رفع النادل صينية الكئوس المصلصلة إلى ارتفاع الأكتاف وحملها على صفحة يده. «أظن أن شراب الجن الفوار سوف يمحو أثر كل ذلك الويسكي ولكني أريد كأسا منه ... اشرب شيئا، ألن تفعل يا كونغو؟» وضع بولوك إحدى قدميه على القضيب النحاسي وأخذ رشفة من الشراب. قال على مهل: «كنت أتساءل عما إذا كانت هناك أي معلومات تتداول في الأرجاء حول جريمة القتل هذه التي وقعت في الشارع.» «لكل نظريته حول الأمر ...»
لمح جيمي غمزة فاترة من إحدى عيني كونغو السوداوين العميقتين. سأل كي يمنع نفسه من الضحك: «هل تعيش هنا؟» «أسمع في منتصف الليل صوت سيارة تمر بسرعة كبيرة وقد شغل قاطع تيارها. أظن أنها ربما قد صدمت شيئا لأنها توقفت سريعا جدا ورجعت أسرع، بأسرع ما يمكن.» «هل سمعت صوت إطلاق رصاص؟»
هز كونغو رأسه على نحو يبعث على الشعور بالغموض. «إنني أسمع أصواتا، أصواتا غاضبة جدا.»
قال بولوك وهو يتجرع آخر القطرات في شرابه: «يا إلهي، سأبحث في هذا. دعنا نعد إلى الفتيات.» •••
كانت إلين تنظر إلى وجه النادل المتجعد كحبة جوز بعينيه الشبيهتين بعيني سمكة وهو يسكب القهوة. كان بالدوين يميل للخلف في كرسيه محدقا إليها عبر رموشه. وكان يتحدث بصوت رتيب منخفض: «ألا ترين أنني سيجن جنوني إن لم أحظ بك. لم أرغب في شيء قط من العالم سواك.» «جورج، لا أريد أن أكون ملكا لأحد ... ألا يمكنك أن تفهم أن المرأة تريد بعض الحرية؟ فلتحظ بروح رياضية حيال الأمر. سأضطر إلى الذهاب إلى المنزل إذا كنت ستتحدث هكذا.» «لماذا تركتني معلقا إذن؟ أنا لست من هذا النوع من الرجال الذي يمكنك أن تلعبي به باعتبارك امرأة متسلطة. أنت تعرفين ذلك جيدا.»
نظرت إليه مباشرة بعينين رماديتين واسعتين، وقد أضفى الضوء لمعانا ذهبيا على النقاط البنية الصغيرة في حدقتيها. «ليس من السهل أبدا على المرء ألا يكون بمقدوره تكوين الأصدقاء.» نظرت لأسفل إلى أصابعها على حافة الطاولة. كانت عيناه على البريق النحاسي على طول رموشها. قطع فجأة الصمت الذي كان يضيق بينهما. «على أي حال دعنا نرقص.» «لقد طفت العالم ثلاث مرات
في رحلاتي.»
همهم كونغو جيك وخافق الشراب اللامع يترجرج بين يديه المشعرتين. كانت الحانة الضيقة المغطاة بالورق الأخضر تعج بها وتكتنفها أصوات الفوران والفحيح الدوامي للشراب، والصلصلة الحادة للثلج والكئوس، ولحن موسيقي عارض من الغرفة الأخرى. وقف جيمي هيرف وحده في الركن يحتسي كأسا من الجن الفوار. وبجواره كان جاس ماك نيل يصفع بولوك على ظهره ويزأر في أذنه: «عجبا ، إن لم يغلقوا البورصة ... يا إلهي ... ثمة فرصة قبل الإفلاس ... حسنا، أستحلفك لا تنس. وقت الذعر هو الوقت المناسب لكسب المال للرجل الحصيف.» «كانت هناك بعض الإخفاقات الكبيرة بالفعل، ولم تكن هذه سوى النفحة الأولى ...» «لا تطرق الفرصة باب الشباب سوى مرة واحدة ... استمع لما أقول، عندما يلحق فشل كبير بإحدى شركات السمسرة، فبوسع الرجال الصادقين أن يهنئوا أنفسهم ... لكنك لن تكتب كل ما أقوله لك في الصحف، أليس كذلك؟ ثمة رجل صالح ... معظمكم تراوغون وتتقولون على الناس. لا يمكنني الوثوق في أحد منكم. ولكني سأخبرك بشيء، تعليق العمل أمر رائع بالنسبة إلى المقاولين. فلم تعد هناك أعمال بناء للمنازل في ظل الحرب على أي حال.» «لن يستمر الأمر لأكثر من أسبوعين، ولا أرى له علاقة بنا على أي حال.» «ولكن الأحوال ستتأثر في جميع أنحاء العالم ... الأحوال ... مرحبا يا جوي، ماذا تريد بحق الجحيم؟» «أود أن أتحدث معك على انفراد لمدة دقيقة يا سيدي. فثمة بعض الأخبار المهمة ...»
فرغت الحانة شيئا فشيئا. وكان جيمي هيرف لا يزال واقفا في الطرف مستندا إلى الجدار. «أنت لا تسكر أبدا يا سيد هيرف.» جلس كونغو جيك خلف منضدة الشراب كي يتناول فنجانا من القهوة. «أفضل مشاهدة الآخرين وهم يسكرون.» «جيد جدا. فلا فائدة من إنفاق الكثير من المال والإصابة بألم في الرأس في اليوم التالي.» «ليست هذه طريقة حديث ساق في حانة.» «إنني أقول ما أعتقد فيه.» «اسمع، لقد كنت دوما أريد أن أسألك ... أتمانع من إخباري؟ ... لماذا أسموك كونغو جيك؟»
ضحك كونغو عميقا من قلبه. «لا أعلم ... عندما كنت صغيرا جدا وذهبت إلى البحر أول مرة نادوني بكونغو لأن لدي شعرا مجعدا وبشرة داكنة كالزنوج. ثم عندما عملت في أمريكا، على متن سفينة أمريكية وكل ذلك، سألني رجل قائلا كيف حالك يا كونغو؟ وقلت له إن اسمي جيك ... لذا أسموني كونغو جيك.» «يا لها من كنية ... ظننت أنك كنت في رحلة بحرية.» «إنها حياة صعبة ... أقر يا سيد هيرف أن حظي سيئ. عندما أتذكر الماضي فأول ما يخطر ببالي هو أيام كنت أعمل في أحد الصنادل ... في قناة ... كان هناك رجل كبير يضربني كل يوم ولم يكن أبي. ثم هربت وعملت في المراكب الشراعية داخل وخارج مدينة بوردو، أترى؟» «كنت هناك في طفولتي على ما أظن ...» «بالتأكيد ... تفهم هذه الأشياء يا سيد هيرف. لكن رجلا مثلك، بتعليمك الجيد وكل ذلك، لا يعرف ما حقيقة الحياة. عندما كنت في السابعة عشرة جئت إلى نيويورك ... ليس بالأمر الجيد. لم أفكر في شيء سوى أن أحظى بالمرح. ثم ركبت البحر مرة أخرى وذهبت بعيدا في كل مكان. تعلمت في شنغهاي تحدث اللغة الأمريكية والعمل في الحانات. ثم عدت إلى مدينة فريسكو وتزوجت. والآن أريد أن أكون أمريكيا. ولكن سوء الحظ يلاحقني مرة أخرى، أترى؟ قبل أن أتزوج تلك الفتاة، عشت أنا وهي معا لمدة عام كالشهد، ولكننا لم نكن بأفضل حال عندما تزوجنا. فهي تسخر مني وتدعوني فرينشي لأنني لا أجيد تحدث اللغة الأمريكية، ولم تعد تخرج من المنزل فطردتها. إن حياة الرجل منا لعجيبة.» «لقد طفت العالم ثلاث مرات
ناپیژندل شوی مخ