واقرأ هذه الإرشادات المتوالية التي يوجهها الجاحظ لوزيره، واجعل صورة مكيافلي ماثلة أمامك في كل ما تقرره للجاحظ هنا، لتعلم مدى البون بين ناصح وناصح، فبينما يقول مكيافلي لأميره: إن الأمير الذي يريد حفظ كيان دولته، لا بد له في كثير من الأحيان أن يخالف الذمة والمروءة والإنسانية والدين، يقول الجاحظ لوزيره أن يحذر الافتئات على حق إنسان لضعفه، بل إن سمو الحكم هو في أن يغلب الحاكم نفسه ليكون في نصرة الضعيف، فالحلم - مثلا - كما يقول الجاحظ حلمان، أشرفهما حلمك عمن هو دونك، والصدق صدقان، أعظمهما صدقك فيما يضرك، والوفاء وفاءان، أسناهما وفاؤك لمن لا ترجوه ولا تخافه، تلك هي - كما يقول - أركان الدين، وهي كذلك أركان الدنيا. ويستطرد الجاحظ مرشدا للوزير: احذر المفاخرة بالأنساب ... اقتصد في مزاحك فإن الإفراط فيه يذهب بالبهاء، ويجرئ عليك أهل الدناءة، وإن التقصير فيه يقبض عنك المؤانسين، «وأنا أوصيك بخلق قل من رأيته يتخلق به ... ألا يحدث لك، انحطاط من حطت الدنيا من إخوانك استهانة به ... ولا يحدث لك ارتفاع من رفعت الدنيا منهم تذللا وإيثارا على نظراته في الحفظ والإكرام» ... •••
تلك صور للإنسان الأكمل صورها السالفون، فإن يكن عسيرا على الطبع أن يجربها في معاملات الحياة الواقعة، فلا أقل من أن نرفعها أمام الأبصار نموذجا، وإن القوم ليعرفون بمثلهم العليا كما يعرفون بتاريخهم الواقع، قد يعابون بهذا ويمدحون بذاك، لكن الجانبين معا يكونان الصورة الحق، إذا أردنا الإنصاف. (ب) الإنسان العربي، كيف يواجه الطبيعة؟
ماذا يكتب الكاتب العربي ، حين تكون الثقافة القومية عنده هي موضوع النظر، سوى أن يلتمس لها موضعا بين ثقافات عصره، فتسايرها بما يجعلها متفقة مع روح العصر، وتخالفها بما يحفظ لها كيانها المتميز؟ وأما المسايرة فأدنى درجاتها أن نشارك أبناء عصرنا همومهم ومشكلاتهم، بحيث تكون المسائل الرئيسية المطروحة للبحث هي نقطة الالتقاء التي يجتمع عندها المفكرون جميعا، كل بوجهة نظره، فالذي يجعل العصر الفكري المعين عصرا واحدا ليس هو أن تتفق إجابات المفكرين عن الأسئلة المطروحة، بل هو أن تكون الأسئلة المعينة الواحدة مطروحة للجميع، أما أن يكون موضوع البحث الرئيسي في هذا الركن من أركان العالم هو كذا، وفي ذلك الركن هو كيت، فعندئذ لا يكون الركنان كائنين في عالم واحد بالمعنى التاريخي، برغم أنهما واقعان في عالم واحد بالمعنى الجغرافي لهذه العبارة. وانظر نظرة الطائر إلى عصور الفكر المتعاقبة، تجد أن سقراط وأفلاطون وأرسطو يكونون عصرا فكريا واحدا؛ لأن المسائل الرئيسية الموضوعة عندهم للبحث واحدة، لا لأنهم اتفقوا في الرأي حولها. وتجد جماعة المتكلمين في تاريخ الفكر الإسلامي يكونون مدرسة واحدة ويعيشون معا في عصر فكري واحد؛ لأن أمهات المسائل التي عرضوها للنظر واحدة عندهم جميعا على وجه التقريب، لا لأنهم أجابوا كلهم عنها بجواب واحد، وكذلك قل في جماعة الفقهاء وجماعة الفلاسفة، وكذلك أيضا قل في تاريخ الفكر الأوروبي الحديث منذ النهضة إلى يومنا، فكان للقوم في كل قرن من زمان مسائل رئيسية تنشأ، فيختلفون في حلولها، لكن يتفقون في جعلها موضوع البحث والنظر، فيكونون بهذا الاتفاق أبناء عصر فكري واحد ... وعلى هذا الأساس نفسه، نقول إن المفكر العربي في عصرنا إنما يساير عصره الفكري، لا بكونه يردد الإجابات التي يجيب بها سواه في هذا الجزء أو ذاك من أجزاء العالم، بل هو يساير عصره بأن يشارك زملاءه المفكرين في مشكلات بعينها أنشأتها لهم جميعا ظروف العصر الواحد وحوادثه.
تلك هي المسايرة، وأما كيف يجيء الاختلاف بما يحفظ لثقافتنا العربية كيانها المتميز الفريد، فذلك واضح فيما أظن، فالأمة العربية تتكلم لغة خاصة بها، ليست هي الإنجليزية ولا الفرنسية، ولألفاظ اللغة وطرائق تركيبها جذور عميقة في طريقة الإنسان عندما يتناول الطبيعة من حوله بكل ما فيها ومن فيها. فانظر - مثلا - في اختلاف لغة عن لغة في التعبير عن الزمن، تجد فروقا شاسعة في اللفتة العقلية عند أصحاب اللغتين، فقد يكون موضع الاهتمام عند فريق هو أن تجيء «الأفعال» في اللغة دالة على الضبط الزمني بين حادث سبق وحادث لحق، على حين يكون موضع الاهتمام عند فريق آخر هو مضمون الأحداث لا ترتيبها الزمني، أو انظر إلى اختلاف لغة عن لغة في العناية بأن يجيء ترتيب الألفاظ دالا على ترتيب أجزاء الفكرة، فاللغة التي لا تتغير أواخر كلماتها في الإعراب تعتمد كل الاعتماد في تنظيم الفكرة على ترتيب اللفظ، وأما اللغة التي تتغير أواخر كلماتها في الإعراب فأكثر مرونة وحرية؛ لأنها تستطيع أن تقدم وأن تؤخر، معولة في فهم الفكرة، لا على ترتيب لفظها، بل على شكل أواخر كلماتها، ففي الأولى دقة العلم وفي الثانية ليونة الشعر، الأولى أقرب إلى الآلات الحاسبة الحديثة التي تسير عملياتها في طريق واحد لا اختيار فيه؛ ومن ثم تأتي دقة النتيجة، والثانية أقرب إلى الكائنات الحية، لها أن تختار أكثر من طريق ما دام الهدف واضحا أمامها.
أقول: إن الكاتب العربي إذ يشارك معاصريه همومهم، فهو قمين أن يختلف في طريقة التفكير وطريقة الحل، اختلافا يحفظ له كيانه المتميز أولا؛ لأن له لغته الخاصة بكل ما تؤدي إليه تلك اللغة من أسلوب في تناول المشكلات، وثانيا لأن لأمته وضعا خاصا وضعتها فيه ظروف التاريخ الحديث، ذلك أنها غلبت على أمرها أمدا طال هنا وقصر هناك، والذي غلبها على أمرها كان إما حامل سلاح لم تحمل هي مثله، وإما حامل علم لم تحمل هي ما يشبهه، فإذا ما أزاحت عن كاهلها هذا العبء وأخذت تحمل السلاح وتحمل العلم ما استطاعت إليهما من سبيل، فهل يعقل - والحالة هذه - أن ينظر الغالب والمغلوب إلى مسألة بعينها، فينظرا إليها بعين واحدة ؟ أئذا أخذت الغالب القديم نظرة تشاؤم إلى المستقبل بعد أن فقد سلطانه وهيلمانه، يلزم أن ينظر المغلوب إلى المستقبل بهذا التشاؤم نفسه مع أنه في سبيله إلى أن يكون ذا هيلمان وسلطان؟ أئذا نظر شباب الغالب القديم إلى آبائه فيئس من حكمتهم التي بليت، وخرج عليهم مثل هذا الخروج الجامح الذي نشهده كل يوم أشكالا وألوانا، يلزم أن ينظر شباب الأمة التي هي في طريقها إلى الخروج من محنتها إلى آبائه نظرة اليأس نفسها مع أن الآباء هنا هم الذين حملوا لهم ألوية النصر في المعارك؟ إنه ليكفي الكاتب العربي أن تكون أحداث العصر قد ألقت في وجهه شيئا اسمه إسرائيل، لتكون وجهة نظره إلى مشكلات العصر وحوادثه مختلفة أشد اختلاف مع زملائه الكتاب من الجماعات التي اقترفت في حقه هذا الجرم، حين ينظر معهم إلى مسائل العصر وحلولها.
والكاتب العربي قمين كذلك أن يخالف المفكرين المعاصرين إذ يشاركهم النظر في الأمور المطروحة للبحث، لا لأنه مختلف بحكم لغته - أي بحكم أسلوب تفكيره - ولا لأنه قد وضع في ظروف سياسية واجتماعية شاذة فحسب، بل لأنه أيضا يرث تاريخا غير التاريخ الذي يرثه الآخرون، فهذا التاريخ يحمل إلينا على موجة تقاليد، قد نقبلها وقد نرفضها وقد ندخل عليها تعديلا، لكننا في جميع هذه الحالات منشغلون بها انشغالا ينعكس على طريقة النظر. هكذا يساير الكاتب العربي عصره إذ يسايره، وهكذا يتخذ لنفسه موقفا فريدا إذ يختلف عن معاصريه بما يحفظ له شخصيته وكيانه. •••
ومن المسائل المعروضة في المناخ الفكري لعصرنا، مسألة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، ما حقيقتها وعلى أين نحو تكون؟ وليس الموضوع ابن اليوم، فهو من الموضوعات القليلة التي ما انفكت قائمة تتحدى المفكرين، ويكون لكل عصر طريقته في معالجتها، مستضيئا بمبادئ مما يكون قائما شائعا عندئذ، فقد يكون من هذه المبادئ الأولية الشائعة في عصر معين أن كل ما في الكون حياة وأحياء، وأنه ليس في الكون الفسيح جماد موات. وإذن فالإنسان بالنسبة إلى بقية الكائنات الحية درجة عليا في سلم متدرج، يختلف إدراكه عن إدراكها في درجة الوضوح فقط، لا في أنه هو وحده المدرك وبقية الكائنات صماء بغير إدراك. وقد تكون المبادئ الأولية الشائعة في العصر المعين نقيض ذلك، بأن تفترض أن كل ما في الكون - إنسانا وغير إنسان - مجموعات ذرية، تجتمع على صورة ما فتكون كائنا معينا، ثم تجتمع على صورة أخرى فتكون كائنا آخر، وإذن فالإنسان بالنسبة إلى بقية الكائنات في هذه الحالة تشكيل بين صنوف منوعة من تشكيلات المادة، له خصائصه التي يمكن أن تقاس بالعلم وتضبط قوانينه، وقد تكون المبادئ الأولية الشائعة هي رفض هذا التجانس بين الإنسان وغيره - حيوانا أو جمادا - فلئن كانت النظرة الأولى قد جانست بينهما في الحياة والإدراك، والنظرة الثانية قد جانست بينهما في عناصر التكوين المادية، فالنظرة الثالثة تأبى أن تجانس بينهما في شيء، وتجعل الإنسان في منزلة وحده دون سائر الأحياء والأشياء، ولكل نظرة من هذه النظرات نتائجها التي تظل تتسع حتى تشمل أوضاع الحياة جميعا.
فلما جاء عصرنا هذا الذي نحياه، وجد مسرح الفكر في هذا الموضوع لا يكاد يشغله إلا أصحاب نظرة ازدواجية تقابل بين الإنسان في طرف والطبيعة في الطرف الآخر، لكنه سرعان ما تبين أن مثل هذه النظرة قد لا تتسق مع الفيزياء النووية التي تسود عصرنا، ولا مع النظريات القائمة بالنسبة إلى تطور الأحياء، فأخذ فلاسفته يميلون شيئا فشيئا إلى أن يحلوا ضربا من الوحدانية بين الإنسان والطبيعة محل الازدواجية القديمة، على اختلاف بينهم في الطريقة التي يوحدونها بها، ففريق يختار في هذا التوحيد تعقيلا للطبيعة، أي أن يجعل الطبيعة عاقلة في سيرها كالإنسان سواء بسواء، وفريق آخر يختار تطبيعا للعقل، أي أن يجعل العقل ظاهرة كأية ظاهرة أخرى في الطبيعة، يبحث بالمنهج العلمي نفسه الذي تبحث به سائر الظواهر.
لكننا نريد مزيدا من الشرح، لنرى بعد ذلك أي موقف يحسن بالمفكر العربي أن يقفه من الأمر، فيساير الزملاء في موضوع البحث، وينفرد دونهم بوجهة النظر؟
كانت المواجهة الأساسية بين الإنسان والطبيعة، التي ظفرت بالعناية من فلاسفة الغرب بصفة عامة، وفي القرون الحديثة البادئة في عصر النهضة الأوروبية بصفة خاصة، مواجهة الذات العارفة بالشيء المعروف، فالإنسان يدرك ما حوله ثم يتصرف على أساس إدراكه، وسؤالهم الرئيسي هو: كيف يتاح للإنسان أن يدرك ما يدركه؟ أبالحواس يدركه؟ أم بالعقل المحض، أم بأداة أخرى لا هي مرهونة بحاسة ولا عقل، كالحدس مثلا؟ (الحدس هو المصطلح الفلسفي لما قد نسميه «البصيرة»)، وكان هذا السؤال يتضمن فيما يتضمنه أن الذات الإنسانية وهي التي تعرف، والطبيعة المحيطة بالإنسان، وهي التي تعرف (بضم التاء وفتح الراء) جوهران مختلفان، قوام الذات روح وقوام الطبيعة مادة، وفي إدراك الروحاني للمادي صعوبات تحتاج من الفلاسفة إلى توضيح، ما دام الطرفان - الطرف العارف والطرف المعروف - على هذه الدرجة كلها من الاختلاف.
ناپیژندل شوی مخ