تفسير میزان
تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي
ژانرونه
وثانيا: إنه سبحانه لم ينف عن خليفة الأرض الفساد وسفك الدماء، ولا كذب الملائكة في دعويهم التسبيح والتقديس، وقررهم على ما ادعوا، بل إنما أبدى شيئا آخر وهو أن هناك أمرا لا يقدر الملائكة على حمله ولا تتحمله ويتحمله هذا الخليفة الأرضي فإنه يحكي عن الله سبحانه أمرا ويتحمل منه سرا ليس في وسع الملائكة، ولا محالة يتدارك بذلك أمر الفساد وسفك الدماء، وقد بدل سبحانه قوله: قال إني أعلم ما لا تعلمون ثانيا بقوله: ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض، والمراد بهذا الغيب هو الأسماء لا علم آدم بها فإن الملائكة ما كانت تعلم أن هناك أسماء لا يعلمونها، لا أنهم كانوا يعلمون وجود أسماء كذلك ويجهلون من آدم أنه يعلمها، وإلا لما كان لسؤاله تعالى إياهم عن الأسماء وجه وهو ظاهر بل كان حق المقام أن يقتصر بقوله: قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم حتى يتبين لهم أن آدم يعلمها لا أن يسأل الملائكة عن ذلك، فإن هذا السياق يعطي أنهم ادعوا الخلافة وأذعنوا انتفاءها عن آدم وكان اللازم أن يعلم الخليفة بالأسماء فسألهم عن الأسماء فجهلوها وعلمها آدم، فثبت بذلك لياقته لها وانتفاؤها عنهم، وقد ذيل سبحانه السؤال بقوله: إن كنتم صادقين، وهو مشعر بأنهم كانوا ادعوا شيئا كان لازمه العلم بالأسماء.
وقوله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم، مشعر بأن هذه الأسماء أو أن مسمياتها كانوا موجودات أحياء عقلاء، محجوبين تحت حجاب الغيب وأن العلم بأسمائهم كان غير نحو العلم الذي عندنا بأسماء الأشياء، وإلا كانت الملائكة بإنباء آدم إياهم بها عالمين وصائرين مثل آدم مساوين معه، ولم يكن في ذلك إكرام لآدم ولا كرامة حيث علمه الله سبحانه أسماء ولم يعلمهم، ولو علمهم إياها كانوا مثل آدم أو أشرف منه، ولم يكن في ذلك ما يقنعهم أو يبطل حجتهم، وأي حجة تتم في أن يعلم الله تعالى رجلا علم اللغة ثم يباهي به ويتم الحجة على ملائكة مكرمين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون بأن هذا خليفتي وقابل لكرامتي دونكم؟ ويقول تعالى أنبئوني باللغات التي سوف يضعها الآدميون بينهم للإفهام والتفهيم إن كنتم صادقين في دعويكم أو مسألتكم خلافتي، على أن كمال اللغة هو المعرفة بمقاصد القلوب والملائكة لا تحتاج فيها إلى التكلم، وإنما تتلقى المقاصد من غير واسطة، فلهم كمال فوق كمال التكلم، وبالجملة فما حصل للملائكة من العلم بواسطة إنباء آدم لهم بالأسماء هو غير ما حصل لآدم من حقيقة العلم بالأسماء بتعليم الله تعالى فأحد الأمرين كان ممكنا في حق الملائكة وفي مقدرتهم دون الآخر، وآدم إنما استحق الخلافة الإلهية بالعلم بالأسماء دون إنبائها إذ الملائكة إنما قالوا في مقام الجواب: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، فنفوا العلم.
فقد ظهر مما مر أن العلم بأسماء هؤلاء المسميات يجب أن يكون بحيث يكشف عن حقائقهم وأعيان وجوداتهم، دون مجرد ما يتكفله الوضع اللغوي من إعطاء المفهوم فهؤلاء المسميات المعلومة حقائق خارجية، ووجودات عينيه وهي مع ذلك مستورة تحت ستر الغيب غيب السماوات والأرض، والعلم بها على ما هي عليها كان أولا ميسورا ممكنا لموجود أرضي لا ملك سماوي وثانيا دخيلا في الخلافة الإلهية.
والأسماء في قوله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها، جمع محلى باللام وهو يفيد العموم على ما صرحوا به، مضافا إلى أنه مؤكد بقوله: كلها، فالمراد بها كل اسم يقع لمسمى ولا تقييد ولا عهد، ثم قوله: عرضهم، دال على كون كل اسم أي مسماه ذا حياة وعلم وهو مع ذلك تحت حجاب الغيب، غيب السموات والأرض.
مخ ۶۵