تفسير الجيلاني
تفسير الجيلاني
ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة: { إن } المسرفين المسيئين { الذين ينادونك } يا أكمل الرسل { من ورآء الحجرات } حين كنت مستريحا في خلوتك، فارغا همك عن مقتضيات النبوة، متوجها إلى ربك حسب ولايتك { أكثرهم لا يعقلون } [الحجرات: 4] ولا يفهمون منزلتك عند ربك، ولا يتفطنون بخوتك معه واستغراقك بمطالعة وجهه الكريم؛ إذ لو كان لهم عقل يوقظهم من مقام الغفلة ويرشدهم ألبتة إلى مراعاة الأدب معك يا أكمل الرسل.
[49.5-11]
{ و } بالجملة: { لو أنهم صبروا } حين احتياجهم إليك وإرادتهم صحبتك { حتى تخرج إليهم } لهدايتهم وإرشادهم بمقتضى شفقة النبوة { لكان خيرا لهم } وأولى من مبادرتهم واستعجالهم إلى النداء { والله } المطلع بما في ضمائرهم من الإخلاص { غفور } يغفر زلتهم إن وقعت منهم أحيانا { رحيم } [الحجرات: 5] يرحمهم إن كانوا من ذوي الإخلاص مع الله ورسوله.
ثم نادى سبحانه عمو المؤمنين المخلصين نداء إرشاد وتعليم؛ تهذيبا لأخلاقهم عما لا يليق بشأن الموحدين، فقال: { يأيها الذين آمنوا } مقتضى إيمانكم بالله: حسن الظن بإخوانكم المؤمنين، فعليكم { إن جآءكم فاسق } منحرف عن عدالة الإيمان والتوحيد { بنبإ } وخبر على سبيل الافتراء والمراء { فتبينوا } أي: تعرفوا وتفحصوا واستكشفوا عنه، ولا تبادروا إلى تصديقه؛ كراهة { أن تصيبوا قوما } أذية وسوءا بمجرد الظن الكاذب، مع أنكم { بجهالة } أي: جاهلين بحاله { فتصبحوا } وتصيروا بعدما تصيبوا القوم البريء { على ما فعلتم } من أذياتهم { نادمين } [الحجرات: 6] محزونين مغتمين، كلما تذكرتهم تغممتم.
{ واعلموا } أيها المؤمنون { أن فيكم } وبين أظهركم { رسول الله } وسنته السنية، الموروثة له من ربه بعد مماته، فعليكم الإطاعة والمراجعة إليه حين حياته، وإلى سننه وشرعه في مطلق الأمور والعرض عليه وعليهما والمشاورة معه، فعليكم ألا تكفلوه إلى قبول ما حسنت لكم نفوسكم من الأمور، فإنه { لو يطيعكم } ويقبل قولكم { في كثير من الأمر لعنتم } أتممتم وهلكتم في الإثم ألبتة، واستغرقتم فيه؛ إذ من مقتضى إيمانكم وانقيادكم له أن تفوضوا أموركم كلها إليه، وتستصوبوها منه، فإن صوب بعضها فيها، وإلا فلا تكلفوه؛ إذ منصب النبوة ومقتضى الحكمة يأبى عن ذلك { ولكن الله حبب إليكم الإيمان } يعني: لا تعتذروا في إصابة البريء بمجرد القول الباطل والظن الفاسد بمحبة الإيمان وكراهة الكفر، فإنه سبحانه وإن حبب إليكم الإيمن { وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق } المؤدي إليه { والعصيان } المستلزم له، لكنه إنما حبب الإيمان على مقتضى الصدق والعدالة، وكره الكفر الناشئ عن قصد واختيار، لا أن ينسب إلى من ينسب عن بهتان وزور، فإنه سبحانه لا يرضى لعباده أمثاله، وبالجملة: { أولئك } المؤمنون، المجتنبون عن الزور والتهمة { هم الراشدون } [الحجرات: 7] المقصرون على الرشد والهداية إلى صراط مستقيم، هو صراط التوحيد المشتمل المعتدل بين كلا طرفي الإفراط والتفريط.
وإنما صار رشادهم هذا { فضلا } ناشئا { من الله } المطلع لاستعدادات عباده وقابلياتهم { ونعمة } موهوبة لهم من عنده { والله } المحيط بعموم أحوال عباده { عليم } لحوائجهم المصلحة { حكيم } [الحجرات: 8] في إفاضتها حسب المصلحة.
{ و } من جملة أخلاقكم أيها المؤمنون المعتدلون في مقتضى الإيمان: { إن } كان { طآئفتان } كلتاهما { من المؤمنين اقتتلوا } عند ثوران القوة الغضبية، وهيجان الحمية الجاهلية من كلا الجانبين بسبب الخصومة المستمرة { فأصلحوا بينهما } مهما أمكن الصلح على وفق الحكمة والعدالة { فإن بغت } أي: غوت وغلبت { إحداهما على الأخرى } بحيث أدت بغيها إلى الإفراط والظلم الخارج عن مقتضى العدالة الإلهية { فقاتلوا } بأمر الله، مظاهرين مع الطائفة المغلوبة على الطائفة الغالبة { التي تبغي } وتغوي { حتى تفيء } وترجع { إلى أمر الله } وحكمه المترتب على القسط والعدالة { فإن فآءت } ورجعت عن بغيها وطغيانها { فأصلحوا بينهما } بعدما وقع ما وقع { بالعدل } المنبئ عن الحكمة ورعاية الغبطة بين الجانبين { و } بالجملة: { أقسطوا } واعتدلوا أيها المؤمنون في عموم أحوالكم وأحكامكم { إن الله } المستوي على العدل القويم { يحب المقسطين } [الحجرات: 9] من عباده.
وكيف لا تصلحون بينهما أيها المؤمنون المصلحون؛ { إنما المؤمنون } الموقنون بوحدة الحق، المصدقون لرسوله المبين لطريق توحيده { إخوة } في الدين القويم { فأصلحوا بين أخويكم } بالعدل والإنصاف { واتقوا الله } في صلاحكم هذا عن الميل والانحراف { لعلكم ترحمون } [الحجرات: 10] لأجل عدالتكم وتقواكم.
{ يأيها الذين آمنوا } مقتضى إيمانكم ترك المراء والاستهزاء بحيث { لا يسخر قوم } منكم أيها الرجال القوامون المقيمون لحدود الله { من قوم } أمثالكم في القيام والتقويم؛ أي: أقوياؤكم ورؤساؤكم من أراذلكم وضعفائكم { عسى أن يكونوا } أي: المسخورون المرذولون { خيرا منهم } أي: من الرؤساء الساخرين عند الله، كذا { ولا } لا تسخر منكم { نسآء } عاليات متعززات { من نسآء } سافلات مستضعفات { عسى أن يكن } أي: المستضعفات { خيرا منهن } أي من العاليات عند الله، وكن أقرب إلى رحمته سبحانه منهن { و } كذا { لا تلمزوا } أيها المؤمنين ولا تعيبوا { أنفسكم } أي: بعضكم بعضا؛ إذ المؤمنون كنفس واحدة، فما لحق لهم وعليهم إنما لحق بهم وعليهم جميعا { و } عليكم أن { لا تنابزوا بالألقاب } أي: لا يدعوا بعضكم بعضا باللقب السوء الدال على الذم والقبح، فإن النبذ إنما يستعمل في اللقب السوء، وإنما نهيتم عما نهيتهم؛ لأنه من جملة الفسوق والعصيان المستلزم لأنواع الخيبة والحرمان، المسقط للمروءة والعدالة المترتبة على الحكمة الإلهية.
وبالجملة: { بئس الاسم الفسوق } المنبئ عن الخروج والانحراف عن صراط الحق سيما { بعد الإيمان } أي: بعد الاتصاف بالإيمان المنبئ عن كمال الاعتدال { و } بالجملة: { من لم يتب } ولم يرجع إلى الله بعدما صار عنه أمثال هذه الجرائم المذكورة هفوة { فأولئك } البعداء المصرون على الغواية والطغيان { هم الظالمون } [الحجرات: 11] المقصورون على الخروج عن مقتضى الحدود الإليهة.
ناپیژندل شوی مخ