تفسير الجيلاني
تفسير الجيلاني
ثم قال سبحانه على سبيل العظة والتذكير بعموم المؤمنين: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر } المعد للحساب والجزاء { يوآدون } أي: لا تجدهم أن يوادوا وتحاببوا { من حآد الله } وعاداه { ورسوله ولو كانوا } أي: الحادون العادون المعاندون { آبآءهم } أي: آباء المؤمنين { أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم } وأقرباءهم، وذووا أرحامهم { أولئك } المقبولون الممتنعون عن و ودادة أعداء الله وأعداء رسوله صلى الله عليه وسلم طلبا لمرضات الله ومرضاة رسوله صلى الله عليه وسلم { كتب } أي: أثبت ومكن سبحانه { في قلوبهم الإيمان } وجعله راسخا فيها.
{ و } لذلك { أيدهم بروح } فائض { منه } محيي لهم أبد الآباد؛ إذ من يحيى بالإيمان والعرفان فقد دامت حياته، ولم يمت أبدا { ويدخلهم جنات } متنزهات العلم والعين والحق { تجري من تحتها الأنهار } أي: أنهار المعارف والحقائق المترشحة من بحر الحياة الأزلي الأبدي الذي هو الوجود المطلق الإلهي { خالدين فيها } لا يتحولون عنها أصلا؛ إذ { رضي الله } المتجلي عليهم بالرضا { عنهم ورضوا } أيضا { عنه } سبحانه بالتفويض والتسليم إليه { أولئك } السعداء المقبولون عند الله { حزب الله } وحوامل آثار أوصافه وأسمائه الذاتية، وقوابل عموم كلياته وشئونه وتطوراته { ألا } أي: تنبهوا أيه الأظلال السمتظلون بضلاله الممدودة من أزل الذات إلى أبد الأسماء والصفات { إن حزب الله هم المفلحون } [المجادلة: 22] الفائزون من لدنه بالفوز العظيم، والفضل الجسيم، والكرم العميم.
خاتمة السورة
عليك أيها الطالب المترقب للفلاح، والفوز بالنجاح أن تتمكن في مقام التسليم والرضا بعموم ما جرى عليك من القضاء، وتلازم على آداب الخدمة بين يدي الله في عموم أوقاتك وحالاتك، فاغرا همك وسرك عن مطلق الوساوس والأشغال العائقة عن التوجه نحو المولى، وتواظب على الطاعات والعبادات في خلال الخلوات؛ لتكون مصونة عن السمعة والرياء، والميل إلى العجب والهوى، وإياك إياك أن تتلطخ بقاذورات الدنيا ومزخرفاتها الملهية عن اللذات الأخروية، المستتبعة للسلاسل والأغلال الإمكانية، والمبعدة عن الوصول إلى فضاء الوجوب وصفاء الوحدة الذاتية التي عبر بها عن النعيم الموعود، والحوض المورود، والمقام المحمود.
جعلنا الله ممن وصل إليه، وتمكن دونه بمنه وجوده.
[59 - سورة الحشر]
[59.1-4]
{ سبح لله } ونزهه تنزيها لائقا بجانبه سبحانه مظاهر { ما في السموت وما في الأرض و } كيف لا { هو العزيز } بذته، المتعزز برداء العظمة والكبرياء { الحكيم } [الحشر: 1] المتقن المدبر لمصالح عباده كيف شاء؟!.
وبالجملة: { هو الذي أخرج } بمقتضى عزته وحكمته المسرفين { الذين كفروا } بالله وبرسوله، وهو إجلاء بني النضير، مع أنهم { من أهل الكتاب من ديارهم } المألوفة، وأوطانهم المأنوسة زجرا عليهم، وتذليلا له واقعا إياهم { لأول الحشر } أي: في أول الحشر، إجلائهم الواقع عليهم بظهر الإسلام؛ إذ أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير أولا من المدنية إلى الشام، ثم أجلى بقية الكفرة عمر رضي الله عنه في خلافته، انظروا كيف أخرجهم سبحانه بكمال قدرته وعزته، مع أنكم { ما ظننتم } أيها المؤمنون من { أن يخرجوا } لشدتهم وشوكتهم، واستحكام آماكنهم وقلاعهم { و } هم أيضا { ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم } أي: ظنهم لأنفسهم أن حصونهم تمنعهم { من } بأس { الله } المنتقم الغيور وبشطه وإن اشتد، لكن لم ينفعهم الحصون والقلاع حين نزول العذاب، بل { فأتاهم الله } أي: القهر الهائل من لدنه { من حيث لم يحتسبوا } أي: من صوب وجهة لم يتوقعوا.
{ و } ذلك أنه { قذف } وألقى سبحانه { في قلوبهم الرعب } الشديد، والخوف العظيم من غير قتال، وبسبب ذلك الرعب الهائل اخذوا { يخربون بيوتهم بأيديهم } ضنا بها على المسلمين، وإخراج ما فيها من الأمتعة { وأيدي المؤمنين } أيضا، فإنهم أيضا كانوا يخرجون بيوتهم إذلالا لهم، وتوسيعا لمضمار الحرب والقتال، وبالجملة: { فاعتبروا يأولي الأبصار } [الحشر: 2] واتعظوا بما جرى على هؤلاء الغواة الطغاة، يثقون بحصونهم ويشيدونها؛ ليتحصنوا بها من بأس الله، ثم لما اضطروا أخذوا يخبرون بأيديهم ما يعتمدون عليه، ويستحفظون به؛ وذلك كمال قدرته الله ومتانة حكمته.
ناپیژندل شوی مخ