تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
وأما القسم الثاني؛ فهو ما يكون مزدوج الحقيقة من أمر يكون به بالفعل - كالصورة وما في حكمها -، ومن أمر يكون به بالقوة - كالمادة وما في حكمها -.
ثم هذا القسم أيضا، ينقسم إلى قسمين: قسم لا يجوز له الانتقال من صورة إلى صورة، وقسم يجوز له ذلك، فالأول؛ كالأجرام السماوية في جواهرها وفي أعراضها القارة، كالكم والكيف والشكل - لا في نسبها العارضة -، والثاني؛ كغيرها مثل الأجسام العنصرية.
ثم الجائز له الانتقال في التجوهر والصورة؛ إما أن يتأتى له ذلك على سبيل الصعوبة والعسر، أو على سبيل السهولة واليسر؛ فالأول؛ كالجبال والمعادن مثل الذهب والفضة واليواقيت وغيرها، والثاني؛ كالإنسان والحيوان والنبات.
وهو أيضا؛ إما أن يقف بحركته وانتقاله عند حد لا يتعداه إلى الغاية القصوى ألبتة، أو لا يقف عنده، بل يجوز له البلوغ إلى النهاية التي لا غاية وراءها، فالأول كالإنسان، والثاني كالنبات والحيوان.
ثم الإنسان الذي في حقيقة هذا البلوغ، إما أن يبلغ بالفعل الى النهاية، أو يمنعه مانع، الأول، هو خليفة الله في العالم، والثاني، إما من أهل السلامة - إن لم يكن الغالب فيه صورة هذه النشأة بحسب كسبه -، أو من أهل الشقاوة، إن كان الغالب عليه صورتها.
فإذا تقرر هذا فنقول: أما انتقال صورة الإنسان من حدود الجمادية إلى مرتبة النبات والحيوان، فلوهن صورته النطفي، وقوة استعداده للنمو، وقبول الحيوانية، وأما تجاوزه عن حدودهما، فلضعف النباتية والحيوانية فيه مع اعتدال المزاج، كما قال تعالى:
وخلق الإنسان ضعيفا
[النساء:28].
وأما تجاوزه عن حدود الأفلاك والأملاك، فلأن كلا منهما كانت مبدعة في أول نشأتها على غاية كمالها النوعي، الذي لا أتم منه بحسب النوع، فكل واحد من أشخاص كل من القبيلين، لا يمكنه - لتمامية ذاته، وتمامية صورته، وفعلية جوهره، وعدم ورود ضد عليه أصلا - المزايلة عن نشأته وحاله إلى نشأة ثانية له، إذ ليس حصول كل واحد منها بحسب الجهات الإنفعالية القابلية، بل الكل منها فائضة عن الحق بواسطة جهات وجوبية فاعلية، ولهذا انحصر نوع كل منها في شخصه، لكون التشخص فيه لازما للنوع، وإنما الحاجة في أحد القسمين - أي الأفلاك - إلى المادة، لأجل بعض أعراضها الخارجة عن التجوهر، البعيد عن ذات الشخص، كالنسب الوضعية، وهي أسهل عرض وأيسر غرض، فمن كن وجوده على هذا النمط من الإحكام والوثاقة أو أرفع منه، فلا يمكنه الفناء والموت عن نشأته إلى نشأة إلا عند القيامة الكبرى، ونفخ الصور المستوعب لفناء الكل، وذوبان الجميع عند ظهور سلطان الأحدية التامة، وكبرياء قهر الواحد القهار.
وأما الإنسان المخلوق للبلوغ إلى النهاية، فهو لا يزال في الضعف والانكسار، والعجز والافتقار، مع حفظ الله اياه عن البطلان، وتبليغه اياه من دار إلى دار، فما دام الشيء في مقام الحاجة والعجز، ترد عليه الواردات الإلهية والخلع النورانية، وما دام في مقام الأنانية والافتخار، يمنعه عن المزيد ويقيمه على العتيد، أو يفسد عليه حاله إلى أدون ما كان عليه.
ناپیژندل شوی مخ