وكتاب آخر جرى هذا المجرى هو «تربية سلامة موسى»، فما هو أن خرج من شركة «الكاتب المصري» في 1947 حتى أعلنتني أنها أبطلت مشروعاتها في الطبع والنشر وأنها ستبيع الكتاب بالمزاد ؛ أي تبيعه بقدر ما فيه من ورق يوزن بالأقة. ولم أصب منه غير عشرين أو ثلاثين جنيها، ولكني أعده أحسن مأ ألفت؛ فإنه اعترافات صفيت فيها حسابي مع المجتمع الذي أعيش فيه وسردت حياتي بكل ما تحوي من صفاء أو غبار.
وكثير من مؤلفاتي بعد ذلك - وهي تبلغ أربعين - هي اعترافات؛ فإن «هؤلاء علموني» و«الأدب للشعب» كلاهما يبسط للقارئ ما أعتقد عن تطوري الثقافي. ولكن كثيرا أيضا من مؤلفاتي الأخرى هو تعليمي قصدت منه إلى الشرح والبسط كما فعلت في جميع كتبي عن السيكلوجية.
وهناك كتاب ألفته في 1953 كان يجب أن يؤلف قبل ذلك بنحو ثلاثين سنة هو كتاب «الثورات». وإنما أخرني عن ذلك هذا العرش الأجنبي الملوث على بلادنا ووقوف الاستعمار البريطاني السافل خلفه يؤيده لأنه كان وسيلته إلى استغلالنا. وقد كان موضوعه يختمر في ذهني منذ ألفت «مقدمة السبرمان» في 1909 التي تعد ثورية في الاجتماع والثقافة أكثر مما هي كذلك في السياسة. فقد عرضت فيه للثورات أو لبعضها الخطير التاريخ وأبرزت معانيها وأهدافها.
ومع أني لم أخرج هذا الكتاب إلا في 1953 فإن عامة القراء كانوا يجدون في مؤلفاتي السابقة اتجاهات ثورية في مختلف النشاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
وكان الحزب الاشتراكي الذي ألفته - مع حسني العرابي وغيره - ثورة في نظر النيابة العامة التي حققت معنا في 1923 بشأنه. ثم سنت بعد ذلك القوانين - بإيحاء الإنجليز - وحظرت إيجاد مثله في المستقبل.
ويقول السيكلوجيون: إن الابن الأصغر في العائلة كثيرا ما ينشأ ثائرا؛ ذلك لأن مكانه فيها هو مكان الضعف حين يستبد به إخوته الكبار ويحملونه باستبدادهم على التمرد والثورة. وهو حين يشب ويختلط بالمجتمع يتجه فيه اتجاه الثورة؛ إذ يجد في أشخاص المستبدين ذكريات غير واعية من استبداد إخوته الكبار أيام طفولته.
وقد كنت أصغر إخوتي في العائلة، ولا أذكر منذ صباي إلا أني كنت على إعجاب عظيم بعرابي ... وكانت ترجمتي بعد ذلك لكتاب بلنت «التاريخ السري للاحتلال البريطاني لمصر» من المسرات التي أسعدتني. أجل ووجهتني؛ فإن كراهتي للعرش أيام فاروق، وهي التي جعلت النيابة العامة تحبسني أسبوعين - بعضها على الأسفلت - في 1946 بدعوى التآمر على إيجاد حكم جمهوري بدلا من الحكم الملوكي، هذه الكراهة كانت تجري في سياق كراهتي لتوفيق الشقي الذي تآمر مع الإنجليز على هزيمة عرابي وتحطيم الحركة الوطنية.
إن ظروفا كثيرة سيكلوجية واجتماعية عملت لتوجيهي الثوري، كما عملت أنا بعد ذلك لهذا التوجيه للقراء. ثم كان بعد ذلك الارتباط بين المؤلف ومؤلفاته. •••
ما هو الذي يحفزني على التأليف؟
اعتقادي أنه اهتمامي بالشعب؛ أي إنه مجموعة من عواطف السخط على الحال القائمة والأمل في حال مرجوة. والسخط يثير علي غضب الكثير من الجهلة الذين لا يفهمون طبيعة الحضارة الغربية وما يكمن فيها من عدوان واستعمار للشعوب الضعيفة التي تعيش على قديمها الرث من التقاليد. ولست أنا من عشاق هذه الحضارة الغربية بدليل أني اشتراكي. فهي حضارة المباراة والاشتراكية حضارة التعاون. ولكن - لأن هذه الحضارة الغربية عدوانية استعمارية - يجب علينا أن نقاومها بأسلحتها. وأعظم هذه الأسلحة هو العلم والصناعة، مع اتجاهنا نحو الاشتراكية.
ناپیژندل شوی مخ