تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
قال أبو مخنف وحدثني فضيل ين خديج قال لقد رأيت عبيد الله بن الحر وإنه ليطارد أصحاب خيل المختار يقاتلهم في جبانة الصائديين ولربما رأيت خيلهم تطرد خيله وإنه لوراء خيله يحميها حتى ينتهي إلى دار عكرمة ثم يكر راجعا هو خيله فيطردهم حتى يلحقهم بجبانة الصائديين ولربما رأيت خيل عبيد الله قد أخذت السقاء والسقائين فيضربون وإنما كانوا يأتونهم بالماء أنهم كانوا يعطونهم بالراوية الدينار والدينارين لما أصابهم من الجهد وكان المختار ربما خرج هو وأصحابه فقاتلوا قتالا ضعيفا ولا نكاية لهم وكانت لا تخرج له خيل إلا رميت بالحجارة من فوق البيوت ويصب عليهم الماء القذر واجترأ عليهم الناس فكانت معايشهم أفضلها من نسائهم فكانت المرأة تخرج من منزلها معها الطعام واللطف والماء قد التحفت عليه فتخرج كأنما تريد المسجد الأعظم للصلاة وكأنها تأتي أهلها وتزور ذات قرابة لها فإذا دنت من القصر فتح لها فدخلت على زوجها وحميمها بطعامه وشرابه ولطفه وإن ذلك بلغ المصعب وأصحابه فقال له المهلب وكان مجربا اجعل عليهم دروبا حتى تمنع من يأتيهم من أهليهم وأبنائهم وتدعهم في حصنهم حتى يموتوا فيه وكان القوم إذا اشتد عليهم العطش في قصرهم استقوا من ماء البئر ثم أمر لهم المختار بعسل فصب فيه ليغير طعمه فيشربوا منه فكان ذلك أيضا مما يروي أكثرهم ثم إن مصعبا أمر أصحابه فاقتربوا من القصر فجاء عباد بن الحصين الحبطي حتى نزل عند مسجد جهينة وكان ربما تقدم حتى ينتهي إلى مسجد بني مخزوم وحتى يرمي أصحابه من أشرف عليهم من أصحاب المختار من القصر وكان لا يلقى امرأة قريبا من القصر إلا قال لها من أنت ومن أين جئت وما تريدين فأخذ في يوم ثلاث نسوة للشباميين وشاكر أتين أزواجهن في القصر فبعث بهن إلى مصعب وإن الطعام لمعهن فردهن مصعب ولم يعرض لهن وبعث زحر بن قيس فنزل عند الحدادين حين تكرى الدواب وبعث عبيد الله بن الحر فكان موقفه عند دار بلال وبعث محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس فكان موقفه عند دار أبيه وبعث حوشب بن يزيد فوقف عند زقاق البصريين عند فم سكة بني جذيمة بن مالك من بني أسد بن خزيمة وجاء المهلب يسير حتى نزل جهار سوج خنيس وجاء عبدالرحمن بن مخنف من قبل دار السقاية وابتدر السوق أناس من شباب أهل الكوفة وأهل البصرة أغمار ليس لهم علم بالحرب فأخذوا يصيحون وليس لهم أمير يابن دومة يابن دومة فأشرف عليهم المختار فقال أما والله لو أن الذي يعيرني بدومة كان من القريتين عظيما ما عيرني بها وبصر بهم وبتفرقهم وهيئتهم وانتشارهم فطمع فيهم فقال لطائفة من أصحابه اخرجوا معي فخرج معه منهم نحو من مائتي رجل فكر عليهم فشدخ نحوا من مائة وهزمهم فركب بعضهم بعضا وأخذوا على دار فرات بن حيان العجلي ثم إن رجلا من بني ضبة من أهل البصرة يقال له يحيى بن ضمضم كانت رجلاه تكادان تخطان الأرض إذا ركب من طوله وكان أقتل شيء للرجال وأهيبه عندهم إذا رأوه فأخذ يحمل على أصحاب المختار فلا يثبت له رجل صمد صمده وبصر به المختار فحمل عليه فضربه ضربة على جبهته فأطار جبهته وقحف رأسه وخر ميتا ثم إن تلك الأمراء وتلك الرؤوس أقبلوا من كال جانب فلم تكن لأصحابه بهم طاقة فدخلوا القصر فكانوا فيهم فاشتد عليهم الحصار فقال لهم المختار ويحكم إن الحصار لا يزيك إلا ضعفا انزلوا بنا فلنقاتل حتى نقتل كراما إن نحن قتلنا والله ما أنا بآيس إن صدقتموه أن ينصركم الله فضعفوا وعجزوا فقال لهم المختار أما أنا فوالله لا أعطي بيدي ولا أحكمهم في نفسي ولما رأى عبدالله بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب ما يريد المختار تدلى من القصر بحبل فلحق بأناس من إخوانه فاختبأ عندهم ثم ان المختار أزمع بالخروج إلى القوم حين رأى من أصحابه الضعف ورأى ما بأصحابه من الفشل فأرسل إلى امرأته أم ثابت بنت سمرة بن جندب الفزاري فأرسلت إليه بطيب كثير فاغتسل وتحنط ثم وضع ذلك الطيب على رأسه ولحيته ثم خرج في تسعة عشر رجلا فيهم السائب بن مالك الأشعري وكان خليفته على الكوفة إذا خرج إلى المدائن وكانت تحته عمرة بنت أبي موسى الأشعري فولدت له غلاما فسماه محمدا فكان مع أبيه في القصر فلما قتل أبوه وأخذ من في القصر وجد صبيا فترك ولما خرج المختار من القصر قال للسائب ماذا ترى قال الرأي لك فماذا ترى قال أنا أرى أم الله يرى قال الله يرى قال ويحك أحمق أنت إنما أنا رجل من العرب رأيت ابن الزبير انتزى علىالحجاز ورأيت نجدة انتزى على اليمامة ومروان على الشام فلم أكن دون أحد من رجال العرب فأخذت هذه البلاد فكنت كأحدهم إلا أني قد طلبت بثأر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم إذ نامت عنه العرب فقتلت من شرك في دمائهم وبالغت في ذلك إلى يومي هذا فقاتل على حسبك إن لم تكن لك نية فقال إنا لله وإنا إليه راجعون وما كنت أصنع أن أقاتل على حسبي فقال المختار عند ذلك يتمثل بقول غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي ... ولو يراني أبو غيلان إذ حسرت ... عني الهموم بأمر ماله طبق ... لقال رهبا ورعبا يجمعان معا ... غنم الحياة وهول النفس والشفق ... إما تسف على مجد ومكرمة ... إو إسوة لك فيمن تهلك الورق ...
مخ ۴۹۱