[الفاتحة: 3] فاننا نستحضر الرحمة والمغفرة ومقابلة الإساءة بالإحسان وفتح باب التوبة.. وحين نستحضر : { ملك يوم الدين } [الفاتحة: 4] نستحضر يوم الحساب وكيف أن الله تبارك وتعالى سيجازيك على أعمالك.
. فإذا استحضرنا هذا كله نقول: { إياك نعبد } [الفاتحة: 5] أي أننا نعبد الله وحده.. إذن عرفنا المطلوب منا وهو العبادة. وهنا نتوقف قليلا لنتحدث عما يطلقون عليه في اللغة " العلة والمعلول " إذا أراد ابنك أن ينجح في الامتحان فإنه لابد أن يذاكر.. وعلة المذاكرة هي النجاح.. فكأن النجاح ولد في ذهني أولا بكل ما يحققه لي من ميزات ومستقبل مضمون وغير ذلك مما أريده وأسعى إليه. إذن فالدافع قبل الواقع.. أي أنك استحضرت النجاح في ذهنك.. ثم بعد ذلك ذاكرت لتجعل النجاح حقيقة واقعة. وأنت إذا أردت مثلا أن تسافر إلى مكان ما فالسيارة سبب يحقق لك ما تريد وقطع الطريق سبب آخر. ولكن الدافع الذي جعلني أنزل من بيتي واركب السيارة وأقطع الطريق هو أنني أريد أن أسافر إلى الإسكندرية مثلا.. الدافع هنا وهو الوصول إلى الإسكندرية.. هو الذي وجد في ذهني أولا ثم بعد ذلك فعلت كل ما فعلته لتحقيقه. والله سبحانه وتعالى خلقنا في الحياة لنعبده.. مصداقا لقوله تبارك وتعالى:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[الذاريات: 56]. إذن فعلة الخلق هي العبادة.. ولقد تم الخلق لتتحقق العبادة وتصبح واقعا.. ولكن " العلة والمعلول " لا تنطبق على أفعال الله سبحانه وتعالى.. نقول ليس هناك علة تعود على الله جل جلاله بالفائدة. لأن الله تبارك وتعالى غني عن العالمين.. ولكن العلة تعود على الخلق بالفائدة فالله سبحانه وتعالى خلقنا لنعبده. ولكن علة الخلق ليس لأن هذه العبادة ستزيد شيئا في ملكه.. وإنما عبادتنا تعود علينا نحن بالخير في الدنيا والآخرة. إن أفعال الله لا تعلل، والمأمور بالعبادة هو الذي سينتفع بها. ولكن هل العبادة هي الجلوس في المساجد والتسبيح أم أنها منهج يشمل الحياة كلها.. في بيتك وفي عملك وفي السعي في الأرض؟.. ولو أراد الله سبحانه وتعالى من عباده الصلاة والتسبيح فقط لما خلقهم مختارين بل خلقهم مقهورين لعبادته ككل ما خلق ما عدا الإنس والجن.. والله تبارك وتعالى له صفة القهر.. من هنا فإنه يستطيع أن يجعل من يشاء مقهورا على عبادته.. مصداقا لقوله جل جلاله:
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين
[الشعراء: 3-4]. فلو أراد الله أن يخضعنا لمنهجه قهرا. لا يستطيع أحد أن يشذ عن طاعته.. وقد أعطانا الله الدليل على ذلك بأن في أجسادنا وفي أحداث الدنيا ما نحن مقهورون عليه.. فالجسد مقهور لله في أشياء كثيرة.
القلب ينبض ويتوقف بأمر الله دون إرادة منا.. والمعدة تهضم الطعام ونحن لا ندري عنها شيئا.. والدورة الدموية في أجسادنا لا إرادة لنا فيها.. وأشياء كثيرة في الجسد البشري كلها مقهورة لله سبحانه وتعالى.. وليس لإرادتنا دخل في عملها.. وما يقع علي في الحياة الدنيا من أحداث أنا مقهور فيه.. لا أستطيع أن أمنعه من الحدوث.. فلا أستطيع أن أمنع سيارة أن تصدمني.. ولا طائرة أن تحترق بي.. ولا كل ما يقع علي من أقدار الله في الدنيا. إذن فمنطقة الاختيار في حياتي محددة.. لا أستطيع أن أتحكم في يوم مولدي.. ولا فيمن هو أبي ومن هي أمي.. ولا في شكلي هل أنا طويل أم قصير؟ جميل أم قبيح أو غير ذلك. إذن فمنطقة الاختيار في الحياة هي المنهج أن أفعل أو لا أفعل. الله سبحانه وتعالى له من كل خلقه عبادة القهر.. ولكنه يريد من الإنس والجن عبادة المحبوبية.. ولذلك خلقنا ولنا اختيار في أن نأتيه أو لا نأتيه.. في أن نطيعه أو نعصيه. في أن نؤمن به أو لا نؤمن. فإذا كنت تحب الله فأنت تأتيه عن اختيار. تتنازل عما يغضبه حبا فيه، وتفعل ما يطلبه حبا فيه وليس قهرا.. فاذا تخليت عن اختيارك إلى مرادات الله في منهجه.. تكون قد حققت عبادة المحبوبية لله تبارك وتعالى.. وتكون قد أصبحت من عباد الله وليس من عبيد الله.. فكلنا عبيد لله سبحانه وتعالى، والعبيد متساوون فيما يقهرون عليه. ولكن العباد الذين يتنازلون عن منطقة الاختيار لمراد الله في التكليف.. ولذلك فإن الحق جل جلاله.. يفرق في القرآن الكريم بين العباد والعبيد.. يقول تعالى:
وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون
[البقرة: 186]. ويقول سبحانه وتعالى:
وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما
ناپیژندل شوی مخ