تفسير الجيلاني
تفسير الجيلاني
ثم قيل لهم حينئذ من قبل الحق: { هذا ما وعد الرحمن } أي: يومكم هذا هو اليوم الموعود الذي وعده الرحمن، وأخبره على ألسنة رسله وكتبه؛ لينقذكم من عذابه بمقتضى سعة رحمته { وصدق المرسلون } [يس: 52] في جميع ما جاءوا من قبل ربهم من الأمور المتعلقة بالنشأة الأخرى، وأنتم من كمال بغيكم وبغضكم على الله ورسوله في النشأة الأولى أنكرتم الرحمن وكذبتم الرسل الكرام، فاليوم يلقاكم ما كذبتم به.
ثم قال سحبانه تقريعا وتوبيخا على المشركين المنكرين لقدرته وكمال عزته وسطوته واستقلاله في تصرفات ملكه وملكوته، وإظهارا لعلو شأنه وسمو برهانه بأن أمثال هذه المقدورات في جنب قدرتنا الكاملة في غاية اليسر والسهولة؛ لذلك { إن كانت } أي: ما كانت الفعلة منا في أمر البعث وقيام الساعة وحشر الأموات { إلا صيحة واحدة } صادرة بأمرنا فجأة، وهي الصيحة الثانية ، أو ما وقعت الفعلة منا وبأمرنا إلا صيحة واحدة { فإذا هم جميع } أي: كل الأموات مجموعون { لدينا محضرون } [يس: 53] عندنا، مع أنه صدر عنا في إحضارهم وجمعهم إلا صيحة واحدة دفعية.
{ فاليوم } أي: بعد حضر الكل لدينا واجتمع عندنا للعرض والحساب وتنقيد الأعمال، وجزاء الأفعال الصادرة عنهم في دار الاختبار { لا تظلم نفس شيئا } ولا تنقص من أجور أعمالها الصالحة { و } لا تزاد أيضا على فاسدها على مقتضى عدلنا، بل { لا تجزون إلا ما كنتم تعملون } [يس: 54] أي: بمقتضى عملهم، إن كان خيرا فخير وإن شرا فشر.
[36.55-62]
ثم فصل سبحانه أحوال الأنام في النشأة الأخرى، فقال: { إن أصحاب الجنة } وهم الواصلون إلى مقر التوحيد والمعرفة علما وعينا وحقا { اليوم } أي: يوم القيامة المعد للجزاء { في شغل } عظيم من أنواع المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات القالعة لعرق التقليدات، والتخمينات التي هي من لوازم الإمكان الذي هو من أسفل دركات النيران { فاكهون } [يس: 55] فرحون، متلذذون أبدا بلا انقراض وانقضاء أصلا.
بل { هم } في شهودهم { وأزواجهم } التي هي نتائج أعمالهم الصالحة { في ظلال } أي: ظلال الأسماء والصفات الإلهية { على الأرآئك } أي: المعارج العلية والدرجات السنية { متكئون } [يس: 56] متمكنون راسخون، لا يتحولون منها ولا ينقلبون.
بل { لهم فيها } عناية منا إياهم { فاكهة } كثيرة من تجددات المعارف والحقائق وتلذذات المكشوفات والشهودات على مقتضى التجليات الإلهية { و } بالجملة: { لهم } فيها { ما يدعون } [يس: 57] ويتمنون من مقتضيات التجليات المتشعشعة حسب الشئون والتطورات الإلهية التي لا نهاية لها، بلا تناه وتكرر.
وقيل لهم من قبل الحق حينئذ: { سلام } أي: تسليم وترحيب لهم وتكريم { قولا } ناشئا { من رب رحيم } [يس: 58] أي: مرب مشفق لهم، يربيهم بمقتضى سعة رحمته على فطرة التوحيد، ويوصلهم إلى مقر الوحدة الذاتية بعدما رفعوا الشواغل المانعة عن التوجه إليها، ورفضوا العلائق العائقة عن التمكن دونها والتحلي بها.
{ و } قيل حينئذ للمشركين المصرين على الشرك والعناد: { امتازوا } وتميزوا { اليوم أيها المجرمون } [يس: 59] المفرطون المسرفون في الإعراض عن الله بمتابعة الشيطان المضل المغوي عن طريق توحيدهمه.
ثم قرعهم سبحانه وعاتبهم؛ زجرا لهم وطردا على وجه العموم؛ لئلا يأمن المؤمن مع اطمئنانهم على الإيمان ورسوخهم في العرفان { ألم أعهد إليكم يبني ءادم } ولم آخذ منكم موثقا وثيقا في مبدأ فطرتكم وبألسنة استعداداتكم وقابلياتكم { أن لا تعبدوا } أي: بألا تعبدوا { الشيطان } ولا تطيعوا منه ولا تقبلوا منه قوله ووساوسه المبعدة المحرفة لكم عن طريق توحيدي، إنما أحذركم يا ابن آدم عن إطاعته وانقياده { إنه لكم عدو مبين } [يس: 60] ظاهر العداوة يريد أن يصدكم عما جبلتم عليه بإغرائه وإغوائه.
ناپیژندل شوی مخ