تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
وهذا النوع من الانعكاس والانتكاس، ضرورة هذا العالم، وكذلك عالم الشهادة محال لعالم الغيب والملكوت.
ومن الناس من يسر له نظر الإعتبار، فلا ينظر في شيء من عالم الملك إلا ويعبر به إلى عالم الملكوت، فيسمى عبوره عبرة؛ وقد أمر الخلق به، قال سبحانه:
فاعتبروا يأولي الأبصار
[الحشر:2] ومنهم من عميت بصيرته فلم يعبر، فاحتبس في عالم الملك والشهادة، وتنفتح إلى حبسه أبواب جهنم، وهذا الحبس ممتلئ نارا شأنها أن تطلع على الأفئدة، إلا أن بينه وبين إدراك المها حجاب، فإذا رفع الحجاب بالموت، أدرك.
وعن هذا أظهر الله الحق على لسان قوم استنطقهم بالحق فقالوا: الجنة والنار مخلوقتان. ثم إنا نحن الآن: نتكلم أو نخاطب في الدنيا من في الآخرة.
والغرض من إنزال القرآن، أكثره شرح أحوال الآخرة، وخصوصا في هذه الآية، فإن الغرض شرح أحوال طائفة من المنافقين بحسب باطنهم وآخرتهم، والآخرة من عالم الملكوت، ولا يتصور شرح عالم الملكوت في عالم الملك إلا بضرب الأمثال، ولذلك قال سبحانه:
وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا العالمون
[العنكبوت:43].
وهم الذين جردوا صور المحسوسات عن قشورها المادية، وأحضروها عند عقولهم العابرة عن عالم الأمثلة الحسية إلى عالم الحقائق والملكوت، وعالم الأمثلة الحسية بالقياس إلى عالم الحقائق، كنشأة النوم بالقياس إلى عالم الملكوت، ولذلك قال عليه السلام: " الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ".
وما سيكون في اليقظة لا يبين لك في النوم إلا بضرب الأمثال المحوجة إلى التعبير، وكذلك ما سيكون في يقظة يوم القيامة، لا يبين لك في ليالي حجب الدنيا إلا في كسوة الأمثال، وأعني بكسوة الأمثال، ما تعرفه من علم التعبير، فإن شأن علماء التعبير أن يعبروا من الأمثلة إلى الحقائق.
ناپیژندل شوی مخ