تهافت التهافت
تهافت التهافت
[87] قال ابو حامد فان قيل هذا الاشكال انما لزم على ابن سينا حيث زعم ان الاول يعلم غيره فاما المحققون من الفلاسفة فقد اتفقوا على انه لا يعلم الا نفسه فيندفع هذا الاشكال فنقول ناهيكم خزيا بهذا المذهب ولو لا انه فى غاية الركاكة لما استنكف المتأخرون عن نصرته ونحن ننبه على وجه الخزى فيه فان تفضيل معلولاته عليه اذ الملك والانسان وكل واحد من العقلاء يعرف نفسه ومبدأه ويعرف غيره . والاول لا يعرف الا نفسه فهو ناقص بالاضافة الى آحاد الناس فضلا عن الملائكة بل البهيمة مع شعورها بنفسها تعرف امورا أخر سواها . ولا شك فى ان العلم شرف وان عدمه نقصان فاين قولهم انه عاشق ومعشوق لان له البهاء الاكمل والجمال الاتم وأى جمال لوجود بسيط لا ماهية له ولا حقيقة ولا خبر له بما يجرى فى العالم ولا بما يلزم ذاته ويصدر منه وأى نقصان فى عالم الله يزيد على هذا . وليتعجب العاقل من طائفة يتعمقون فى المعقولات بزعمهم ثم ينتهى نظر هم الى ان رب الارباب ومسبب الاسباب لا علم له اصلا بما يجرى فى العالم وأى فرق بينه وبين الميت الا فى علمه بنفسه واى كمال فى علمه بنفسه مع جهله بغيره وهذا مذهب تغنى صورته فى الافتضاح عن الاطناب والايضاح . ثم يقال لهؤلاء لم تتخلصوا من الكثرة مع اقتحام هذه المخازى فانا نقول علمه بذاته عين ذاته أو غير ذاته فان قلتم انه غيره فقد جاءت الكثرة وان قلتم انه عينه فما الفصل بينكم وبين القائل ان علم الانسان بذاته عين ذاته وهو حماقة اذ يعقل وجود ذاته فى حالة هو فيها غافل عن ذاته ثم تزول غفلته ويتنبه لذاته فيكون شعوره بذاته غير ذاته لا محالة فان قلتم ان الانسان قد يخلو عن العلم بذاته فيطرا عليه فيكون غيره لا محالة فنقول الغيرية لا تعرف بالطريان والمقارنة فان عين الشىء لا يجوز ان يطرا على الشىء وغير الشىء اذا قارن الشىء لم يصر هو هو ولم يخرج عن كونه غيرا فبأن كان الاول لم يزل عالما بذاته لا يدل على ان علمه بذاته عين بذاته ويتسع الوهم لتقدير الذات ثم طريان الشعور ولو كان هو الذات بعينه لما تصور هذا التوهم فان قيل ذاته عقل وعلم فليس له ذات ثم علم قائم به قلنا الحماقة ظاهرة فى هذا الكلام فان العلم صفة وعرض يستدعى موصوفا وقول القائل هو فى ذاته عقل وعلم كقوله هو قدرة وارادة وهو قائم بنفسه ولو قيل به فهو كقول القائل فى سواد وبياض انه قائم بنفسه وفى كمية وتربيع وتثليث انه قائم بنفسه وكذا فى كل الاعراض وبالطريق التى يستحيل ان تقوم صفات الاجسام بنفسها دون جسم هو غير الصفات بعين تلك الطريق يعلم ان صفات الاحياء من العلم والحياة والقدرة والارادة ايضا لا تقوم بنفسها وانما تقوم بذات فالحياة تقوم بالذات فتكون حياته بها وكذلك سائر الصفات فاذا لم يقنعوا بسلب الاول سائر الصفات ولا بسلبه الحقيقة والماهية حتى سلبوه ايضا القيام بنفسه وردوه الى حقائق الاعراض والصفات التى لا قوام لها بنفسها . على انا سنبين بعد هذا عجزهم عن اقامة الدليل على كونه عالما بنفسه وبغيره فى مسألة مفردة
مخ ۳۵۶