تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
ثم ملك هرمز بن كسرى أنوشروان وكانت أمه ابنة خاقان الأكبر فحدثت عن هشام بن محمد قال كان هرمز بن كسرى هذا كثير الأدب ذانية في الإحسان إلى الضعفاء والمساكين والحمل على الأشراف فعادوه وأبغضوه وكان في نفسه عليهم مثل ذلك ولما عقد التاج على رأسه اجتمع إليه أشراف أهل مملكته واجتهدوا في الدعاء له والشكر لوالده فوعدهم خيرا وكان متحريا للسيرة في رعيته بالعدل شديدا على العظماء لاستطالتهم كانت على الوضعاء وبلغ من عدله أنه كان يسير إلى ماه ليصيف فأمر فنودي في مسيره ذلك في جنده وسائر من كان في عسكره أن يتحاموا مواضع الحروث ولا يضروا بأحد من الدهاقين فيها ويضبطوا دوابهم عن الفساد فيها ووكل بتعاهد ما يكون في عسكره من ذلك ومعاقبة من تعدى أمره
وكان ابنه كسرى في عسكره فعار مركب من مراكبه ووقع في محرثة من المحارث التي كانت على طريقه فرتع فيها وأفسد منها فأخذ ذلك المركب ودفع إلى الرجل الذي وكل هرمز بمعاقبة من أفسد أو دابته شيئا من المحارث وتغريمه فلم يقدر الرجل على إنفاد أمر هرمز في كسرى ولا في احد ممن كان معه في حشمه فرفع ما رأى من إفساد ذلك المركب إلى هرمز فأمر أن يجدع أذنيه ويتبر ذنبه ويغرم كسرى فخرج الرجل من عند هرمز لينفذ أمره في كسرى ومركبه ذلك فدس له كسرى رهطا من العظماء ليسألوه التغبيب في أمره فلقوه وكلموه في ذلك فلم يجب إليه فسألوه أن يؤخر ما أمر به هرمز في المركب حتى يكلموه فيأمر بالكف عنه ففعل فلقي أولئك الرهط هرمز وأعلموه أن بالمركب الذي أفسد ما أفسد زعارة وأنه عار فوقع في محرثة فأخذ من ساعة وقع فيها وسألوه أن يأمر بالكف عن جدعة وتبتيره لما فيها من سوء الطيرة على كسرى فلم يجبهم إلى ما سألوا من ذلك وأمر بالمركب فجده أذناه وبتر ذنبه وغرم كسرى مثل ما كان يغرم غيره في هذا الحد ثم ارتحل من معسكره وكان هرمز ركب ذات يوم في أوان إيناع الكرم إلى ساباط المدائن وكان ممره على بساتين وكروم وإن رجلا ممن ركب معه من أساورته اطلع في كرم فرأى فيه حصرما فأصاب منه عناقيد ودفعها إلى غلام كان معه وقال له اذهب بها إلى المنزل واطبخها بلحم واتخذ منها مرقة فإنها نافعة في هذا الإبان فأتاه حافظ ذلك الكرم فلزمه وصرخ فبلغ [ من ] إشفاق الرجل من عقوبة هرمز على تناوله من ذلك الكرم أن دفع إلى حافظ الكرم منطقة محلاة بذهب كانت عليه عوضا له من الحصرم الذي رزأ من كرمه وافتدى نفسه بها ورأى أن قبض الحافظ إياها منه وتخليته عنه منة من بها عليه ومعروف أسداه إليه وقيل إن هرمز كان مظفرا منصورا لا يمد يده إلى شيء إلا ناله وكان مع ذلك أديبا أريبا داهيا رديء النية قد نزعه أخواله الأتراك وكان مقصيا للأشراف وإنه قتل من العلماء وأهل البيوتات والشرف ثلاثة عشر ألف رجل وستمائة رجل وإنه لم يكن له رأي إلا في تألف السفلة واستصلاحهم وإنه حبس ناسا كثيرا من العظماء وأسقطهم وحط مراتبهم ودرجاتهم وجهز الجنود وقصر بالأساورة ففسد عليه كثير ممن كان حوله لما أراد الله من تغيير أمرهم وتحويل ملكهم ولكل شيء سبب وإن الهرابذة رفعوا إليه قصة يبغون فيها على النصارى فوقع فيها إنه كما لا قوام لسرير ملكنا بقائمتيه المقدمتين دون قائمتيه المؤخرتين فكذلك لا قوام لملكنا ولا ثبات له مع استفسادنا من بلادنا من النصارى وأهل سائر الملل المخالفة لنا فأقصروا عن البغي على النصارى وواظبوا على أعمال البر ليرى ذلك النصارى وغيرهم من أهل الملل [ والأديان ] فيحمدوكم عليهم وتتوق أنفسكم إلى ملتكم
مخ ۴۶۲