تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
و " الخليفة " من يخلف غيره وينوب عنه لأجل مناسبة تامة يستحق بها للخلافة لا توجد في غيره، وإلا لكان وضعا للشيء في غير موضعه، و " الهاء " فيه للمبالغة.
وقد تحيرت العقول في أن استحقاقية آدم للخلافة الإلهية بماذا؟ فقيل: لتحمله التكليف. وقيل: لطاعته مع وجود الصوارف البدنية كالشهوة والغضب عنها. وقيل: لجامعيته بين صفات الملائكة وصفات البهائم. وأسد الأقوال كونه جامعا لجميع المظاهر الأسمائية.
واعلم أن لله خلفاء في كل عالم ونشأة، ولخلفائه أيضا خلفاء، وبهذا جرت سنته، لا لحاجة له إلى من ينوبه في فعله، لتعاليه عن القصور في فعله، لكونه تمام كل حقيقة، وكمال كل وجود؛ بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه وتلقي أمره من لدنه بغير واسطة، ولذلك لم يستنبئ ملكا من الملائكة العالين في الأرض كما قال:
ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون
[الأنعام:9].
ألا ترى أن الأنبياء - سلام الله عليهم -، لما قويت قواهم، وفاقت عقولهم وخمدت نار هواهم تحت نور هداهم، واشتعلت قريحتهم الوقادة بنور الهداية بحيث يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، أرسل إليهم الملائكة، ثم من كان منهم أعلى رتبة، كلمه ربه بلا واسطة، كما كلم موسى عليه السلام في الميقات، ومحمدا (صلى الله عليه وآله) ليلة المعراج.
ومما يؤيد ما ذكرنا، ما أخبر (صلى الله عليه وآله) في تفاوت درجات أخذه عن الله العلوم بحسب أحواله المتفاوتة، وترقياته في مراتب العقول المفارقة، بعد تجاوز المقامات الفلكية ونفوسها العلية، فكان يخبر أحيانا أنه يأخذ عن جبرئيل عليه السلام، وأن جبرئيل يأخذ عن ميكائيل، وهو عن إسرافيل، وإسرافيل يأخذ عن الله. ويخبر أحيانا أنه يأخذ عن ميكائيل دون واسطة جبرئيل. وأخبر أنه كان يلقي إليه أحيانا إسرافيل، فيأخذ دون واسطة الملكين عليهما السلام، وأخذ أحيانا عن الله من غير واسطة أحد من الملائكة، وليس وراء الله مرمى.
ونظير ذلك في الطبيعة: أن النفس متوسطة بين العقل والطبيعة، وهي متوسطة بينها وبين الروح البخاري، المتوسط بين القوى الطبيعية وبين الأعصاب والغضاريف، وهي بينها وبين الأعضاء والأمشاج.
والمراد ههنا آدم عليه السلام، لأنه خليفة الله في أرضه، أو خليفة من سكن الأرض قبله، أو هو وذريته، لأنهم يخلفون من قبلهم؛ وإفراد اللفظ؛ إما للإستغناء بذكره عن ذكر بنيه - كما استغني عن ذكر أبي القبيلة عن ذكرهم في قولهم: " مضر وهاشم " - أو على تأويل من يخلف، أو خلفا يخلف.
وأما خليفته في العالم كله، فهو محمد (صلى الله عليه وآله)، عند بلوغه إلى المقام المحمود.
ناپیژندل شوی مخ