تفسير فرات الكوفي
تفسير فرات الكوفي
مقدمة المحقق
مخ ۷
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على هدايته لدينه والتوفيق لما دعا إليه من سبيله.
وصلى الله على رسول الله أمين الله على وحيه وعزائم أمره الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل والمهيمن على ذلك كله ورحمة الله وبركاته.
وعلى آله الطيبين الأطهار شجرة النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة وأهل بيت الوحى الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
اللهم اجعلنا من الثابتين على ولايتهم ووفقنا لمشايعتهم ومتابعتهم واجعلنا ممن يقتص آثارهم ويسلك سبيلهم ويهتدي بهداهم ويحشر في زمرتهم ويكر في رجعتهم ويملك في دولتهم وتقر عينه غدا برؤيتهم.
وبعد فقد من الله علي أن جعلنى في بيئة الإسلام وسهل لي معرفة القرآن وخصني بجوار قبور الأئمة الأطهار في العراق وايران وأكرمني بأبوين بارين ربياني على فطرة الله ومحبة أوليائه وأسعدني بتحصيل المعارف الإسلامية وأطلعني على خفايا لطفه وخبايا آثاره فكان من مننه علي أن تعرفت على هذا السفر اللطيف والكتاب المنيف وأنا حدث السن فقمت باستنساخه على المطبوعة بأمر من سماحة الوالد وكان ذلك متزامنا مع تحقيق وطبع الكتاب القيم النفيس شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني النيسابوري من قبل الوالد ثم تدرجت في العمل من الاستنساخ إلى بعض التعليقات المختصرة مثل ذكر موارد رواية الحسكاني عن فرات وإلحاق بعض أسانيده الى متونه أخذا من شواهد التنزيل وتفسير الحبري حيث كانت لدينا نسخة من مخطوطته وكان كل هذا في النجف الأشرف وانا رهن الدراسة والحداثة ورهن العيش في أجواء الظلم والكبت والد يكتا تورية ثم من الله علينا بالتفيؤ في ظلال الجمهورية الإسلامية والقرار في رحبها الواسع وفي مركز انطلاق مسيرتها المقدسة (قم) عش آل محمد فباشرت أعمالي مع آمال عظيمة ورؤية مستقبلية واضحة بما سيحققه الإسلام من فتوحات وألطاف في مختلف الأصعدة وكان أول ما قدمت للطبع كتاب
مخ ۹
المنتخب من سياق تاريخ نيسابور ثم إن بعض السادة الأفاضل حينما اطلع على بعض ما نجزته من تحقيق تفسير فرات قدم لي بكل سخاء وتواضع نسختين من تفسير فرات المطبوع كان قد قابلها مع أربع نسخ خطية: نسختين بالنجف هما نسخة مكتبة مدرسة السيد البروجردي ونسخة مكتبة السيد الحكيم، ونسختين بطهران هما نسختا مكتبة ملك وشوقني للمضي قدما في تحقيق هذا السفر الجليل فجزاه الله خير الجزاء فقابلت مسودتي مع النسختين ثم علقت بعض التعليقات المختصرة وتابعت البحث والتنقيب عن مظان نسخه الخطية فتعرفت على مخطوطتين بقم إحداهما في مكتبة المدرسة الفيضية والثانية في مكتبة السيد الخوانساري، هذا وتعرفنا على مخطوطة لفرات بمدينة مشهد المقدسة مشهد الامام على بن موسى الرضا بمكتبتها العامرة إلا أنها كانت أيضا مأخوذة من (ب) ولم تكن فيها ملاحظات تذكر، ثم في نهاية المطاف وبعد أن كنا قد قدمنا الكتاب لمؤسسات النشر للطبع عثرنا على نسخة أخرى بأصبهان بدلالة بعض السادة الأجلاء وهو ممن نذر نفسه وأوقفها لخدمة التراث الإسلامي وهذه النسخة فيما نعرف هي أقدم نسخة لتفسير فرات وأفادتنا في الكثير من الموارد إلا أن كاتبها لم يدرج التفسير حرفيا بل حذف ما راه مكررا من ناحية المعنى والمتن فهي في الواقع تلخيص لتفسير فرات وستأتي قريبا توضيحات أكثر لهذه النسخ.
ثم وقبل الدخول في رحاب هذا الكتاب ينبغي لنا أن نذكر شيئا عن المؤلف وكتابه تفسير فرات وأسلوب تحقيقه.
المؤلف:
هو الشيخ أبو القاسم فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي من أعلام الغيبة الصغرى وأستاذ المحدثين في زمانه، كثير الحديث كثير الشيوخ من معاصري ثقة الإسلام الكليني والحافظ ابن عقدة وابن ماتي وغيرهم، كان عصره زاخرا بالعلم والعلماء والمحدثين وكانت الكوفة آنذاك من مراكز الحديث والعلم.
غير أن صفحات التاريخ لم تنقل الينا من حياته شيئا ولم تفرد له الكتب الرجالية التي بأيدينا له ترجمة لا بقليل ولا كثير ولم تذكره حتى في خلال التراجم.
أما اسمه واسم أبيه وجده فقد تردد كثيرا في أسانيد هذا الكتاب وشواهد التنزيل وكتب الشيخ الصدوق والمجموعة التفسيرية المعروفة بتفسير القمي وفضل زيارة الحسين لابن الشجري.
وأما كنيته فلم تذكر إلا في (فضل زيارة الحسين) لابن الشجري الكوفي في ح 27 و73.
مخ ۱۰
ومشايخه يناهزون المائة وأما الرواة عنه فلا يتجاوز من تعرفنا عليه العشرة سواء المذكورين في هذا الكتاب أو غيره.
ولو أن هذه الكتب الانفة الذكر لم تذكر فرات في ثنايا الأسانيد لأمكن التشكيك في وجود شخص بهذا الاسم والقول بأن هذا الاسم مستعار.
ونسبته (الكوفي) كان من القاطنين بها كما يظهر من طبقة شيوخه والرواة عنه أما أنه من أي قبيلة وعشيرة ومن أي بيت هو ومن هم أقرباؤه وأصدقاؤه وهل هو من العرب أو من غيرهم وما هي اتجاهاته المذهبية والفكرية فهذه أسئلة لا جواب عليها سوى الأخير.
لكن إذا ما ألقينا نظرة سريعة على هذا الكتاب واحتوائه على 777 حديثا وعلى ذكر مشايخ للمصنف ربما جاوز المائة وتصفحنا آثاره ورواياته في كتب الصدوق وابن الشجري و... لحصلنا على ترجمة واضحة للمؤلف ربما تغنينا عن كثير من أقوال الأشخاص وأخبار الآحاد. فاذا لاحظنا تلك الظروف ونظرنا إلى الشخصيات والأجواء والكتب العلمية المعاصرة للمؤلف وسبرنا الكتب التي ألفت حول هذا الموضوع (التفسير الروائي) لتجلت لنا شخصية المصنف ومكانته العلمية واتجاهاته الفكرية والعقائدية.
فالمصنف كان رجلا فاضلا متمتعا بأرضية فكرية واجتماعية خصبة مكنته من تأليف هذا الكتاب الشريف فهو أستاذ المحدثين في زمانه كما جاء في تعبير تلميذه أبي القاسم العلوى في اول الكتاب.
وربما كان من الناحية الفكرية والعقائدية زيديا أو كان متعاطفا معهم ومخالطا إياهم ومتمايلا إليهم على الأقل كما يبدو واضحا لمن يلاحظ في الكتاب مشايخه وأسانيده وأحاديثه فهو أشبه ما يكون بكتب الزيدية وليس فيه نص على الأئمة الاثنى عشر وإن كان مكثرا في الرواية عن الصادقين بنصوص تؤكد على إمامتهما وعصمتهما لكن في المقابل يروي عن زيد أحاديث تنفي العصمة عن غير الخمسة من أهل البيت وربما كان السبب في عدم ذكره في الكتب الرجالية هو أنه لم يكن إماميا حتى تهتم الإمامية به ولم يكن سنيا حتى تهتم السنة به بل هو من الوسط الزيدي في الكوفة، والزيدية قد انمحت الكثير من آثارهم وتضاءل دورهم في المجتمع الإسلامي حتى انحصر في بقعة معينة ونائية من الأرض هي بلاد اليمن والإمامية وإن كانت انمحت الكثير من آثارها بسبب الظلم وغيره إلا أنها استمرت في مواصلة مسيرتها بكل نجاح وتمكنت من ترسيخ دعائمها وتوطيد أركانها ونشر أفكارها وكسب المزيد من التقدم والتطور الكمي والكيفي فحفظت بذلك أغلب تراثها.
مخ ۱۱
هذا ولا يزال يراودنا الأمل في أن نعثر على ترجمة لفرات في بعض المصادر المخطوطة للزيدية والتي لا تزال بعيدة عن متناولنا فلديهم على ما أخبرنى به بعض السادة الأجلاء كتاب (نسمات الأسحار) وهي موسوعة رجالية ضخمة تحتوي على الكثير من شخصياتهم التي ليس لها ذكر في مثل كتاب (مطلع البدور) و(نسمة السحر) وإن كان الكتاب قد ألف في زمن متأخر إلا أنها موسوعة لطيفة وقد أزمعنا بحول الله وقوته طبع (مطلع البدور) وهو قيد التحقيق و(نسمة السحر) وهو قيد الاعداد ولو سهل الله لنا الحصول على نسخة من (نسمات الأسحار) وما شاكله من الكتب لأقدمنا على تحقيقه ونشره.
وقد طبع في الآونة الأخيرة في ايران الإسلام كتاب فضل زيارة الحسين لأبي عبد الله العلوي الشجري الزيدي الكوفي المتوفى سنة 445 وتبينت لنا منه أكثر فاكثر مكانة فرات الروائية وعدد آخر من شيوخه وتلامذته ومعاصريه حيث أن أكثر من عشر أحاديث الكتاب بواسطة فرات.
ومما تجدر الإشارة إليه هو أن الكثير من روايات الشيخ الصدوق المنتهية إلى فرات تؤكد غاية التأكيد أنه كان إماميا هذا ولكن الكتاب أكثر دلالة على اتجاهاته العقائدية من الروايات المتفرقة هنا وهناك وربما كان وجه الجمع بينهما أنه كان في بادئ الأمر زيديا ثم صار إماميا فالكتاب في زمن زيديته وواقفيته وروايات الصدوق في زمن إماميته أو أنه كان زيديا متفتحا على أفكار الإمامية وأوساطها وأحاديثها غير ممتنع من ذكر أحاديثهم.
ومما ساهم في طمس آثار فرات وأمثاله كالحجام وابن عقدة ومطين و... وفي ضياع الكتب المتكفلة لتاريخ الكوفة وبيان أوجه النشاط الفكرى والاجتماعى هناك هو انحسار الحركة العلمية فيها وعدم استمرارها بسبب الأنظمة الجائرة والكوارث الطبيعية التي حلت بها فمع أن هناك العديد من الكتب التي ألفت حول الكوفة إلا أنها ضاعت ودمرت ولم يبق منها حسب علمنا سوى كتاب مختصر في فضل الكوفة للشجرى الذي طبع مؤخرا في بيروت.
ولا نعرف لفرات من آثار غير هذا الكتاب إلا كراس في ذكر سب أهل أصفهان لعلي (عليه السلام) ضمن مجموعة كراسات خطية في مجلد واحد محفوظة في كلية الالهيات بطهران تحمل رقم 256 القسم العاشر من المجموعة 45 ر- 61 پ انظر الفهرست المطبوع ج 14 الرقم 1082 ص 194 من منشورات جامعة طهران وقد سعينا بعض السعي للحصول عليها فلم نوفق وهي بخط الشيخ محمود مؤرخة بسنة 1089 ه ق.
مخ ۱۲
الكتاب:
وهو واحد من أمهات المصادر التراثية ومن أقدمها، يضم بين دفتيه كنوزا من الأنوار الإلهية والمعارف القرآنية والأمور التاريخية والاجتماعية، وفي الأعم الأغلب يدور حول ما نزل في أهل البيت (عليهم السلام) من آي الذكر الحكيم ويتخلله بعض الروايات التي لا ترتبط بما نزل فيهم بل لها جانب تفسيري محض وربما لا يكون لها جانب تفسيري بل ذكرت فيها آية استطرادا وتارة ليس فيها أي ارتباط يذكر.
وقد وصف بأنه تفسير آيات القرآن المروي عن الأئمة كما في مقدمة هذا الكتاب، وفي هذا التعبير الذي لا يعرف قائله مسامحة ما، جمع فيه المصنف روايات كثيرة يرجع قسم منها إلى الأصول والكتب التفسيرية التي كانت متداولة في عصر الأئمة بأسانيد مختلفة ومن مختلف الفئات الإسلامية فمن الشيعة: الإمامية والزيدية والواقفية و... ومن السنة كذلك مختلف الفئات ولا يقتصر فيها على أحاديث الرسول أو أهل البيت عليهم الصلاة والسلام بل يتعداها إلى أقوال الصحابة والتابعين وبعض الشخصيات الأخرى.
وهذا الكتاب لم يكن بمتناول أحد من العلماء والأعلام فيما نعرف إلى زمن العلامة المجلسي (رحمه الله) سوى الحاكم أبي القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحسكاني الحافظ صاحب الكتاب النفيس شواهد التنزيل حيث كان عنده هذا الكتاب بالكامل وهو يكثر النقل عنه في كتابه وأيضا ينقل بسنده إلى فرات إضافة إلى النقل المباشر وقد كان لدى الحاكم الحسكاني أصولا وكتبا أخرى هي غير موجودة اليوم مثل التفسير العتيق وتفسير العياشي بكامله مسندا و... و...
فما هو السبب الذي مني به الكتاب من المجهولية كما مني به صاحب الكتاب؟ ربما يكون للاتجاه الفكري دورا في الموضوع فالكتاب كمؤلفه لا يمثل الاتجاه الإمامي حتى تهتم به أوساطها ففي الكتاب مثلا تصريحات لزيد في نفي العصمة عن الإمام السجاد والباقر والصادق وان المعصومين منا خمسة لا سادس لهم ولا يرتبط بالأوساط السنية بشكل من الأشكال حتى تهتم به ففي الكتاب تعريض لبعض الصحابة وفيه أيضا التوجه الخاص الموجود عند الشيعة في أخذ معارفهم من أهل البيت حيث ترى الكتاب زاخرا بأحاديث الباقر والصادق (عليهما السلام)، ولم يحصل للزيدية قدرة تذكر في مراكز التحرك العلمي والثقافي مثل ايران والعراق والشام ومصر حتى يتمكنوا من صيانة تراثهم وبثه.
وربما كان بسبب روائيته المحضة وخلوه من الجوانب الأدبية والقصصية والشعرية و... لم يلق رواجا وسوقا عند العامة وأهل الأذواق الخاصة فبقي طي الكتمان فالكتاب هذا
مخ ۱۳
لا يثير هواة الشعر والقصص والنحو والأدب والفلسفة و... بل يثير أهله فقط وهم الزيدية وقد قدمنا الكلام في أن الزيدية تضاءل دورهم وانحسر مدهم وصاروا على هامش الساحة فبقي هذا الكتاب وأمثاله خلف الستار.
ولا أريد هنا نفي العناصر المشتركة الموجودة لدى كافة الطوائف والمؤدية إلى ضياع الكثير من الآثار والتراث مثل التساهل والتسامح والغفلة عن حفظ التراث أو الكوارث الطبيعية والصراعات المحلية فتلك العناصر لها موقعها المطلوب من هذه الاحتمالات لكنا نريد أن نبحث عن العناصر الخاصة التي ربما تكون موجودة في هذا الكتاب إضافة إلى العناصر المشتركة التي هي في غنى عن التنويه بها والتعريض لها.
وينبغي أن نشير إلى أنه من الضروري تشكيل لجان خاصة للبحث والتنقيب عما تبقى من الكتب التراثية لصيانتها وحفظها ونشرها فلا يزال العديد من الكتب باقية هنا وهناك تنتظر فرص الانقاذ والنشر وبين كل فترة وأخرى نسمع بالعثور على كتاب من الكتب وقد عثر في الآونة الأخيرة في إيطاليا على أثر نفيس في مناقب أهل البيت لأبي جعفر محمد بن سليمان الكوفي القاضي المعاصر لفرات والذي يحتوي على أكثر من ألف حديث ولم يطلع على هذا الكتاب من ذي قبل أحد من العلماء سوى بعض أوساط الزيدية باليمن وهو الآن قيد الطبع وسيصدر قريبا إنشاء الله بتحقيق شيخنا الوالد.
ترتيب الكتاب
وضع الكتاب على أساس السور القرآنية في الغالب فأدرج مثلا كل ما يرتبط بسورة البقرة فيها دون مراعاة ترتيب داخلي للآيات والأحاديث فالأحاديث المرتبطة بالآية 274 مثلا هي خمسة أحاديث لكنها لم تأت في مكان واحد وبالتعاقب، بل الأول كان تحت الرقم (2) من الأصل والثاني تحت الرقم 11 والثالث تحت الرقم 19 والرابع تحت الرقم 25، والخامس تحت الرقم 28 من الأصل وهلم جرا سائر الأحاديث في مختلف السور، ولم يكن الأمر ينتهي بهذا بل في كثير من الأماكن وقع الخلط في أحاديث السور أيضا فترى عددا من أحاديث سورة المائدة وقعت في سورة البقرة أو أنه وقع الخلط بين السور المتشابهة في الاسم مثل النمل والنحل والحج والحجر وغيرها من الموارد ولا أدري ممن وقع هذا الخلط الفظيع ومتى وقع فأقدم نسخة عندنا والتي تعود إلى القرن العاشر بهذا الشكل، ولا ندري كيف كان الوضع الأولي للكتاب هل كان مرتبا كما هو عليه باقي الكتب أو كان مثلما هو عليه الآن فعلى أية حال حينما واجهنا هذه الاختلالات لم نر بدا من جعل كل حديث في
مخ ۱۴
سورته ثم حينما غيرنا الترتيب الأصلي للكتاب بدا لنا في أن نرتب الكتاب على أساس الآيات القرآنية وفق سائر الكتب المدونة في هذا الفن وأن ندرج كل حديث تحت الآية المرتبطة بها فأضفنا إلى الكتاب الآيات المرتبطة بالأحاديث وجعلناها بمنزلة العنوان للأحاديث فكل الآيات التي ذكرناها في بداية الأحاديث هي من الإضافات التي لم تكن في الكتاب أما عناوين السور والعناوين التي وردت في المقدمة فهي من الأصل.
وحينما غيرنا ترتيب الكتاب حاولنا أن لا تفوت أية فائدة علمية أو تحقيقية من هذا التغيير فوضعنا في بداية كل حديث رقمين: الأول للتسلسل والثاني لبيان الوضع الأصلي للحديث فاذا لاحظنا الحديث يحمل رقم 90- 3- .. فالأول للتسلسل والثاني يعني أنه كان الحديث الثالث من هذه السورة حسب الأصل.
والمصنف كثيرا ما يلخص أسماء الشيوخ عند تعاقبها فإذا قال تحت الرقم (1) حدثنا الحسين بن الحكم فانه في الرقم الثاني يكتفي بقوله (حدثنا الحسين) ومع الاخلال بالترتيب السابق ربما فوت بعض هذه القرائن على المطالع غير المتنبه لدور الأرقام الموجودة فأضفنا في أمثال هذه الموارد (بن الحكم) ووضعناه بين المعقوفين وذلك فيما إذا انقطع الاتصال والتعاقب.
وقد سبق أن قدمنا الكلام بأنه لم يطلع أحد على هذا الكتاب في العصور المتقدمة سوى الحاكم الحسكاني (رحمه الله) ولا نعرف مواصفات نسخته سوى أنها كانت مسندة وغالب موارد النقل عنها موجود في النسخة التي بأيدينا سوى مورد واحد، لكن هذه النسخة التي بأيدينا قد أسقط عامة أسانيدها إلا بعض الأسانيد في الأول والوسط وآخر الكتاب، وأما نسخة (ر) التي كانت عند العلامة المجلسي رضوان الله عليه فهي أيضا مسقطة الأسانيد وتشترك مع النسخ التي اعتمدنا عليها في الطبع والتحقيق أنها من أصل واحد إلا أنها شبه تلخيص لفرات، وذلك من كاتب ليس له إلمام ودرك لمثل هذه الأمور ولم يتبع فيه الأساليب العلمية والواضحة بل وقع التلخيص ممن يجهل هذا الفن تماما وبالنتيجة فالنسخة التي اعتمد عليها العلامة المجلسي في البحار نسخة ناقصة ومشوشة نسبيا.
والكتاب الموجود عندنا هو برواية أبي الخير مقداد بن علي الحجازي المدني عن أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العلوي الحسني أو الحسيني عن فرات كما نلاحظ ذلك في بداية الكتاب ونهايته، والمقدمة التي وردت في أول الكتاب قبل الأحاديث ليست لفرات على ما يبدو وليس في الكتاب نكتة أو تعليقة أو كلام من فرات حتى تتبين لنا مكانته العلمية والفكرية.
مخ ۱۵
وأما مشكلة حذف الأسانيد فلا ندري متى وقع هذا الأمر المؤسف نعم لو لاحظنا من جهة أن نسخة الحسكاني كانت مسندة ودققنا في التسلسل السندي لرواية كتاب فرات الموجود حاليا عندنا في أول الكتاب وآخره نظرنا إلى تاريخ النسخ التي بأيدينا والتي تعود أقدمها إلى قبل خمسة قرون لاهتدينا ربما إلى تحديد الفترة التي وقع فيها الحذف وهي ما بين القرن الخامس والعاشر على أن هذه التقديرات راجعة إلى النسخة التي وقع فيها الحذف فلربما بقيت النسخة المسندة إلى فترات متأخرة وعسى أن نعثر في المستقبل القريب على نسخة كاملة لتفسير فرات.
وأما السبب في هذا التصرف فربما يعود لجهل الناسخ إلى أهمية الاسناد في الرواية فأراد الاقتصار على لباب المطلب بزعمه وحذف التشريفات الزائدة فحذف الأسانيد كما وقع ما يشبه هذا الأمر في نسخة (ر) حيث أن الكاتب لم يكتف بهذا المقدار بل حذف المتون المكررة، أو كان السبب في أن المحدثين في قرون متمادية كانوا لا يروون الكتاب إلا باجازة تعود ولو بالواسطة إلى مؤلف الكتاب وصاحب الحديث فإذا لم يجدوا أحدا يجيزهم ذلك نقلوا الأحاديث على نحو الإرسال كما فعل ذلك بتفسير العياشي حيث أن الذي حذف منه الاسناد يذكر في المقدمة ما ملخصه: إني لما رغبت إلى هذا وطلبت سماعا من المصنف أو غيره فلم أجد في ديارنا من كان عنده سماع أو إجازة منه حذفت منه الاسناد وكتبت الباقي على وجهه ليكون أسهل على الكاتب والناظر فيه فان وجدت بعد ذلك سماع أو إجازة المصنف اتبعت الأسانيد.
ولربما يعود السبب إلى أن رجال السند كانوا لدى الكاتب من المجاهيل فأراد أن يريح نفسه من ذكر أناس غير معروفين فحذف الأسانيد إلا أن هذا الاحتمال ضعيف.
ولم يراع الذي أسقط الأسانيد ترتيبا واحدا ونهجا علميا في الحذف ففي البداية لم يحذف الأسانيد ثم حينما استمر بالكتابة كأنما مل من تكرر الأسماء وطولها فحذفها واقتصر على ذكر شيخه فقط ثم أردفه بقوله (معنعنا) لكن هذا لغير بداية السور أما بداية السور فتارة يقتصر على ذكر فرات نفسه وتارة يقتصر على ذكر راوية فرات (أبو القاسم العلوى عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن) وربما أعقبه بذكر فرات ولربما أعقب ذكر فرات ذكر شيخه نادرا وكأن الكاتب أصابته صحوة في أثناء الكتابة فأبقى قسما من أسانيد أواسط الكتاب وأيضا حينما وصل به الأمر إلى أواخر الكتاب وأحس بنشوة الخلاص من معاناة الكتابة أثبت بعض الأسانيد في آخر الكتاب. وكل هذا يؤكد الاحتمال الأول من أسباب الحذف.
مخ ۱۶
ومما يهون الخطب في كافة الأمور الثقافية هو أن الله الحجة البالغة وكتابه الساطع الذي يفرق بين الحق والباطل وهناك الأحاديث الكثيرة المتواترة المقطوع صدورها بحيث يمكن أن تكون ميزانا لمعرفة الأحاديث الأخرى بعد العرض عليها، وأيضا هناك الفطرة السليمة التي تتمكن نوعا ما من تمييز الجيد من الردي، وقد أرجعنا الرسول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما رواه الكثير من علماء الفريقين إلى الثقلين كتاب الله وعترته ما إن تمسكنا بهما لن نضل بعده أبدا وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليه الحوض، فالكتاب واضح برهانه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه قد حفظه الله من الزيادة والنقصان وعصمه من التلبيس والتحريف وأما الثقل الآخر فليس هو السنة النبوية ولا سنة أهل البيت بمعنى الأحاديث والروايات التي بأيدينا وذلك لما فيه من الاختلاق والتغيير والتناقض والسنة التي لا تعصم نفسها عن الكذب والضلال كيف يتم إرجاع الناس إليه من قبل الرسول وبالنتيجة فاقد العصمة كيف يورث العصمة من الضلال فيما إذا تمسكوا به، بل الثقل الآخر هم أهل البيت بأنفسهم فهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم وتطهيرا وهم حفظة هذا الدين من تحريف الغالين وانتحال المبطلين هم الأئمة الاثنى عشر الذين يمثلون وجودا مستمرا في جميع العصور إلى يوم القيامة حتى ورود الحوض مع استمرارية القرآن جنبا إلى جنب وفي عصر الغيبة وإن كان الإمام غائبا عن الأبصار إلا أنه رسم الخطوط العريضة والواضحة الحية للتمسك بهم والاهتداء بهديهم سواء في مجال القيادة والثقافة وهو الشاهد على الأوضاع والموجه لها بقدر ما تقتضيه أسباب الهداية واللطف الإلهي.
فعلينا دائما وأبدا أن نتمسك بالثقلين وعرض ما هو غامض على القرآن ومراجعة أولي الفقه والبصيرة الذين يمثلون تلك. الخطوط وأن لا نتسرع في الحكم على الأحاديث بمجرد عدم فهمنا لها فللقرآن ظهر وبطن ولبطنه بطن إلى سبعين بطن فربما نرى رواية تتعارض بالنظر البدوي لظاهر القرآن إلا أننا لو تأملنا وتريثنا لعرفنا أنه ليس فقط لا يتعارض بل يؤيده كل التأييد لكن لا يلقاها إلا الذين صبروا ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم فظاهره أنيق وباطنه عميق فإذا وجدنا آية ظاهرها في جماعة معينة ثم تقول الرواية أنها نزلت في أهل البيت أو في شيعتهم أو في أعدائهم فلا نستنكر ذلك فقد جاء في الحديث كما في أول الكتاب: القرآن أربعة أرباع ربع فينا وربع في عدونا وربع فرائض وأحكام وربع حلال وحرام ولنا كرائم القرآن، وفي ح 166 من هذا الكتاب نحوه عن الباقر وأضاف: ولو أن آية نزلت في قوم ثم ماتوا اولئك ماتت الآية إذا ما بقي من القرآن شيء، إن القرآن يجري من أوله إلى آخره وآخره إلى أوله ما قامت السماوات والأرض فلكل قوم آية يتلونها هم منها في خير أو شر.
مخ ۱۷