فرانسوي د مصري سیمو او شامي هیوادونو تسلط
ذكر تملك جمهور الفرنساوية الأقطار المصرية والبلاد الشامية
ژانرونه
ممضي الجنرال كليبر
صح وجرى بمحل المعسكر العام بالصالحية
ثم إن الجنرال كليبر من بعد ما أمضى على الشروط المقدم ذكرها نهض من أرض الصالحية ورجع إلى القاهرة، وأرسل صورة الشروط إلى المطبعة الفرنساوية وطبعها في العربية، وأرسلها إلى الديوان الخصوصي بمصر، وهو ديوان العلماء، وشاع خبرها في ساير الأقاليم المصرية، وصار فرح عظيم عند الملة الإسلامية باستنقاذ مصر من يد الفرنساوية ورجوعها إلى الدولة العثمانية، وبدأ الأمير كليبر أمير الجيوش يجمع العساكر من الأقاليم ويرسلها إلى بندر رشيد وإلى الإسكندرية، وفي هذه الفترة عزم على السفر الجنرال ديزه وبوسلنج مدبر الحدود وسافر أيضا عدة جنرالية وكوميسارية والجنرال دوكا والجنرال ويال وغيرهم، وهؤلاء جميعهم اتفقوا يبيعوا خيولهم وأثقالهم ويستحضرون لما يلزمهم في الطريق.
وأما ما كان من الوزير الأعظم فإنه من بعد مضي الشروط المقدم ذكرها أرسل فرمانا إلى مصطفى باشا كوسا أنه يكون قيمقامه في القاهرة إلى أن يحل ركابه السعيد، ثم أرسل فرمان للتاجر المعروف بمصر بأحمد المحروقي وأنه يكون مباشر مع مصطفى باشا أمور مدينة مصر وأقطارها، ثم أرسل صورة الشروط إلى الباب الأعلى وطلب مراكب السفر للفرنساوية من الإسكندرية حكم الشروط المحررة، وصار في مدينة القسطنطينية فرحا عظيما، وأمر السلطان سليم بزينة عظيمة، وضربت المدافع الكثيرة، وبدت تتجهز المراكب وتوسق البضايع من القسطنطينية وغيرها لمصر وإلى الإسكندرية، وسيأتي عنها النص، وشاع أخبار هذا الصلح في ساير الأقطار وكامل الأمصار، وكان فرح عظيم وسرور جسيم، وانتشرت الأعلام في أراضي الشام وكان عند الإسلام الفرح التام، وبدا الوزير الأعظم يتقدم بالجيوش والعساكر وكلما أخلت الفرنساوية محلا من البلاد يرسل له العساكر والأجناد.
وما زال الوزير يتسلم من الفرنساوية القلع والحصون والبلدان العامرة، إلى أن صار بالقرب من القاهرة، وحضر إليه الأمير مراد بيك الذي كان مقيم في أراضي الصعيد ومعه جملة من السناجق والكشاف، وأكرمه الوزير وأعطاه ولمن معه، وكان قد تضايق من طول الغربة، وترادفت العساكر العثمانية والجيوش السلطانية وامتدوا إلى مدينة بلبيس وإلى العادلية، وبقوا مسافة ثلاثة ساعات عن القاهرة بالجيوش الوافرة والعساكر المتكاثرة، واجتمعت عليه العربان وسكان تلك البلدان، وبقت العساكر تنوف عن ماية ألف، وخرجت أعيان مصر والعلماء والحكام وتجار وعوام إلى مقابلة وزير الختام، واندهش السمع والبصر من رؤيا ذلك العسكر والجيش المفتخر، وكادت القلوب أن تذوب من الفرح والسرور من تغيير تلك الأمور وخلاص بلاد المسلمين من يد الكافرين.
وفي أفضل الشهور وأحسن السنين تنكست أعلام الفرنساويين وسافر أكثرهم إلى الإسكندرية، وخليت منهم غالب أراضي المصرية وجعل الوزير الأعظم يرسل إلى مصطفى باشا أن يعلم الساري عسكر الأمير كليبر أنه يعجل بالخروج من مصر ولو أنه قبل الميعاد ويقيم في بلدة الجيزة، وهناك تكمل عدة الأيام المعلومة، وأخبر مصطفى باشا الأمير كليبر بذلك، فاغتاظ من ذلك الأمر وأجابه: أن الوزير أسرع بقدومه إلى أرض مصر ولم يسر على حكم ما تقرر في الشروط؛ لأجل ذلك نخشى وقوع الخلل بين العساكر؛ إذ إنني أرى عساكرهم مختلطين مع عساكرنا، وهذا ضد الشروط التي أمضينا عليها، حتى إلى الآن لم أرى الذخاير تحضرت ولا المراكب تجهزت، وأنا فلا يمكني الخروج إلى الجيزة قبل تمام الميعاد وتتميم المدة المعينة إلى آخر دقيقة، وأعرض مصطفى باشا على الوزير جواب الأمير كليبر، فلم يقنع الوزير من ذلك السبب ولم يكل من الطلب من هرج الجماهير والعصب وميل العساكر لبلوغ الأرب، إذ كان عجبهم من عجب ولا يسلم العجب من العطب، فكانوا يلجون إلى الكنانة بقلوب من الأحقاد ملآنة وفي نفوسهم الغدر والخيانة، وهذا وعسكر الفرنساوية لم تزل على حال واحد مستوية سايرين على ما بينهم مؤامنين من مكرهم.
وفي بعض الأيام جاز أحد الصلدات في أحد الشوارع فنهضوا عليه خمسة من الإنكشارية، وضربه أحدهم بالياتغان فقتله، وتراكضت الصلدات الفرنساوية وأخبرت أمير الجيوش، فأمر العساكر أن تتجهز وتستعد للمصافقة، وصارت رجة عظيمة في المدينة، فبلغ مصطفى باشا كوسا فركب حالا من منزله وحضر إلى بيت الساري عسكر فوجده في حالة الغضب مستعد للافتراس والعطب، وبدأ يعاتب مصطفى باشا ويلوم الوزير على سرعة انتقاله وعدم ضبط رجاله، ويذكره ما تقرر في الشروط من عدم اختلاط العساكر خشية من مثل هذه المشاكل والمخاطر، فأخذ مصطفى باشا يبرر ذاته ويروق عكاره ويوعده بمنع العساكر عن الدخول وبقتل القاتلين الخمسة دية المقتول، ولم يزل يرطبه بلين الخطاب حتى نزع ما بقلبه من الاضطراب، وأنعم له وأجاب، ثم نهض مصطفى باشا في الحال، وأعرض على الوزير ما حدث من التكدير، وأنذره غاية التنذير وحذره غاية التحذير، أنه يكون على حدق بصير، وينبه على الكبير والصغير، ويمنع عن الدخول إلى مصر القليل والكثير، ولا يترك أحدا يدخل إلى مدينة القاهرة خشية من وقوع المخاصمة والمشاجرة، فلما فهم الوزير الأعظم ما أعرضه مصطفى باشا غضب غضبا شديدا ما عليه مزيد، وأمر بامتناع العساكر عن الدخول إلى القاهرة وبقتل الخمسة أنفار عوضا عن المقتول، وقبض على الخمسة المذكورين وأرسل خنقهم قدام بيت الساري عسكر في بركة اليزبكية، ورقدت الفتنة واستكنت الفرنساوية. هذا والوزير الأعظم لم يزل يطلب الدخول إلى القاهرة قبل تمام الميعاد المعين في الشروط من تقمقم العساكر عليه، وأمير الجيوش لم يمكنه من ذلك حتى تتم الوعدة وتنقضي المدة، وكان الأمير كليبر يجمع الجبخانة والعساكر من القلع والحصون ولم يبق سوى القلعة الكبيرة فقط.
ولما انتهى الميعاد إلى التمام وفاض عليه خمسة أيام أرسل الأمير كليبر سرعسكر العام إلى مصطفى باشا أن يتسلم القلعة الكبيرة، وكان ذلك نهار الأربعة الواقع في ثمانية من شهر شوال ذي المعامع والأهوال فأبى مصطفى باشا أن يتسلم القلعة نهار الأربعة وذلك لما يتعقدون به من النحوسات والتنكيس، وترك التسليم إلى الخميس وكان به الخطا والتعكيس، وقد كان رحل أكثر الفرنساوية إلى بر الجيزة ولم يبق منهم سوى القليل والساري عسكر وشردمة وجيزة. وفي تلك ليلة الخميس الذي كان بدو التعكيس إذ كانوا عزموا عند الصباح يتسلم مصطفى باشا القلعة الكبيرة فحضر كتابة إلى الأمير كليبر من الجنرال سند سميت ساري عسكر الإنكليز وبه يقول: إنه لقد حضرت لي كتابة جديدة من مملكة إنكليترا كرسي الدولة الإنكليزية أنني لا أسمح لكم بالخروج من مملكة مصر إلا أسراء بيدنا من بعدما تسلمونا جميع أموالكم وكامل سلاحكم، وتسيرون معنا إلى مملكة إنكليترا كرسي دولتنا، وأما عهودكم وشروطكم مع الدولة العثمانية على التسليم والذهاب إلى مملكة باريز كرسي المشيخة الفرنساوية فهي صارت فاسدة وعلى غير قاعدة، وإذ كنا نحن الوسيطين بذلك سابقا وواضعين شهادتنا بها فلزم أننا ننبه عليكم الآن بانتقاضها من بروز الأوامر الجديدة، وذلك حكم القوانين الملوكية الدارجة بين الممالك الإفرنجية؛ لكيلا يعود على دولتنا الغدر والخيانة، فاعتمدوا تنبيهنا عليكم قبل تسليم الكنانة. فلما وصل ذلك الكتاب إلى أمير الجيوش الفرنساوية واطلع على تلك الألفاظ المنكية فاتقدت به النار وانشب من أنفه الشرار، وأحضر حالا كامل الجنرالية وباقي رؤساء العساكر وساير الفيسالية وعقد ديوانا في منزله على شاطئ بركة اليزبكية، وقرأ عليهم كتاب الجنرال سميت سرعسكر الإنكليزية فشملهم حزن عظيم وغم جسيم، وتحركت الأحقاد في القلوب وكادت أن تذوب منهم الكبود، وعظم عليهم ما في ذلك المكتوب، ونادوا جميعهم بصوت واحد وقلب جامد: الدمار الدمار بهذه الديار ولا الوقوع بهذا الاستئسار، فطفق أمير الجيوش يعج عجيج الدهوش بصوت أفظ من صوت الوحوش، ويذكرهم أفعالهم وتغيير أحوالهم، وعدم امتثالهم وحنيتهم إلى الأوطان وترك الحرب والطعان، وأن لم يقبل إلى هذا الصلح والتسليم إلا من بعد أن شاهد قلقهم العظيم ومللهم الجسيم، فأجابوه الجميع إننا لا نخرج إلا على موجب الشروط والوثاق المربوط، وبدون ذلك لا تتهيأ لنا المسالك، فنبه على وزير الختام أن يرجع إلى أراضي الشام، ويثبت لنا شروط، ويؤيد لنا خطوطه بكتابة من دولة الإنكليز، ويمضي عليها ملكهم لا من المقيم على البواغيظ بإذهابنا إلى مملكة باريز بأمن حريز، وإن كان لم يرتجع عن دربه فيلزمنا أن نتصدر لحربه، وتكون عهوده معنا غير صادقة، وقصده إخراجنا بالمخاتلة والمنافقة، ليلقينا في يد أعدائنا ويكونوا الجميع مترابطين على سفك دمانا ، فعندما نظر أمير الجيوش تمكن قلوبهم فأجابهم إلى مطلوبهم، وأوعدهم بصدهم وردهم إلى أن يبلغوا مرغوبهم، وانتهى الديوان وانصرف أوليك الأعيان وبدأ أمير الجيوش يفرق الأعلام على العساكر ويعرفهم بإبطال السفر، وشاع الخبر وانتشر وبدت العساكر ترجع إلى منازلها إذ كان خرج أكثرها إلى بر الجيزة ولم يبق منها إلا شردمة وجيزة.
وأحضر حالا مصطفى باشا وأخبره بالكتاب الذي ورد من الجنرال سميت، وأن يخبر الوزير الأعظم أن يرجع بعساكره إلى حدود العريش، ويقيم هناك بينما يخاطب دولة الإنكليز، ويستأذنهم بإخراج الجمهور الفرنساوي من مملكة مصر وإذهابهم إلى بلادهم والأوطان حكم الاتفاق المقرر في الشروط على موجب العقد المربوط، فغاص مصطفى باشا في تيار من الأفكار ليس له قرار وقال: لعمري إن هذا الخطب خطير وأمر عسير فلا حول ولا قوة إلا بالله العزيز القدير، لأنه كان ذايقا تلك الروعة وشاربا كأس اللوعة، فنزل من أمام السرعسكر كليبر وهو في هم وغم كثير، وصار إلى منزله وأعرض على الوزير ما سمعه من الجنرال كليبر، فاغتاظ الوزير غيظا عظيما وغضب غضبا جسيما، وابتدوا يتداولون كيف أنهم يحتالون على إخراج الفرنساوية من المدينة بطريقة أمينة، وإن لم يرتضوا يخرجوهم بقوة متينة، وكتب الوزير إلى السرعسكر كليبر يقول له: إنه لقد بلغنا فحوى الكتاب الذي ورد إليكم من الجنرال سميت ساري عسكر الإنكليز، وأنه قد توعد لكم بالاستئسار بعد خروجكم من هذه الديار، فكونوا أمينين مطمئنين ومن هذا القبيل غير خاشين؛ فالساري عسكر المذكور لا يستطيع أن يتعرض لكم من بعد إشهار خاطر الدولة العلية عليكم، ونحن إن شاء الله نهيئ لكم كل ما يؤول إلى راحتكم، ولا ندع الإنكليز يعارضكم، وتسيروا في مراكبنا إلى أرضكم ومواطنكم بكل أمان واطمينان بدون ثقلة ولا هوان، وحاشا أن بعد الشفقة تبدأ نحوكم القساوة، فالمراد أن تسلموا المدينة واذهبوا إلى بلدة الجيزة، وقيموا هناك بكرامة عزيزة لبينما تتجهز لكم الذخاير والمراكب، وتسيروا على حسب الشروط المقررة والعهود المحررة فقد تم وانتهى ميعاد إقامتكم في مدينة مصر ولم نعد نسمح لكم بالإقامة بها ولا يوما واحدا لأننا بالحصر وعساكرنا وافرة وجيوشنا متكاثرة وفرساننا جبابرة، ولم نكن قادرين على حجزهم عن الهجوم على القاهرة ونخشى عليكم من التلاف والعدم وتندمون حيث لا ينفعكم الندم، فقد نبهنا عليكم بالخروج، والسلام. وأرسل ذلك الفرمان ليد مصطفى باشا، وأوصله المذكور إلى أمير الجيوش الأمير كليبر، ولما وصل إليه كتاب الوزير الأعظم غضب وتقمقم، ورد جواب إلى الوزير، وهو: إن الشروط التي تعاهدنا عليها قد انتقضت وفسدت؛ لأن ساري عسكر الإنكليز من بعد إقراره بسفرنا إلى مملكة باريز نكث بعهده وخفض بوعده، وقصد لحجزنا وتهيأ لأسرنا امتثالا لأوامر دولته وتكميل وظيفته، وقد نبه علينا بذلك وأعلمنا بساير المسالك وما مهيا لنا من المهالك حسب عوايد الممالك؛ فلأجل ذلك من المستحيل أننا نخرج من هذه المملكة على شروط مشركة، أو نسير بطريق غير مسلكة، ونلقي نفوسنا بهذه المهلكة، فينبغي أن ترجعوا بعساكركم أقل ما يكون إلى مدينة بلبيس وتقيموا هناك لحينما تخرجوا لنا أوامر جديدة من دولة الإنكليز بسفرنا إلى مملكة باريز حكم الشروط والعقد المربوط، وهذا جوابنا، والسلام. ولما وصل ذلك الجواب إلى وزير الختام اعتراه الهم والاغتمام، وأخذه الاضطرام من ذلك الكلام، وتراكمت عليه الأوهام، وصعب عليه القيام بهذا الجيش الملتأم، وقامت ضجة عظيمة بذلك العسكر وصاحت الإسلام: الله أكبر، وطلبوا الهجوم على مصر والمضاربة، وكانت أمورهم غير صايبة.
وأما الوزير الأعظم كان من أعقل وزراء الدولة العثمانية مشهورا بالفطنة الزكية والأخلاق المرضية وهو من الأرهاط المستوية فبقي حايرا في هذه الأمور الردية وحدوث تلك الحركة القوية، وتاه فكره ما بين أمرين مذهلين ومشكلتين عظيمتين وخطرين جسيمين، وعظم الأمر عليه كيف يرجع إلى الورا بعد أن كان عزم على دخول القاهرة بالمواكب واللواء الفاخرة، وهو الوالي على البلاد وتحت أمره جميع العباد، وجيشه كثير الأعداد وقريب المراد، وممالك مصر بالحقيقة كانوا ينوفوا عن عشر ملايين خليقة، فلم يسعه أن يرجع على هذا المنوال وبقي قلبه خايف من الحرب والقتال خشية من الفشل وخيبة الأمل؛ لما يعلم في الفرنساوية من كامل الفروسية في حربهم الشديد، وما عندهم من المراس وقوة الباس، وتملكهم للقلع والحصون وانصبابهم على الموت والمنون، ولكن غلبت عليه قوة النفس وما أمكنه يجاوب إلا كجواب أمس، وفرق الأعلام على القبايل والعشاير، وبدأ يضم لعنده الجيوش والعساكر.
ناپیژندل شوی مخ