تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
[الأنبياء:34]. فنفى الخلد عن البشر مع تحقق العمر الطويل لبعضهم، فالمنفي غير المثبت.
والأشاعرة على أنه بمعنى الثبات المديد - دام، أم لم يدم - واحتجوا بقوله [تعالى]:
خالدين فيهآ أبدا
[النساء:57]. ولو كان التأبيد داخلا في معنى الخلود، لكان ذلك تكرارا؛ ولذلك قيل للأثافي والأحجار " خوالد " ، وللجزء الذي يبقى من الإنسان على حاله ما دام حيا " خلد " ، ويستعمل أيضا فيما لا دوام له، كقولهم: " وقف مخلد " ، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، ولا يلزم شيء منهما إذا كان موضوعا للأعم فاستعمل في الأخص، من جهة اندراجه تحت الأعم، كاطلاق الجسم على الإنسان.
والمراد به ههنا المعنى الأخص، لدلالة الآيات والأخبار وشهادة العقل على أنه بمعنى الدوام الذي لا ينقطع، وإلا لكان خوف الانقطاع ينغص عليهم تلك النعمة، وكلما كانت النعمة أعظم كان خوف انقطاعه أشد، فيلزم أن لا ينفك أهل الثواب البتة عن الغم والحسرة؛ والجهل بسوء العاقبة أو عدمها غير جائز عليهم، لأن الدار دار اليقين لا دار الشك والتخمين - فضلا عن اعتقاد خلاف الحق -.
واعترض ههنا: بأن الأبدان مركبة من أجزاء متضادة الكيفية، معرضة للاستحالات والانقلابات المؤدية إلى الانفكاك والانحلال، فكيف يعقل خلودها في الجنان؟
وأجاب بعضهم عنه: بأنه تعالى يعيدها بحيث لا تعتريها الاستحالة، ولا يعتورها الانفساد، بأن يجعل أجزاءها متقاومة في الكيفية متساوية في القوة، لا يقوى شيء منها على إحالة الآخر، متعانقة لا ينفك بعضها عن بعض، كما يشاهد في بعض المعادن.
وهذا الجواب في غاية الضعف، فإن تجويز كون الأجزاء العنصرية غير قابلة للاستحالة والانقلاب، خروج بها عن طبائعها الأصلية، واستحكامها في المزاج - كبعض المعدنيات - لا يفيد التأبيد، والتساوي في الكيفية والقوة بحسب الاعتدال الحقيقي - على تقدير إمكانه وحدوثه -، مما يستحيل بقاؤها أبدا لتناهي الأفاعيل والانفعالات القوى الجسماينة - كما برهن في مقامه -، لا سيما وقد حققنا في موضعه أن الجواهر الطبيعية المادية كلها لازمة السيلان والتجدد، غير منفكة عن الانتقال والحدثان في كل آن بحسب جوهرها وطبيعتها، كما في قوله [تعالى]:
وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب
[النمل:88].
ناپیژندل شوی مخ