تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
وأول ما يخرج إلى الفعل من القوة، وإلى البروز من الكمون، هو صورة الحس والمحسوس، إذ كل إدراك، سواء كان حسا أو تخيلا أو وهما أو تعقلا أو تألها، فهو بضرب من التجريد، ومراتب التجريدات في الشدة والضعف، كمراتب الإدراكات في الكمال والنقص، فأقل التجريدات، التجريد الحاصل في الحس، فإن الحس يجرد الصورة القائمة بالمادة المغشاة بالغواشي المادية من أصل تلك المادة، ولكن لا يجردها من الغواشي، بل هي معها، مع اشتراط أن يكون لمحلها من الحس نسبة وضعية جسمانية إلى تلك المادة المنتزعة هي عنها، حتى أنه لو غابت تلك المادة غابت الصورة أيضا عن الحس.
وأما الخيال، فيجرد الصورة عن المادة تجريدا أتم، وإلى أفق المفارقات تقريبا أشد، فإنه يجردها عن المادة، وعن ملابسها وغواشيها الجسمانية من غير اشتراط حضور المادة أيضا، لكن بشرط بقاء تخصصها وتعينها المشابه لتعينها المادي في عالم التمثل الخيالي.
وأما الوهم، فيجرد الصورة تجريدا أتم من تجريد الحس والخيال جميعا بحيث يتصور المعاني الحاصلة في الأجسام، ويجردها عن المواد وعن صفاتها المكتنفة بها، لكن لا يمكن للوهم تجريد المعنى بالكلية عن المواد الشخصية، وعن صفاتها جميعا حتى عن اضافتها إلى الشخص، بل يتصور كلا من المعاني مضافا إلى شخص بعينه، إذ الوهم نفسه أيضا كذلك، لأنه عبارة عن قوة عقلية مضافة إلى جوهر جسماني، حتى لو تجرد عن هذه الإضافات، صار الوهم عقلا، والشيطان ملكا، والجزبرة حكمة.
وأما العقل فشأنه تجريد الصور عن المواد تجريدا أتم وأقوى من جميع ما سبق، لأنه كما يجردها عن المواد وملابسها، يجردها عن أنحاء التعلقات والإضافات كلها، فيصيرها لبا خالصا صافيا مقدسا مطهرا عن الأرجاس والأدناس، لائقا بحضرة القدس وحظيرة الإنس، وذلك ما أردناه.
المقدمة الثالثة: إن هذه القوى من الإنسان من فروعات جوهره العقلي، بمنزلة أشعة وأنوار لازمة لجوهر نواني متعلق بالبدن، كمصباح في بيت تقع منه أنوار وأشعة على جدرانه وسقوفه وزواياه وأكنافه وكل من هذه القوى، ينفعل ويستنير ويخرج من القوة إلى الفعل بواسطة صور محسوسة تخصها، فالبصر بالمبصرات كالألوان، والسمع بالمسموعات كالأصوات.
وبالجملة، الحس بالمحسوس يستنير ويخرج وجوده من القوة إلى الفعل، والخيال بالصور المتخيلة، يستنير ويقوى ويصير من حد النقص إلى حد الكمال، وقد علمت أن كل كمال ونور إنما يحصل بضرب من التجرد والبعد عن المادة، وكل نقص وظلمة إنما يحصل بواسطة لصوق بالمادة وقرب منها.
وعلمت أن مراتب الكمالات حسب مراتب التجريدات، ووجود هذه القوى متقدم بحسب الحدوث على وجود القوة العقلية تقدما زمانيا وبالطبع، ووجود القوة العقلية متقدم بقاء على وجودها تقدما ذاتيا وبالعلية والشرف، لأنها من فروعها ومعاليلها عند تجوهر العقل وحصوله بالفعل، فالعاقلة مفتقرة إليها في أول النشأة، وعند أوان الاستكمال والحركة إلى المبدء الفعال، وهي مفتقرة إليها في النشأة الثانية وبقاء الآخرة.
فمن استكمل ذاته ما دام الكون الدنيوي بنور الإيمان واليقين، قامت مع روحه جميع قواه، وتنورت بنوره يوم الدين، وحشرت معه يوم حشر الخلائق أجمعين.
ومن لم يستكمل ذاته ههنا بنور الإيمان، ولم تنفتح بصيرة باطنه إلى عالم الروح والريحان، لفرط جهالته، وتراكم غشاوته، وكثرة حجابه، وكثافة نقابه، سلبت في الآخرة عنه قواه وحواسه، وبقيت نفسه في ظلمات الهاوية وأدخنة السعير أصم وأبكم وأعمى قائلا بلسان الحال:
لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى
ناپیژندل شوی مخ