تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
" فإن قلت: فلم ألحقت الفقه بعلم الدنيا وعلماءه بعلماء الدنيا؟
فاعلم أن الله أخرج آدم من التراب، وأخرج ذريته من سلالة من طين، ومن ماء دافق، وأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام، ومنها إلى الدنيا ثم إلى القبر، ثم إلى العرض، ثم إلى الجنة والنار، فهذا مبدؤهم وهذه منازلهم؛ وخلق الدنيا زادا للمعاد ليتناول الناس ما يصلح للتزود، فلو تناولوها بالعدل انقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء، لكنهم تناولوا بالشهوات فتولدت منها الخصومات، فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم، وإلى قانون يسوسهم به، فالفقيه هو العالم بقانون السياسة، ولعمري هو متعلق بالدين، ولكن لا بنفسه، بل بواسطة الدنيا، فإن الدنيا مزرعة الآخرة ".
ثم قال: " فإن قلت: هذا - إن استقام - ففي ما سوى ربع العبادات، فما تقول فيها؟
فاعلم أن أقرب ما يتكلم الفقيه فيه من الأعمال التي من أعمال الآخرة ثلاثة: الإسلام والصلاة والحرام والحلال؛ فإذا تأملت منتهى نظر الفقيه فيها، علمت أنه لا يتجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة، فإذا عرفت الأمر في هذه الثلاثة ففي غيرها أظهر.
أما الإسلام: فيتكلم الفقيه فيما يصح منه ويفسد، وفي شروطه، وليس يلتفت فيه إلا إلى اللسان، وأما القلب فخارج عن ولاية الفقيه بعزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أرباب السيوف والسلطنة عنها حيث قال:
" هلا شققت عن قلبه؟ "
في الذي قتل من تكلم بالإسلام معتذرا بأنه " كان ذلك من الخوف " ، بل يحكم الفقيه بصحة إسلام مثله، ولذلك قال (صلى الله عليه وآله):
" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله؛ فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم "
، وجعل (صلى الله عليه وآله) أثر ذلك في الدم والمال، وأما الآخرة فلا تنفع فيها الأقوال، بل أنوار القلوب وأسرارها، وليس ذلك من فن الفقيه، وإن خاض فيه كان كما لو خاض في علم خارج عن فنه كالطب والكلام.
وأما الصلاة: فالفقيه يفتي بالصحة إذا أتى بصورة الأعمال وظاهر الشروط - وإن كان غافلا من أولها إلى آخرها، مشغولا بالفكر في حساب معاملاته في السوق إلا عند التكبير - وهذه الصلاة لا تنفع في الآخرة.
ناپیژندل شوی مخ