تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
فلما سمع ذلك قومه ضجوا وكرهوا فأتوا أم أسا الملك فشكوا إليها فعل ابنها بهم وبآلهتهم ودعاءه إياهم إلى مفارقة دينهم والدخول في عبادة ربهم فتحملت لهم أمه أن تكلمه وتصرفه إلى عبادة اصنام والده فبينا الملك قاعد وعنده أشراف قومه ورؤوسهم وذوو طاعتهم إذ أقبلت الملك فقام لها الملك من مجلسه وأمرها أن تجلس فيه معرفة بحقها وتوقيرا لها فأبت عليه وقالت لست ابني إن لم تجبني إلى ما أدعوك إليه وتضع طاعتك في يدي حتى تفعل ما آمرك به وتجيبني إلى أمر إن أطعتني فيه رشدت وأخذت بحظك وإن عصيتني فحظك بخست ونفسك ظلمت إنه بلغني يا بني أنك بدأت قومك بالعظيم دعوتهم إلى مخالفة دينهم والكفر بآلهتهم والتحول عما كان عليه آباؤهم وأحدثت فيهم سنة وأظهرت فيهم بدعة أردت بذلك فيما زعمت تعظيما لوقارك ومعرفة بمكانك وتشديدا لسلطانك وفي التقصير يا بني دخلت وبالشين أخذت ودعوت جميع الناس إلى حربك وانتدبت لقتالهم وحدك أردت بذلك أن تعيد الأحرار لك عبيدا والضعيف لك شديدا سفهت بذلك رأي العلماء وخالفت الحكماء واتبعت رأي السفهاء ولعمري ما حملك على ذلك يا بني إلا كثرة طيشك وحداثة سنك وقلة علمك فإن أنت رددت علي كلامي ولم تعرف حقي فلست من نسل والدك ولا ينبغي الملك لمثلك يا بني بأي شيء تدل على قومك لعلك أوتيت من الحروف مثل ما أتى موسى إلى فرعون أن غرقه وأنجى قومه من الظلمة أو لعلك أوتيت من القوة ما أوتي داود أن قتل الأسد لقومه ولحق الذئب فشق شدقه وقتل جالوت الجبار وحده أو لعلك أوتيت من الملك والحكمة أفضل مما أوتي سليمان بن داود رأس الحكماء إذ صارت حكمته مثلا للباقين بعده يا بني إنه ما يأتك من حسنة فأنا أحظى الناس بها وإن تكن الأخرى فأنا أشقاهم بشقوتك
فلما سمعها الملك اشتد غضبه وضاق صدره فقال لها يا أمه إنه لا ينبغي أن آكل على مائدة واحدة مع حبيبي وعدوي كذلك لا ينبغي أن أعبد غير ربي هلمي إلى أمر إن أطعتني فيه رشدت وإن تركته غويت أن تعبدي الله وتكفري بكل آلهة دونه فإنه ليس أحد يرد هذا علي إلا هو لله عدو وأنا ناصره لأني عبده
قالت له ما كنت لأفارق أصنامي ولا دين آبائي وقومي وقومي ولا أترك ذلك لقولك ولا أعبد الرب الذي تدعوني إليه
فقال لها الملك حينئذ يا أمه إن قولك هذا قد قطع فيما بيني وبينك رحمي
وأمر بها الملك عند ذلك فأخرجوها وغربوها ثم أوصى إلى صاحب شرطته وبابه أن يقتلها إن هي ألمت بمكانه
فلما سمع ذلك منه الأسباط الذين كانوا حوله وقعت في قلوبهم المهابة فأذعنوا له بالطاعة وانقطعت فيما بينهم وبينه كل حيلة وقالوا قد فعل هذا بأمه فأين نقع نحن منه إذا خالفنا في أمره ولم نجبه إلى دينه فاحتالوا له كل حيلة فحفظه الله وأباد مكرهم فلما لم يكن لهم عن ذلك صبر ولا على فراق دينهم قوام ائتمروا بأن يهربوا من بلاده ويسكنوا بلادا غيرها فخرجوا متوجهين إلى زرح ملك الهند يطلبون أن يستحملوه على أسا ومن اتبعه فلما دخلوا على زرح سجدوا له فقال لهم من أنتم قالوا نحن عبيدك قال وأي عبيدي أنتم قالوا نحن من أرضك أرض الشام وأنا كنا نعتز بملكك حتى ظهر فينا ملك صبي حديث السن سفيه فغير ديننا وسفه رأينا وكفر آباءنا وهان عليه سخطنا فأتيناك لنعلمك ذلك فتكون أنت أولى بملكنا ونحن رؤوسهم وهي أرض كثير مالها ضعيف أهلها طيبة معيشتها كثيرة أنضارها وفيهم الكنوز وملك ثلاثين ملكا وهم الذين كان يوشع بن نون خليفة موسى سار بهم في البحر هو وقومه فنحن وأرضنا لك وبلادنا بلادك وليس أحد فيها يناصبك هم دافعون أيديهم إليك بغير قتال بأموالهم وأنفسهم مسالمة
قال لهم زرح لعمري ما كنت لأجيبكم إلى ما دعوتموني إليه ولا أستجيب إلى مقاتلة قوم لعلهم أطوع لي منكم حتى أبعث إليهم من قومي أمناء فإن وقع الأمر على ما تكلمتم به قدامي نفعكم ذلك عندي وجعلتكم عليها ملوكا وإن كان كلامكم كذبا فإني منزل بكم العقوبة التي تنبغي لمن كذبني
مخ ۳۰۶