تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
قال فلما رفع الله عيسى عليه السلام من بين أظهرهم وقتلوا يحيى بن زكرياء عليه السلام وبعض الناس يقول وقتلوا زكرياء ابتعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوس فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام فلما ظهر عليهم أمر رأسا من رؤوس جنوده يدعى نبوزراذان صاحب القتل فقال له إني كنت حلفت بإلهي لئن أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري إلى ألا أجد أحدا أقتله فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم وإن نبوزراذان دخل بيت المقدس فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم فوجد فيها دما يغلي وسألهم فقال يا بني إسرائيل ما شأن هذا الدم يغلي أخبروني خبره ولا تكتموني شيئا من أمره فقالوا هذا دم قربان كان لنا كنا قربناه فلم يقبل منا فلذلك هو يغلي كما تراه ولقد قربنا منذ ثمانمائة سنة القربان فيقبل منا إلا هذا القربان قال ما صدقتموني الخبر قالوا له لو كان كأول زماننا لقبل منا ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي فلذلك لم يقبل منا فذبح منهم نبوزراذان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحا من رؤوسهم فلم يهدأ فأمر فأتي بسبعمائة غلام من غلمائنهم فذبحوا على الدم فلم يهدأ فأمر بسبعة آلاف من بينهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد فلما رأى نبوزراذان الدم لا يهدأ قال لهم يا بني إسرائيل ويلكم أصدقوني واصبروا على أمر ربكم فقد طالما ملكتم في الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل ألا أترك منكم نافخ نار أنثى ولا ذكرا إلا قتلته فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوه الخبر فقالوا إن هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله فلو أطعناه فيها لكان أرشد لنا وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه فقال لهم نبوزراذان ما كان اسمه قالوا يحيى بن زكرياء قال الآن صدقتموني لمثل هذا ينتقم ربكم منكم فلما رأى نبوزراذان أنهم قد صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من كان ها هنا من جيش خردوس وخلا في بني إسرائيل ثم قال يا يحيى بن زكرياء قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم من أجلك فاهدأ بإذن الله قبل ألا أبقي من قومك أحدا فهدأ دم يحيى بإذن الله ورفع نبوزراذان عنهم القتل وقال آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل وصدقت به وأيقنت أنه لا رب غيره ولو كان معه آخر لم يصلح لو كان معه شريك لم تستمسك السموات والأرض ولو كان له ولد لم يصلح فتبارك وتقدس وتسبح وتكبر وتعظم ملك الملوك الذي يملك السموات السبع بعلم وحكم وجبروت وعزة الذي بسط الأرض وألقى فيها رواسي لا تزول فكذلك ينبغي لربي أن يكون ويكون ملكه فأوحى إلى رأس من رؤوس بقية الأنبياء أن نبوزراذان حبور صدوق والحبور بالعبرانية حديث الإيمان وأن نبوزراذان قال لبني إسرائيل إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره وإني فاعل لست أستطيع أن أعصيه قالوا له افعل ما أمرت به فأمرهم فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والإبل فذبحها حتى سال الدم في العسكر وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم حتى كانوا فوقهم فلم يظن خردوس إلا أن ما كان في الخندق من بني إسرائيل
فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى نبوزراذان أرفع عنهم فقد بلغني دماؤهم وقد انتقمت منهم بما فعلوا ثم انصرف عنهم إلى أرض بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد وهي الوقعة الأخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب إلى قوله وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ( 1 ) وعسى من الله حق فكانت الواقعة الأولى ثم رد الله لهم الكرة عليهم ثم كانت الوقعة الأخيرة خردوس وجنوده وهي كانت أعظم الوقعتين فيها كان خراب بلادهم وقتل رجالهم وسبي ذراريهم ونسائهم يقول الله عز وجل وليتبروا ما علوا تتبيرا ( 2 )
رجع الحديث إلى حديث عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام قال وكانت مريم ويوسف بن يعقوب ابن عمها يليان خدمة الكنيسة فكانت مريم إذا نفد ماؤها فيما ذكر وماء يوسف أخذ كل واحد منهما قلته فانطلق إلى المغارة التي فيها الماء الذي يستعذبانه فيملأ قلته ثم يرجعان إلى الكنيسة فلما كان اليوم الذي لقيها فيه جبرئيل وكان أطول يوم في السنة وأشده حرا نفد ماؤها فقالت يا يوسف ألا تذهب بنا نستقي قال إن عندي لفضلا من ماء أكتفي به يومي هذا إلى غد قالت لكني والله ما عندي ماء فأخذت قلتها ثم انطلقت وحدها حتى دخلت المغارة فتجد عندها جبرئيل قد مثله الله لها بشرا سويا فقال لها يا مريم إن الله قد بعثني إليك لأهب لك غلاما زكيا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ( 3 ) وهي تحسبه رجلا من بني آدم فقال إنما أنا رسول ربك قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ( 4 ) أي أن الله قد قضى أن ذلك كائن فلما قال ذلك استسلمت لقضاء الله فنفخ في جيبها ثم انصرف عنها وملأت قلتها
مخ ۳۴۹