تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
الخامس: إن في الآية رجاء عظيما، فإن الله قد علم من عنايته من أول الأمر في حق الإنسان، مع كونه أنزل خلق الله - حيث خلق من طين لازب ومن ماء مهين وهما أدون الأجسام وأسفلها وأكدرها -، لأنه فضله على الملائكة الذين هم من سكان السموات وأعلى المكانات تفضلا، وجعله مسجودا لهم تعظيما وتكريما، ويبعد من كرمه [و] جوده، أن يكرم ويشرف أبينا آدم عليه السلام في أول الأمر، ثم يعذب أولاده ويخزيهم في آخر الأمر.
السادس: إن في الآية دلالة على أن العبد يجب عليه أن لا يأمن مكر الله، كما يجب عليه أن لا ييأس من روح الله، لأنه لا اطلاع لأحد على عواقب الأمور، وأسرار حكمة الله في خلقه، فالملائكة وقع نظرهم على الفساد والقتل، ولكنهم سيأتون بعدها بالإنابة والرجوع بقولهم:
ربنا ظلمنآ أنفسنا
[الأعراف:23]. وإن إبليس وإن أتى بالطاعات، لكنه سيأتي بعدها بالإباء والاستكبار وبقوله:
أنا خير منه
[الأعراف:12]. فمن شأن العاقل أن لا يعتمد على عمله، وان يكون أبدا متوكلا على الله، خائفا وجلا.
فقوله: { إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } ، معناه: إني أنا الذي أعرف الظاهر والباطن، والعلن والسر، والبداية والنهاية، ومن يرونه عابدا مطيعا سيكفر، ويبعد عن حضرتي ودار كرامتي، ومن يرونه فاسقا بعيدا سيقرب من خدمتي، وينيب إلي، ويفوز بثوابي، ويتبوء دار كرامتي حيث يشاء.
فالخلق لا يمكنهم أن يخرجوا عن حجاب الغفلة والجهل، ولا يتيسر لهم أن يخرقوا أستار العز، فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.
ثم إنه تعالى حقق من مكامن الغيب عجز الملائكة عن تحقيق الأمور، بأن أظهر من البشر كمال العبودية، ومن أسد ساكني السموات عبادة كمال الكفر والجحود، لئلا يغتر أحد بعلمه وعبادته، ويفوضوا معرفة الأشياء إلى حكمة الخالق، ويزيلوا الإعتراض بالقلب واللسان عن مصنوعاته ومبدعاته.
السابع: التنبيه على اخلاص العمل عن شوب الرياء والسمعة، لكونه تعالى علام الغيوب وكشاف أسرار القلوب.
ناپیژندل شوی مخ