بتّ البارحة وعندى ضعف، وما كان عزمى أن أخرج، لكن جاءتنى عاشوراء وقالت:
اخرج عرّف النّاس مقدارى، فإنّهم ما يعرفون قدرى، فاحتجت أن أخرج، ثمّ (^١) تكلّم فى فضل عاشوراء زمانا، وحصل له حال، فقام ودوّر عمامته وقلب قميصه، ومشى إلى عند سراج الدّين وقال:
«يا خرا، برّ أمّك واجب عليك، والذى لله (^٢) شئ آخر، يا أصحابنا: قالوا له:
أعط شيئا لله قال: الذى أعطيه لله (^٣) أعطيه لأمّى، قم قم» فسحف (^٤) سراج الدّين حتّى خرج، فتبعته فقال: يا شيخ محمد: إيش ضرورة الإنسان، يجرم إجرامة كذا، ويجئ يقعد عند واحد كذا، ثمّ وزن ثلاثمائة درهم، ثمّ مشيت معه حتّى فرّقها، وأعطى والدى منها خمسين درهما ....
وحكى لى أيضا قال: عمل سماع فى دار ابن أمين الحكم، وحضر الشّيخ ورؤساء البلد وخلق كثير، وكنت من جملة الحاضرين، فحضر القوّال، وهو مظفّر، وكان يغنّى بالشبّابات والدّفوف وقال أشياء، ثم قال:
من بعد ما صدّ حبيبى ومار (^٥) … جا اليوم وزار
أبصرت ما كان أبركو من نهار … جانى حبيبى وبلغت المنى
وزال عن قلبى الشّقا والعنا … ودار كأس الأنس ما بيننا
ياما أحسن الكاسات علينا تدار … فى وسط الدّار
أنا ومحبوبى نهارا جهار
فقام الشّيخ وقال: أى والله أنا ومحبوبى نهار جهار، أى والله، وطاب وخلع جميع
(^١) هنا ينتهى الحزم السابق فى النسخة الخطية ز.
(^٢) فى ا وز: «والذى لله خير وأبقى».
(^٣) فى س وز: «للفقراء».
(^٤) سحف كزحف: تسلل وخرج، وفى الأصول «فصحف».
(^٥) مار: أى تردد؛ انظر: اللسان ٥/ ١٨٦، والقاموس ٢/ ١٣٦.