تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
[الجمعة:5] مثل حال اليهود في حملهم بما معهم من التوراة بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة، فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيرة شيئا واحدا، فلا، فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم، وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة، شبهت حيرتهم وشدة الأمر عليهم، بما يكابد من طفيت ناره بعد ايقادها في ظلمة الليل وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق.
والبحث فيه من وجهين:
أحدهما: إن الهيئة الإنتزاعية الحاصلة من أمرين أو أمور، إذا كانت واحدة يجب أن تكون الأمور المنتزعة هي منها أيضا متماثلة متشابهة من الوجه الذي به يصلح للانتزاع. لما تقرر في العلوم العقلية، أن المعنى الواحد، لا يمكن أن ينتزع من أشياء متخالفة الحقائق من جهة يخالفها، سواء كانت بسائط أو مركبات، مثلا: الهيئة الإنسانية المحسوسة المنتزعة من تركيب أجزاء الإنسان، لا يكمن أن تنتزع من تركيب أجزاء الفيل وغيره إلا على نحو ضعيف المشابهة لها.
وثانيهما: إن المواضع التي ذكرها من القرآن وغيره، وادعى فيها تشبيه المركب بالمركب من دون تشبيه الأفراد، لا نسلم أن الأمر فيها كما زعمه، بل لا تخلوا المواضع عن المشابهة بين الأفراد، ففي قوله تعالى:
مثل الذين حملوا التوراة
[الجمعة:5] الآية، كما حصل تشبيه حال اليهود - وهو جهلهم بما في التوراة - بحال الحمار - وهو جهله بما حمل عليه، فكذلك قد حصلت المشابهة بين اليهود والحمار في الحمق والجهالة، فإن حقيقة الحمارية وروحها هي الجهالة المفرطة، سواء كانت مقترنة مع شكل الحمار أو شكل الإنسان، وليس الإنسان إنسانا بشكله وصورة خلقته، بل بمعنى الإنسانية، وروح الناطقية التي هي عبارة عن إدراك المعارف.
وكذا بين التوراة وأسفار الحكمة، لاتحادهما فيما يؤدي إلى التعليم والهداية من العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية، وكذا وقع تشبيه حمل. الألفاظ والظواهر وعدم حمل الأسرار والمعاني منهم، بحمل أوقار الصحف، وعدم الشعور بما فيها. ثم لا يخفى على ذوي النهى، أن هذا القسم ألطف وأحكم وأبلغ فيما هو المقصود من التمثيل وأدل على القدرة؛ فينبغي حمل الآيات عليه مهما أمكن، ونحن لا ننكر وجود القسم الثاني في القرآن وغيره.
فصل
[نظر في العلة الفاعلية]
فإن قيل: ما الفائدة في قوله: من السمآء، مع أن الصيب لا يكون إلا من السماء؟
ناپیژندل شوی مخ