تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
فأجيب: بأنه كالتمثيل لما ذكر، فإن المراد بالنور الجوهر المضيء، أو النار كذلك، غير أن ضوءها مكدر مغمور محذور منه بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق، فإذا صارت مهذبة مصفاة كانت محض نور، ومتى نكصت عادت الحالة الأولى جذعة، ولا تزال تتزايد حتى ينطفئ نورها ويبقى الدخان الصرف.
وهذا أشبه بالصواب وأوفق للجمع بين النصوص. وقد مر كلام كل من الفريقين في المفاتيح مستقصى.
واعلم أن لا شبهة لأحد في أن الملك، والشيطان، متخالفا اللوازم، والآثار الذاتية. كيف! وأحدهما: بطباعه ملهم الخير والطاعات؛ والثاني: بطباعه موسوس الشرور والمعاصي. واختلاف اللوازم والآثار الذاتية دليل اختلاف الملزومات والمؤثرات بالذات.
نعم كلا الجنسين متفقان في أنهما روحانيان غائبان عن الأبصار والحواس، لا نراهما وقبيلهما إلا عند تجسمهما، وتمثلهما بصورة من الصور، بل وجودهما كوجود الموجودات الأخروية لا ينكشف لأبصارنا إلا عند غيبوبتنا عن هذا العالم - كما يقع للمكاشفين - أو لفساد مزاج البدن بواسطة غلبة اليبوسة على الدماغ فتتعطل بها الحواس عن الشواغل، فتستولي قوة الخيال على المحاكاة الخيالية - كما للممرورين أو بواسطة تمثلهما في العين، أو تصورهما بصورة محسوسة جسمانية.
والظاهر من الأخبار والآثار أن مواطن الملائكة عالم السماوات ودرجاتها على سبيل التعلق والمباشرة، وأما تعلقها بعالم الأرضيات فعلى سبيل الإمداد والاستخدام للقوى الأرضية، وأن مواطن الشياطين والجن عالم الأرضيات على سبيل التعلق والمباشرة.
وأما عالم السماء فلها اجتيازات على نهج العبور والاستراق للسمع - دون الولوج في سموكها - لأن عالم السماء كعالم قلب المؤمن بيت معمور مطهر بطهارة القدس والتسبيح، وعمارة الذكر والحمد، لا يمكن أن يتصرف فيه إلا جوهر مقدس، ولا سبيل للخبيث اللعين إليه إلا اختلاسا واجتيازا في بعض الساعات، كأوقات الكسوفات، والخسوفات، وغيرها، استراقا للسمع.
وبالجملة: مواطن الشياطين والجن هذا العالم الطبيعي، وليس لواحد منهم درجة العلم والمعرفة بالمقاصد الكلية، والأمور الإلهية سواء كانوا كفارا كالشياطين، أولهم ضرب من الإسلام كطائفة من الجن ذكرت في القرآن.
وأما قولكم: " إن الجن يطعمون ". فقد جاء عن العرب ما يدل على أنهم لا يطعمون ولا يشربون. أنشد ابن دريد:
ونار قد حضأت بعيد وهن
بدار ما أريد بها مقاما
ناپیژندل شوی مخ