبيتم لم يحل لنا إلا أن نعاطيكم القتال أو تفتدوا بالجزى فإن فعلتم وإلا فإن الله قد أورثنا أرضكم وأبناءكم وأموالكم فاقبلوا نصيحتنا فوالله لإسلامكم أحب إلينا من غنائمكم ولقتالكم بعد أحب من صلحكم وأما ما ذكرت من رثاثتنا وقلتنا فإن أداتنا الطاعة وقتالنا الصبر وأما ما ضربتم لنا من الأمثال فإنك مضربتم للرجال والأمور الجسام وللجد الهزل ولكنا سنضرب مثلكم إنما مثلكم مثل رجل غرس أرضا واختار لها الشجر والحب وأجرى إليها الأنهار وزينها بالقصور وأقام فيها فلاحين يسكنون قصورها ويقومون على جناتها فخلا الفلاحون في القصور على ما لا يحب وفي الجنان بمثل ذلك فأطال نظرتهم فلما لم يستحيوا من تلقاء أنفسهم استعتبهم فكابروه فدعا إليها غيرهم وأخرجهم منها فإن ذهبوا عنها تخطفهم الناس وإن أقاموا فيها صاروا خولا لهؤلاء يملكونهم ولا يملكون عليهم فيسومونهم الخسف أبدا ووالله أن لو لم يكن ما نقول لك حقا ولم يكن إلا الدنيا لما كان لنا عما ضرينا به من لذيذ عيشكم ورأينا من زبرجكم من صبر ولقارعناكم حتى نغلبكم عليه فقال رستم أتعبرون إلينا أم نعبر إليكم فقالوا بل اعبروا إلينا فخرجوا من عنده عشيا وأرسل سعد إلى الناس أن يقفوا مواقفهم وأرسل إليهم شأنكم والعبور فأرادوا القنطرة فأرسل إليهم لا ولا كرامة أما شيء قد غلبناكم عليه فلن نرده عليكم تكلفوا معبرا غير القناطر فباتوا يسكرون العتيق حتى الصباح بأمتعتهم
يوم أرماث
مخ ۴۰۶