تخمیس غنیمه
مسألة وجوب تخميس الغنيمة
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام العالم العامل المفيد: محيي الدين -رحمه الله-:
الحمد لله الذي أعز الإسلام، وأوضح لعباده طرق الأحكام، ونصب لهم من وجوه الدلالة ما يميز الحلال من الحرام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم .
أما بعد:
فقد سأل سائلون عن حكم الغنائم المنقولة الحاصلة بالقهر من أموال الكفار، كالجواري، والصبيان والدواب والأثاث، إذا لم تخمس ولم تقسم القسمة الشرعية، ولم يكن الإمام قال قبل الاغتنام: ((من أخذ شيئا فهو له))، هي حلال لمن تصير إليه والحالة هذه؟
مخ ۲۵
قلت: الجواب:
أنه إنما يحل منها السلب للقاتل بشرطه، والأكل منها في دار الحرب وقبل الوصول إلى عمارة دار الإسلام.
وكذلك علف الدواب بشرطه، والنفل بشرطه.
وما سواه، لا يحل لأحد أخذ شيء منه.
ولا يحل وطء السبايا، ولا الاستمتاع بهن بقبلة ولمس ونظر وغير ذلك.
مخ ۲۶
وسبب التحريم شيئان:
أحدهما: عدم القسمة الشرعية.
والثاني: عدم التخميس.
فإن التخميس والقسمة واجبان بإجماع المسلمين وإن اختلفوا في كيفية صرف الخمس ومستحقيه، وفي كيفية القسم بين الفرسان والرجالة، وفي غير ذلك من تفصيل مسائل القسم، فذلك غير قادح في أصل إجماعهم على وجوب أصل التخميس والقسمة.
وقد تظاهر على ما ذكرته: دلائل الكتاب والسنة المستفيضة وإجماع الأمة.
قال الله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}.
مخ ۲۷
وثبت في ((الصحيحين))، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد القيس: ((آمركم بأربع))، فذكرهن، قال: ((وأن تؤدوا خمس ما غنمتم)).
وفي ((صحيح مسلم))، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد القيس: ((وأعطوا الخمس من الغنائم)).
وفي ((الصحيحين))، عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل بعض من يبعثه من السرايا لأنفسهم خاصة النفل سوى قسم عامة الجيش)).
قال : والخمس في ذلك كله واجب.
مخ ۲۸
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل قبل أن تنزل فريضة الخمس في المغنم، فلما نزلت الآية: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه}، ترك النفل الذي كان ينفل، وصار ذلك إلى خمس الخمس: سهم الله تعالى وسهم النبي صلى الله عليه وسلم )). حديث صحيح، رواه البيهقي بإسناد صحيح.
والأحاديث في إيجاب الخمس وفي تخميس النبي صلى الله عليه وسلم ، كثيرة مشهورة، في ((الصحيحين)) وفي غيرهما.
والإجماع منعقد على وجوب التخميس كما سبق، وإن اختلفوا في كيفية صرف الخمس.
وأما قسمة الأخماس الأربعة من المنقول، فمجمع عليها، وإنما اختلفوا في العقار.
مخ ۲۹
وفي الاحتجاج لما قدمناه بدلالة الإجماع أبلغ كفاية، ومع هذا، فقد تظاهرت الأحاديث المستفيضة في ((الصحيحين)) وغيرهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم غنائم خيبر وغيرها.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: ((كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين، فلما أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم، أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، لنا أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟)) فقالوا: أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت بالناس فقوموا وقولوا: إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم)).
فلما صلى صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم)).
مخ ۳۰
فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال عيينة بن بدر: أما أنا وبنو فزارة فلا!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من أمسك منكم بحقه، فله بكل إنسان ست فرائض من أول فيء نصيبه، فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم)).
مخ ۳۱
ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتبعه الناس يقولون: يا رسول الله، اقسم علينا فيئنا. فقال: ((يا أيها الناس، والذي نفسي بيده، لو كان لكم عدد شجر تهامة نعما؛ لقسمته عليكم)).
ثم قام إلى جنب بعير وأخذ من سنامه وبرة، فجعلها بين أصبعيه فقال: ((أيها الناس، والله ما لي [من] فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط؛ فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة)).
فجاءه رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر، فقال: يا رسول الله، أخذت هذا لأخيط به برذعة بعير لي دبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أما حقي منهما فلك)). فقال الرجل: أما إذا بلغ الأمر هذا، فلا حاجة لي بها. فرمى بها من يده))، رواه البيهقي بإسناد صحيح.
مخ ۳۲
فصل: قال الشيخ أبو محمد الجويني في آخر كتابه ((التبصرة في)
الوسوسة)):
أصول الكتاب والسنة والإجماع متطابقة على تحريم وطء السراري اللواتي يجلبن اليوم من الروم والهند والترك، إلا أن ينتصب [في المغانم] من جهة الإمام من يحسن قسمتها فيقسمها من غير حيف؛ لأن الخمس واجب في قليل الغنيمة وكثيرها.
قال: ((ولا خلاف [في] أن الجارية المشتركة يحرم وطؤها على جميع)
الشركاء. ولا فرق في التحريم بين من قل نصيبه أو كثر)).
فصل: إن قيل: ما تقولون في قائل يقول الآن بإباحة المنقول من الغنائم من غير تخميس ولا قسمة شرعية.
ويزعم أن العلماء اختلفوا فيها اختلافا كثيرا مشهورا وخفيا، وفعلت الأئمة فيها أفعالا مختلفة، فقسم بعضهم المال والعقار، ووقف بعضهم العقار، ورده بعضهم على الكفار بخراج، وإن الاختلاف فيه كبير، مؤذن بأن حكم الغنيمة والفيء راجع إلى رأي الإمام، يفعل فيه ما رآه مصلحة.
مخ ۳۳
فإذا فعل الإمام [الذي] تجب طاعته شيئا من ذلك؛ جاز وحل التصرف في تلك الأموال؟!
قال هذا القائل: وكيفما قسمت هذه الأموال في هذه الأزمان من زيادة ونقصان وإعطاء وحرمان، جاز، حتى لو أعطى السلطان الفرسان دون الرجالة أو عكسه، أو خصص بعض الجيش بالغنيمة، أو خص بعضهم بأكثر، جاز.
قال: وبالجملة، كيف فعل السلطان لزم حكمه، وحل ذلك المال لآخذه، وملكه بتسلمه.
قلنا: هذه الجملة غلط فاحش، وخطأ بين، وقائلها جسور، هجام على خرق الإجماع؛ فإن هذه الجملة مخالفة لإجماع الأمة الذي لا يحل لمكلف مخالفته، بل هي مخالفة لنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ويكفي في ردها منابذة قائلها جميع الأمة من السلف والخلف، وقد قال الله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}.
مخ ۳۴