تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
وفي هذه السنة أعني سنة ثلاثين كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة وقد ذكر في سبب إشخاصه إياه منها إليها أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها فأما العاذرون معاوية في ذلك فإنهم ذكروا في ذلك قصة كتب إلي بها السري يذكر أن شعيبا حدثه عن سيف عن عطية عن يزيد الفقعسي قال لما ورد ابن السوداء الشأم لقي أبا ذر فقال يا أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية يقول المال مال الله ألا إن كل شيء لله كأنه يريد أن يحتجمه دون المسلمين ويمحو اسم المسلمين فأتاه أبو ذر فقال ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله قال يرحمك الله يا أبا ذر ألسنا عباد الله والمال ماله والخلق خلقه والأمر أمره قال فلا تقله قال فإني لا أقول إنه ليس لله ولكن سأقول مال المسلمين قال وأتى ابن السوداء أبا الدرداء فقال له من أنت أظنك والله يهوديا فأتى عبادة بن الصامت فتعلق به فأتى به معاوية فقال هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر وقام أبو ذر بالشأم وجعل يقول يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الأغنياء وحتى شكا الأغنياء ما يلقون من الناس فكتب معاوية إلى عثمان إن أبا ذر قد أعضل بي وقد كان من أمره كيت وكيت فكتب إليه عثمان إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها فلم يبق إلا أن تثب فلا تنكأ القرح وجهز أبا ذر إلي وابعث معه دليلا وزوده وارفق به وكفكف الناس ونفسك ما استطعت فإنك تمسك ما استمسكت فبعث بأبي ذر ومعه دليل فلما قدم المدينة ورأى المجالس في أصل سلع قال بشر أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار ودخل على عثمان فقال يا أبا ذر ما لأهل الشام يشكون ذربك فأخبره أنه لا ينبغي أن يقال مال الله ولا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالا فقال يا أبا ذر علي أن أقضي ما علي وآخذ ما على الرعية ولا أجبرهم على الزهد وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد قال فتأذن لي في الخروج فإن المدينة ليست لي بدار فقال أو تستبدل بها إلا شرا منها قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعا قال فانفذ لما أمرك به قال فخرج حتى نزل الربذه فخط بها مسجدا وأقطعه عثمان صرمة من الإبل وأعطاه مملوكين وأرسل إليه أن تعاهد المدينة حتى لا ترتد أعرابيا ففعل وكتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد بن عون عن عكرمة عن ابن عباس قال كان أبو ذر يختلف من الربذة إلى المدينة مخافة الأعرابية وكان يحب الوحدة والخلوة فدخل على عثمان وعنده كعب الأحبار فقال لعثمان لا ترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف وقد ينبغي للمؤدي الزكاة إلا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان ويصل القرابات فقال كعب من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه فرفع أبو ذر محجنه فضربه فشجه فاستوهبه عثمان فوهبه له وقال يا أبا ذر اتق الله واكفف يدك ولسانك وقد كان قال له يابن اليهودية ما أنت وما ها هنا والله لتسمعن مني أو لأدخل عليك وكتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن الأشعث بن سوار عن محمد بني سيرين قال خرج أبو ذر إلى الربذة من قبل نفسه لما رأى عثمان لا ينزع له وأخرج معاوية أهله من بعده فخرجوا إليه ومعهم جراب يثقل يد الرجل فقال انظروا إلى هذا الذي يزهد في الدنيا ما عنده فقالت امرأته أما والله ما فيه دينار ولا درهم ولكنها فلوس كان إذا خرج عطاؤه ابتاع منه فلوسا لحوائجنا ولما نزل أبو ذر الربذة أقيمت الصلاة وعليها رجل يلي الصدقة فقال تقدم يا أبا ذ ر فقال لا تقدم أنت فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي اسمع وأطع وإن كان عليك عبد مجدع فأنت عبد ولست بأجدع وكان من رقيق الصدقة وكان أسود يقال له مجاشع وكتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن مبشر بن الفضيل عن جابر قال أجرى عثمان على أبي ذر كل يوم عظما وعلى رافع بن خديج مثله وكانا قد تنحيا عن المدينة لشيء سمعاه لم يفسر لهما وأبصرا وقد أخطئا وكتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد بن سوقة عن عاصم بن كليب عن سلمة بن نباتة قال خرجنا معتمرين فأتينا الربذة فطلبنا أبا ذر في منزله فلم نجده وقالوا ذهب إلى الماء فتنحينا ونزلنا قريبا من منزله فمر ومعه عظم جزور يحمله معه غلام فسلم ثم مضى حتى أتى منزله فلم يمكث إلا قليلا حتى جاء فجلس إلينا وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي اسمع وأطع وإن كان عليك حبشي مدع فنزلت هذا الماء وعليه رقيق من رقيق مال الله وعليهم حبشي وليس بأجدع وهو ما علمت وأثنى عليه ولهم في كل يوم جزور ولي منها عظم آكله أنا وعيالي قلت مالك من المال قال صرمة من الغنم وقطيع من الإبل في أحدهما غلامي وفي الآخر أمتي وغلامي حر إلى رأس السنة قلت إن أصحابك قبلنا أكثر الناس مالا قال أما إنهم ليس لهم في مال الله حق إلا ولي مثله وأما الآخرون فإنهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة وأمورا شنيعة كرهت ذكرها وفي هذه السنة هرب يزدجرد بن شهريار في قول بعضهم من فارس إلى خراسان ذكر من قال ذلك وما قال فيه ذكر علي بن محمد أن مسلمة أخبره عن داود قال قدم ابن عامر البصرة ثم خرج إلى فارس فافتتحها وهرب يزدجرد من جوز وهي أردشير خرة في سنة ثلاثين فوجه ابن عامر في أثره مجاشع بن مسعود السلمي فأتبعه إلى كرمان فنزل مجاشع السيرجان بالعسكر وهرب يزدجرد إلى خراسان قال وعبد القيس تقول وجه ابن عامر هرم بن حيان العبدي وبكر بن وائل تقول وجه ابن حسان اليشكري قال وأصحه عندنا مجاشع قال علي وأخبرنا سلمة بن عثمان وكان فاضلا عن شيخ من أهل كرمان والفضل الكرماني عن أبيه قال اتبع مجاشع يزدجرد فخرج من السيرجان فلما كان عند القصر في بيمند وهو الذي يقال له قصر مجاشع أصابهم الثلج والدمق فوقع الثلج واشتد البرد وصار الثلج قامة رمح فهلك الجند وسلم مجاشع ورجل كانت معه جارية فشق بطن بعير فأدخلها فيه وهرب فلما كان من الغد جاء فوجدها حية فحملها فسمي ذلك القصر قصر مجاشع لأن جيشه هلكوا فيه وهو على خمسة فراسخ أو ستة من السيرجان قال علي أخبرنا أبو المقدام عن بعض مشيخته قال خرج مجاشع على وفد أهل البصرة من تستر وفيهم الأحنف وأخذ في غداة واحدة على لجام واحد خمسين ألفا سبق على الصفراء ابنة الغراء ابنة الغبراء فأخذها منه عمر حين قاسم عماله الأموال قال علي قلت للنضر بن إسحاق إن أبا المقدام ذكر هذا الحديث فقال صدق سمعته من عدة من الحي وغيرهم وفرسه الصفراء ابنة الغراء ابنة الغبراء وهو مجاشع بن مسعود بن ثعلبة بن عائذ بن وهب بن ربيبعة بن يربوع بن سمال بن عوف بن امرىء القيس بن بهثة بن سليم ويكنى أبا سليمان قال وفي هذه السنة زاد عثمان النداء الثالث على الزوراء وصلى بمنى أربعا وحج بالناس في هذه السنة عثمان رضي الله عنه
مخ ۶۱۷