تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
وكان مما لقوا من ظلمه واستذلاله أنه أمر بألا تهدى بكر من جديس إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفترعها فقال رجل من جديس يقال له الأسود بن غفار لرؤساء قومه قد ترون ما نحن فيه من العار والذل الذي ينبغي للكلاب أن تعافه وتمتعض منه فأطيعوني فإني أدعوكم إلى عز الدهر ونفي الذل قالوا وما ذاك قال إني صانع للملك ولقومه طعاما فإذا جاؤوا نهضنا إليهم بأسيافنا وانفردت به فقتلته وأجهز كل رجل منكم على جليسه فأجابوه إلى ذلك وأجمع رأيهم عليه فأعد طعاما وأمر قومه فانتضوا سيوفهم ودفنوها في الرمل وقال إذا أتاكم القوم يرفلون في حللهم فخذوا سيوفهم ثم شدوا عليهم قبل أن يأخذوا مجالسهم ثم اقتلوا الرؤساء فإنكم إذا قتلتموهم لم تكن السفلة شيئا وحضر الملك فقتل وقتل الرؤساء فشدوا على العامة منهم فأفنوهم فهرب رجل من طسم يقال له رياح بن مرة حتى أتى حسان بن تبع فاستغاث به فخرج حسان في حمير فلما كان من اليمامة على ثلاث قال له رياح أبيت اللعن إن لي أختا متزوجة في جديس يقال لها اليمامة ليس على وجه الأرض أبصر منها إنها لتبصر الراكب من مسيرة ثلاث وإني أخاف أن تنذر القوم ببك فمر أصحابك فليقطع كل رجل منهم شجرة فليجعلها أمامه ويسير وهي في يده فأمرهم حسان بذلك ففعلوا ثم سار فنظرت اليمامة فأبصرتهم فقالت لجديس لقد سارت حمير فقالوا وما الذي ترين قالت أرى رجلا في شجرة ومعه كتف يتعرقها أو نعل يخصفها فكذبوها وكان ذلك كما قالت وصبحهم حسان فأبادهم وأخرب بلادهم وهدم قصورهم وحصونهم وكانت اليمامة تسمى إذ ذاك جوا والقرية وأتى حسان باليمامة ابنة مرة فأمر بها فققئت عيناها فإذا فيها عروق سود فقال لها ما هذا السواد في عروق عينيك قالت حجير أسود يقال له الإثمد كنت أكتحل به وكانت فيما ذكروا أول من اكتحل بالإثمد فأمر حسان بأن تسمى جو اليمامة
وقد قالت الشعراء من العرب في حسان ومسيره هذا فمن ذلك قول الأعشى ... كوني كمثل الذي إذ غاب وافدها ... أهدت له من بعيد نظرة جزعا ... ما نظرت ذات أشفار كنظرتها ... حقا كما صدق الذئبي إذ سجعا ... إذ قلبت مقلة ليست بمقرفة ... إذ يرفع الآل رأس الكلب فارتفعا ... قالت أرى رجلا في كفه كتف ... أو يخصف النعل لهفى أية صنعا ... فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا ... فاستنزلوا أهل جو من مساكنهم ... وهدموا شاخص البنيان فاتضعا ...
ومن ذلك قول النمر بن تولب العكلي ... هلا سألت بعادياء وبيته ... والخل والخمر التي لم تمنع ... وفتاتهم عنز عشية آنست ... من بعد مرأى في الفضاء ومسمع ... قالت أرى رجلا يقلب كفه ... أصلا وجو آمن لم يفزع ... ورأت مقدمة الخميس وقبله ... رقص الركاب إلى الصياح بتبع ... فكأن صالح أهل جو غدوة ... صبحوا بذيفان السمام المنقع ... كانوا كأنعم من رأيت فأصبحوا ... يلوون زاد الراكب المتمتع ... قالت يمامة احملوني قائما ... إن تبعثوه باركا بي أصرع ...
وحسان بن تبع الذي أوقع بجديس هو ذو معاهر وهو تبع بن تبع تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن تبع بن أقرن وهو أبو تبع بن حسان الذي يزعم أهل اليمن أنه قدم مكة وكسا الكعبة وأه الشعب من المطابخ إنما سمي هذا الاسم لنصبه المطابخ في ذلك الموضع وإطعامه الناس وأن أجيادا إنما سمي أجيادا لأن خيله كانت هنالك وأنه قدم يثرب فنزل منزلا يقال له منزل الملك اليوم وقتل من اليهود مقتلى عظيمة بسبب شكاية من شكاهم إليه من األأوس والخزرج بسوء الجوار وأنه وجه ابنه حسان إلى السندوسمرا ذا الجناح إلى خراسان وأمرهما أن يستبقا إلى الصين فمر سمر بسمرقند فأقام عليها حتى افتتحها وقتل مقاتلتها وسبى وحوى ما فيها ونفذ إلى الصين فوافى حسان بها فمن أهل اليمن من يزعم أنهما ماتا هنالك ومنهم من يزعم أنهما انصرفا إلى تبع بالأموال والغنائم
ومما كان في أيام ملوك الطوائف وما ذكره الله عز وجل في كتابه من أمر الفتية الذين أووا إلى الكهف فضرب على آذانهم
مخ ۳۷۱